فصل: تفسير الآيات (103- 113):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المحيط في تفسير القرآن العظيم (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (103- 113):

{فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)}
{فإذا قضيت الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} الظاهر: أنّ معنى قضيتم الصلاة أي فرغتم منها، والصلاة هنا صلاة الخوف، وإلى ذلك ذهب الجمهور، وكذا فسره ابن عباس. والذكر المأمور به هنا هو الذكر باللسان إثر صلاة الخوف على حدّ ما أمروا به عند قضاء المناسك بذكر الله، فأمروا بذكر الله من: التهليل، والتكبير، والتسبيح، والدعاء بالنصر، والتأييد في جميع الأحوال فإن ما هم فيه من ارتقاب مقارعة العدو، حقيق بالذكر، والالتجاء إلى الله. أي: فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة أي أتموها. وذهب قوم إلى أنّ معنى قضيتم الصلاة: تلبستم بالصلاة وشرعتم فيها. ومعنى الأمر بالذكر أي: صلوها قياماً في حال المسايفة والاختلاط، وقعوداٍ جاثين على الركب من أنين، وعلى جنوبكم مثخنين بالجراح، فهي هيآت لأحوال على حسب تفصيلها. فإذا اطمأننتم حين تضع الحرب أوزارها وأمنتم، فأقيموا الصلاة أي: فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي أحوال القلق والانزعاج، وبهذا الوجه بدأ الزمخشري وهو خلاف الظاهر. قال: وهذا ظاهر على مذهب الشافعي في إيجابه الصلاة على المحارب في حال المسايفة، والمشي والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها، فإذا اطمأن فعليه القضاء، وأما عند أبي حنيفة فهو معذور في تركها الى أن يطمئن. وقيل: قوله: فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا، أنه أمر بالصلاة حاله إلا من بعد الخوف قياماً للأصحاء، وقعوداً للعاجزين عن القيام، وعلى جنوبكم العاجرين عن القعود لزمانة أو جراحة أو مرض لا يستطيع القعود معها، فإذا اطمأننتم أي: أمنتم من الخوف قاله: قتادة، والسدي. فأقيموا الصلاة أي: صلوها لا كصلاة الخوف، بل كصلاة الأمن في السفر. وقيل فإذا اطمأننتم أي: فإذا رجعتم من سفركم إلى الحضر فأقيموها تامة أربعاً.
{إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} أي واجبة في أوقات معلومة قاله: ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والسدي، وقتادة، وزيد بن أسلم، وابن قتيبة. ولم يقل موقوتة، لأن الكتاب مصدر، فهو مذكر. وروي عن ابن عباس: أن المعنى فرضاً مفروضاً، فهما لفظان بمعنى واحد، والظاهر الأول أي: فرضاً منجماً في أوقات. وقال أبو عبد الله الرازي: أجمل هنا تلك الأوقات وفسرها في أوقات خمساً، وتوقيتها بأوقات خمسة في نهاية الحسن نظراً إلى المعقول، لأن الحوادث لها مراتب خمس: مرتبة الحدوث، ومرتبة الوقوف، ومرتبة الكهولة وفيها نقصان خفي، ومرتبة الشيخوخة، والخامسة: أن تبقى آثاره بعد موته مدّة ثم تمحى. وهذه المراتب حصلت للشمس بحسب طلوعها وغروبها، فأوجب الله عند كل مرتبة من أحوالها الخمس صلاة انتهى. ما لخصناه من كلامه وطول هو كثيراً في شيء لا يدل عليه القرآن، ولا تقتضيه لغة العرب، ذكر ذلك في تفسيره فمن أراده فليطالعه فيه.
{ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون} قيل: تزلت في الجهاد مطلقاً. وقيل: في انصراف الصحابة من أحد، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم باتباع أبي سفيان وأصحابه، أمر أن لا يخرج إلا مَن كان معه في أحد، فشكوا بأنّ فيهم جراحات. وهذه الآية تشير إلى أن القضاء في قوله: {فإذا قضيتم الصلاة} إنما هو قضاء صلاة الخوف.
وقرأ الحسن: تهنوا بفتح الهاء وهي لغة. فتحت الهاء كما فتحت دال يدع، لأجل حرف الحلق، والمعنى: ولا تضعفوا أو تخوروا جبناً في طلب القوم. وقرأ عبيد بن عمير: ولا تهانوا من الإهانة. نهوا عن أن يقع منهم ما يترتب عليه إهانتهم من كونهم يجنون على أعدائهم فيهانون كقولهم: «لا أريناك هاهنا»، ثم شجعهم على طلب القوم وألزمهم الحجة، فإنّ ما فيهم من الألم مشترك، وتزيدون عليهم أنكم ترجون من الله الثواب وإظهار دينه بوعده الصادق، وهم لا يرجونه، فينبغي أن تكونوا أشجع منهم وأبعد عن الجبن. وإذا كانوا يصبرون على الآلام والجراحات والقتل، وهم لا يرجون ثواباً في الآخرة، فأنتم أحرى أن تصبروا. ونظير ذكر هذا الأمر المشترك فيه قول الشاعر:
قاتلوا القوم يا خداع ولا ** يأخذكم من قتالهم قتل

القوم أمثالكم لهم شعر ** في الرأس لا ينشرون أن قتلوا

والرجاء هنا على بابه، وقيل: معناه الخوف الذي تخافون من عذاب الله ما لا تخافون كقوله: إذا لسعته النحل لم يرج لسعها، أي: لم يخف. وزعم الفراء أنّ الرجاء لا يكون بمعنى الخوف إلا مع النفي، ولا يقال رجوتك بمعنى خفتك. وقرأ الأعرج: أن تكونوا بفتح الهمزة على المفعول من أجله. وقرأ ابن المسيفع: تئلمون بكسر التاء. وقرأ ابن وثاب ومنصور بن المعتمر: تئلمون بكسر تاء المضارعة فيهما ويائهما، وهي لغة.
{وكان الله عليماً حكيماً} أي عليماً بنياتكم حكيماً فيما يأمركم به وينهاكم عنه.
{إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً} طوَّل المفسرون في سبب النزول، ولخصنا منه انتهاء ما في قول قتادة وغيره. نزلت في طعمة بن أبيرق، سرق درعاً في جرب فيه دقيق لقتادة بن النعمان وخبأها عند يهودي، فحلف طعمة ما لي بها علم، فاتبعوا أثر الدقيق إلى دار اليهودي، فقال اليهودي: دفعها إليّ طعمة. وقيل: استودع يهودي درعاً فخانه، فلما خاف اطلاعهم عليها ألقاها في دار أبي مليك الأنصاري. قال السدي: وقيل: السلاح والطعام كان لرفاعة بن زيد عم قتادة، وأن بني أبريق نقبوا مشربيته وأخذوا ذلك، وهم بشير بضم الباء ومبشر وبشر، وأهموا أنَّ فاعل ذلك هو لبيد بن سهل، فشكاهم قتادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الرسول همَّ أن يجادل عن طعمه، أو عن أبيرق، ويقال فيه: طعيمة.
وقال الكرماني: أجمع المفسرون على أنّ هذه الآيات نزلت في طعمة بن أبيرق أحمد بني ظفر بن الحرث، إلا ابن بحر فإنه قال: نزلت في المنافقين، وهو متصل بقوله: {فما لكم في المنافقين فئتين} انتهى. وفي هذه الآية تشريف للرسول صلى الله عليه وسلم، وتفويض الأمور إليه بقوله: لتحكم بين الناس بما أراك الله.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما صرح بأحوال المنافقين، واتصل بذلك أمر المحاربة وما يتعلق بها من الأحكام الشرعية، رجع إلى أحوال المنافقين، فإنهم خانوا الرسول على ما لا ينبغي، فأطلعه الله على ذلك وأمره أن لا يلتفت إليهم، وكان بشير منافقاً ويهجو الصحابة وينحل الشعر لغيره، وأما طعمة فارتد، وأنه لما بين الأحكام الكثيرة عرف أنّ كلها من الله، وأنه ليس للرسول أن يحيد عن شيء منها طلباً لرضا قوم. أو أنه لما أنه يجاهد الكفار، أنه لا يجوز إلحاق ما لم يفعلوا بهم، وأنّ كفره لا يبيح المسامحة في النظر إليه، بل الواجب في الدين أن يحكم له وعليه بما أنزل الله، ولا يلحق به حيف لأجل أن يرضي المنافق.
والكتاب هنا القرآن. ومعنى بالحق: أي لا عوج فيه ولا ميل. والناس هنا عام، وبما أراك الله بما أعلمك من الوحي. وقيل: بالنظر الصحيح فإنه محروس في اجتهاده، معصوم في الأقوال والأفعال. وقيل: بما ألقاه في قلبك من أنوار المعرفة وصفاء الباطن. وعن عمر: «لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله، فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه، لأن الرأي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيباً، لأن الله تعالى كان يريه إياه، وهو منا الظن والتكليف دون الإهمال، أو بماله عاقبة حميدة، لأن ما ليس كذلك عبث وباطل». وقال الماتريدي: بالحق أي: موافقاً لما هو الحق على العباد، ولما لبعضهم على بعض ليعلموا بذلك، أو بياناً لأمره. وحق كائن ثابت وهو البعث والقيامة، ليتزودوا له. أو بما يحمل عليهم فاعله، أو بالعدل والصدق على الأمن من التغيير والتبديل. بما أراك الله: فيه دليل جواز اجتهاده، واجتهاده كالنص، لأن الله تعالى أخبر أنه يريه ذلك أو لا يريه غير الصواب انتهى كلامه.
{ولا تكن للخائنين خصيماً} أي: مخاصماً، كجليس بمعنى مجالس، قاله: الزجاج والفارسي وغيرهما. ويحتمل أن يكون للمبالغة من خصم، والخائنون جمع. فإنّ بني أبريق الثلاثة هم الذين نقبوا المشربة، فظاهر إطلاق الجمع عليهم وإن كان وحده هو الرّجل الذي خان في الدرع أو سرقها، فجاء الجمع باعتباره واعتبار من شهد له بالبراءة من قومه كأسيد بن عروة ومن تابعه ممن زكاه، فكانوا شركاء له في الإثم، خصوصاً من يعلم أنه هو السارق.
أو جاء الجمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته، فلا يخاصم لخائن قط، ولا يحاول عنه. وخصيماً يحتاج متعلقاً محذوفاً أي البراء. والبريء مختلف فيه حسب الاختلاف في السبب: أهو اليهودي الذي دفع إليه طعمة الدّرع وهو زيد بن السمين، أو أبو مليك الأنصاري؟ وهو الذي ألقى طعمة الدرع في داره لما خاف الافتضاح، أو لبيد بن سهل؟ وقال يحيى بن سلام: وكان يهودياً. وذكر المهدوي أنه كان مسلماً. وأدخله أبو عمرو بن عبد البر في كتاب الصحابة، فدل على إسلامه كما ذكر المهدوي. ولما نزلت هذه الآيات هرب طعمة إلى مكة وارتد، ونزل على سلافة فرماها حسان به في شعر قاله ومنه:
وقد أنزلته بنت سعد وأصبحت ** ينازعها جلد استها وتنازعه

ظننتم بأن يخفي الذي قد صنعتمو ** وفينا نبي عنده الوحي واضعه

فأخرجته ورمت رحله خارج المنزل وقالت: ما كنت تأتيني بخير أهديت لي شعر حسان، فنزل على الحجاج بن علاط وسرقه فطرده، ثم نقب بيتاً ليسرق منه فسقط الحائط عليه فمات. وقيل: اتبع قوماً من العرب فسرقهم فقتلوه.
{واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً} أي: استغفر لأمتك المذنبين المتخاصمين بالباطل. قال الزمخشري: واستغفر الله مما هممت به من عقاب اليهودي. وقال الطبري والزجاج: واستغفر الله أي من ذنبك في خصامك لأجل الخائنين. قال ابن عطية: وهذا ليس بذنب، لأنه عليه السلام إنما دافع على الظاهر وهو يعتقد برائتهم انتهى. وقيل: هو أمر بالاستغفار على سبيل التسبيح من غير ذنب أو قصد توبة، كما يقول الرجل: استغفر الله. وقيل: الخطاب صورة للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بنو أبيرق. وقيل: المعنى واستغفر الله مما هممت به قبل النبوّة.
{ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} هذا عام يندرج فيه أصحاب النازلة ويتقرر به توبيخهم. واختيان الأنفس هو مما يعود عليها من العقوبة في الآخرة والدنيا، كما جاء نسبة ظلمهم لأنفسهم. والنهي عن الشيء لا يقتضي أن يكون المنهى ملابساً للمنهى عنه. وروى العوفي عن ابن عباس: أن الرسول صلى الله عليه وسلم خاصم عن طعمة، وقام يعذر خطيباً. وروى قتادة وابن جبير: أنه همّ بذلك ولم يفعله.
{إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً} أتى بصيغة المبالغة في الخيانة والإثم ليخرج منه من وقع منه المرة، ومن صدرت منه الخيانة على سبيل الغفلة وعدم القصد. وفي صفتي المبالغة دليل على إفراط طعمة في الخيانة وارتكاب المآثم. وقيل: إذا عثرت من رجل سيئة فاعلم أنّ لها أخوات. وعن عمر أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمه تبكي وقالت: هذه أوّل سرقة سرقها فاعف عنه فقال: كذبت إنّ الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة.
وتقدمت صفة الخيانة على صفة المآثم، لأنها سبب للإثم خان فأثم، ولتواخي الفواصل.
{يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول} الضمير في يستخفون الظاهر: أنه يعود على الذين يختانون، وفي ذلك توبيخ عظيم وتقريع، حيث يرتكبون المعاصي مستترين بها عن الناس إنْ اطلعوا عليها، ودخل معهم في ذلك من فعل مثل فعلهم. وقيل: الضمير يعود على الصنف المرتكب للمعاصي، ويندرج هؤلاء فيهم، وهم أهل الخيانة المذكورة والمتناصرون لهم. وقيل: يعود على من باعتبار المعنى، وتكون الجملة نعتاً. وهو معهم أي: عالم بهم مطلع عليهم، لا يخفى عنه تعالى شيء من أسرارهم، وهي جملة حالية. قال الزمخشري: وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم عليه من قلة الحياء والخشية من ربهم، مع علمهم إن كانوا مؤمنين أنهم في حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة، وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح انتهى. وهذا كقول الشاعر:
يا للعجاج لمن يعصي ويزعم إذ ** قد آمنوا بالذي جاءت به الرسل

أتى بجامع إيمان لمعصية ** كلا أماني كذب ساقها الأمل

أي أن المعصية كلا أماني كذب ساقها الأمل الاستخفاء: الاستتار. وقال ابن عباس: الاستحياء استحى فاستخفى، إذ يبيتون ما لا يرضى من القول الذي رموا به البريء، ودافعوا به عن السارق. والعامل في إذ العامل في معهم، وتقدّم الكلام في التبييت.
{وكان الله بما يعملون محيطاً} كناية عن المبالغة في العلم. ولما كانت قصة طعمة جمعت بين عمل وقول: جاء وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً، فنبه على أنه عالم بأقوالهم وأعمالهم. وتضمن ذلك الوعيد الشديد والتقريع البالغ، إذ كان تعالى محيطاً بجميع الأقوال والأعمال، فكان ينبغي أن تستر القبائح عنه بعدم ارتكابها.
{ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أمّن يكون عليهم وكيلاً} تقدم الكلام على ها أنتم هؤلاء، وعلى الجملة بعدها قراءة وإعراباً في سورة آل عمران والخطاب للذين يتعصبون لأهل الريب والمعاصي، ويندرج في هذا العموم أهل النازلة. والأظهر أن يكون ذلك خطاباً للمتعصبين في قصة طعيمة، ويندرج فيه مَن عمل عملهم. ويقوي ذلك أنَّ هؤلاء إشارة إلى حاضرين. وقرأ عبد الله عنه في الموضعين أي: عن طعمة. وفي قوله: فمن يجادل الله عنهم، وعيد محض أي: أنّ الله يعلم حقيقة الأمر، فلا يمكن أن يلبس عليه بجدال ولا غيره. ومعنى هذا الاستفهام النفي أي: لا أحد يجادل الله عنهم يوم القيامة إذا حل بهم عذابه.
والوكيل: الحافظ المحامي، والذي يكل الإنسان إليه أموره. وهذا الاستفهام معناه النفي أيضاً، كأنه قال: لا أحد يكون وكيلاً عليهم فيدافع عنهم ويحفظهم. وهاتان الجملتان انتفى في الأولى منهما المجادلة، وهي المدافعة بالفعل والنصرة بالقوة.
{ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} الظاهر أنهما غير أنّ عمل السوء القبيح الذي يسوء غيره، كما فعل طعمة بقتادة واليهودي. وظلم النفس ما يختص به كالحلف الكاذب. وقيل: ومن يعمل سوءاً من ذنب دون الشرك، أو يظلم نفسه بالشرك انتهى. وقيل: السوء الذنب الصغير، وظلم النفس الذنب الكبير. وقال أبو عبد الله الرازي: وخص ما يبدي إلى الغير باسم السوء، لأن ذلك يكون في الأكثر لا يكون ضرراً حاضراً، لأنّ الإنسان لا يوصل الضرر إلى نفسه. وقيل: السوء هنا السرقة. وقيل: الشرك. وقيل: كل ما يأثم به. وقيل: ظلم النفس هنا رمي البريء بالتهمة. وقيل: ما دون الشرك من المعاصي. وقال ابن عطية: هما بمعنى واحد تكرر باختلاف لفظ مبالغة. والظاهر تعليق الغفران والرحمة للعاصي على مجرد الاستغفار وأنه كاف، وهذا مقيد بمشيئة الله عند أهل السنة. وشرط بعضهم مع الاستغفار التوبة، وخص بعضهم ذلك بأنْ تكون المعصية مما بين العبد وبين ربه، دون ما بينه وبين العبيد. وقيل: الاستغفار التوبة. وفي لفظة: يجد الله غفوراً رحيماً، مبالغة في الغفران. كأنّ المغفرة والرحمة معدَّان لطالبهما، مهيآن له متى طلبهما وجدهما. وهذه الآية فيها لطف عظيم ووعد كريم للعصاة إذا استغفروا الله، وفيها تطلب توبة بني أبيرق والذابين عنهم واستدعاؤهم لها. وعن ابن مسعود: أنها من أرجى الآيات.
{ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليماً حكيماً} الإثم: جامع للسوء وظلم النفس السابقين والمعنى: أنّ وبال ذلك لاحق له لا يتعدّاه إلى غيره، وهو إشارة إلى الجزاء اللاحق له في الآخرة. وختمها بصفة العلم، لأنه يعلم جميع ما يكسب، لا يغيب عنه شيء من ذلك. ثم بصفة الحكمة لأنه واضع الأشياء مواضعها فيجازى على ذلك الإثم بما تقتضيه حكمته. فالصفتان أشارتا إلى علمه بذلك الإثم، وإلى ما يستحق عليه فاعله. وفي لفظة: على، دلالة استعلاء الإثم عليه، واستيلائه وقهره له.
{ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً} قيل: نزلت في طعمة بن أبيرق حين سرق الدرع ورماها في دار اليهودي. وروى الضحاك عن ابن عباس: أنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول، إذ رمى عائشة بالإفك. وظاهر العطف بأو المغايرة، فقيل: الخطيئة ما كان عن غير عمد. والإثم: ما كان عن عمد، والصغيرة والكبيرة، أو القاصر على فعل والمتعدي إلى غيره. وقيل: الخطيئة سرقة الدرع، والإثم يمينه الكاذبة.
وقال ابن السائب: الخطيئة يمين السارق الكاذبة، والإثم سرقة الدرع، ورمى اليهودي به. وقال الطبري: الخطيئة تكون عن عمد وغير عمد، والإثم لا يكون إلا عن عمد. وقيل: هما لفظان بمعنى واحد، كرّرا مبالغة. والضمير في: به، عائد على الإثم، والمعطوف بأو يجوز أن يعود الضمير على المعطوف عليه كقوله: انفضوا إليها وعلى المعطوف كهذا. وتقدم الكلام في ذلك بأشبع من هذا. وقيل: يعود على الكسب المفهوم من يكسب. وقيل: على المكسوب. وقيل: يعود على أحد المذكورين الدال عليه العطف بأو، كأنه قيل: ثم يرم بأحد المذكورين. وقيل: ثم محذوف تقديره: ومن يكسب خطيئة ثم يرم به بريئاً أو إثماً ثم يرم به بريئاً، وهذه تخاريج من لم يتحقق بشيء من علم النحو.
والبريء المتهم بالذنب ولم يذنب. ومعنى: فقد احتمل بهتاناً، أي برميه البريء، فإنه يبهته بذلك، وإثماً مبيناً أي: ظاهراً لكسبه الخطيئة أو الإثم. والمعنى: أنه يستحق عقابين: عقاب الكسب، وعقاب البهت. وقدم البهت لقربه من قوله: ثم يرم به بريئاً، ولأنه ذنب أفظع من كسب الخطيئة أو الإثم. ولفظ احتمل أبلغ من حمل، لأنّ افتعل فيه للتسبب كاعتمل. ويحتمل أن يكون افتعل فيه كالمجرد كما قال: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ} فيكون كقدر واقتدر. لما كان الوزر يوصف بالفعل، جاء ذكر الحمل والاحتمال وهو استعارة. جعل المجني كالجرم المحمول. ولفظة: ومَن تدل على العموم، فلا ينبغي أن تخصّ ببني أبيرق، بل هم مندرجون فيها. وقرأ معاذ بن جبل: ومن يكِسّب بكسر الكاف وتشديد السين، وأصله: يكتسب. وقرأ الزهري: خطية بالتشديد.
{ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء} الظاهر: أنّ الضمير في منهم عائد على بني ظفر المجادلين والذابين عن بني أبيرق. أي: فلولا عصمته وإيحاؤه إليك بما كتموه، لهموا بإضلالك عن القضاء بالحق وتوخي طريق العدل، مع علمهم بأنّ الجاني هو صاحبهم. فقد روي أنّ ناساً منهم كانوا يعلمون حقيقة القصة، هذا فيه بعض كلام الزمخشري، وهو قول ابن عباس من رواية السائب: أنها متعلقة بقصة طعمة وأصحابه، حيث لبسوا على الرسول أمر صاحبهم.
وروى الضحاك عن ابن عباس: أنها نزلت في وفد ثقيف قدموا على الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: جئناك نبايعك على أنْ لا نحشر ولا نعشر، وعلى أن تمتعنا بالعزى سنة، فلم يجبهم فنزلت. وقال ابن عطية: وفق الله نبيه على مقدار عصمته له، وأنها بفضل من الله ورحمته. وقوله تعالى: لهمت معناه لجعلته همها وشغلها حتى تنفذه، وهذا يدل على أنّ الألفاظ عامة في غير أهل النازلة، وإلا فأهل الغضب لبني أبيرق، وقد وقع همهم وثبت. والمعنى: ولولا عصمة الله لك لكان في الناس من يشتغل بإضلالك ويجعله همّ نفسه، كما فعل هؤلاء، لكن العصمة تبطل كيد الجمع انتهى.
والظاهر القول الأول كما ذكرنا، إلا أن الهمّ يحتاج إلى قيد أي: لهمت طائفة منهم هما يؤثر عندك. ولابد من هذا القيد، لأنهم هموا حقيقة أعني: المجادلين عن بني أبيرق، أو يخصّ الضلال عن الدين فإنّ الهم بذلك أي: لهموا بإضلالك عن شريعتك ودينك، وعصمة الله إياك منعتهم أن يخطروا ذلك ببالهم. وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء أي: وبال ما أقدموا عليه من التعاون على الإثم والبهت، وشهادة الزور، إنما هو يخصهم. وما يضرونك من شيء مِن تدل على العموم نصاً أي: لا يضرونك قليلاً ولا كثيراً. قال القفال: وهذا وعد بالعصمة في المستقبل.
{وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} الكتاب: هو القرآن. والحكمة تقدّم تفسيرها والمعنى: إنّ من أنزل الله عليه الكتاب والحكمة وأهله لذلك، وأمره بتبليغ ذلك، هو معصوم من الوقوع في الضلال والشبه.
{وعلمك ما لم تكن تعلم} قال ابن عباس ومقاتل: هو الشرع. وقال أبو سليمان الدمشقي: أخبار الأولين والآخرين. وذكر الماوردي: الكتاب والحكمة، وذكر أيضاً مقدار نفسك النفيسة. وقيل: خفيات الأمور، وضمائر الصدور التي لا يطلع عليها إلا بوحي. وقال القفال: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يُراد ما يتعلق بالدين كما قال تعالى: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} وعلى هذا التقدير: وأطلعك على أسرار الكتاب والحكمة، وعلى حقائقهما، مع أنك ما كنت عالماً بشيء، فكذلك بفعل بك في مستأنف أيامك، لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك ولا على استزلالك. الثاني: ما لم تكن تعلم من أخبار القرون السالفة، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين وكيدهم ما لا يقدر على الاحتراز منه انتهى. وفيه بعض تلخيص. والظاهر العموم، فيشمل جميع ما ذكروه. فالمعنى: الأشياء التي لم تكن تعلمها. لولا إعلامه إياك إياها.
{وكان فضل الله عليك عظيماً} قيل: المنة بالإيمان. وقال أبو سليمان: هو ما خصه به تعالى. وقال أبو عبدالله الرازي: هذا من أعظم الدلائل على أنّ العلم أشرف الفضائل والمناقب. وذلك أنّ الله تعالى ما أعطى الخلق من العلم إلا قليلاً، ونصيب الشخص من علوم الخلائق يكون قليلاً، ثم إنه سمى ذلك القليل عظيماً.
وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع. منها الاستعارة في: وإذا ضربتم في الأرض، وفي: فيميلون استعار الميل للحرب. والتكرار في: جناح ولا جناح لاختلاف متعلقهما، وفي: فلتقم طائفة: ولتأت طائفة، وفي: الحذر والأسلحة، وفي: الصلاة، وفي: تألمون، وفي: اسم الله. والتجنيس المغاير في: فيميلون ميلة، وفي: كفروا إن الكافرين، وفي: تختانون وخواناً، وفي: يستغفروا غفوراً. والتجنيس المماثل في: فأقمت فلتقم، وفي: لم يصلوا فليصلوا، وفي: يستخفون ولا يستخفون، وفي: جادلتم فمن يجادل، وفي: يكسب ويكسب، وفي: يضلوك وما يضلون، وفي: وعلمك وتعلم.
قيل: والعام يراد به الخاص في: فإذا قضيتم الصلاة ظاهره العموم، وأجمعوا على أن المراد بها صلاة الخوف خاصة، لأن السياق يدل على ذلك، ولذلك كانت أل فيه للعهد انتهى. وإذا كانت أل للعهد فليس من باب العام المراد به الخاص، لأن أل للعموم وأل للعهد فهما قسيمان، فإذا استعمل لأحد القسيمين فليس موضوعاً للآخر. والإبهام في قوله: بما أراك الله وفي: ما لم تكن تعلم. وخطاب عين ويراد به غيره وفي: ولا تكن للخائنين خصيماً فإنه صلى الله عليه وسلم محروس بالعصمة أن يخاصم عن المبطلين. والتتميم في قوله: وهو معهم للإنكار عليهم والتغليظ لقبح فعلهم لأن حياء الإنسان ممن يصحبه أكثر من حيائه وحده، وأصل المعية في الإجرام، والله تعالى منزه عن ذلك، فهو مع عبده بالعلم والإحاطة. وإطلاق وصف الإجرام على المعاني فقد احتمل بهتاناً. والحذف في مواضع.