فصل: تفسير الآيات (7- 9):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (91- 93):

{إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)}
قوله تعالى: {إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها} يعني مكة التي عظم الله حرمتها، أي جعلها حرما آمنا، لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر، على ما تقدم بيانه في غير موضع وقرأ ابن عباس: {التي حرمها} نعتا للبلدة. وقراءة الجماعة {الَّذِي} وهو في موضع نصب نعت ل {رب} ولو كان بالألف واللام لقلت المحرمها، فإن كانت نعتا للبلدة قلت المحرمها هو، لا بد من إظهار المضمر مع الالف واللام، لان الفعل جرى على غير من هول، فإن قلت الذي حرمها لم تحتج أن تقول هو. {وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} خلقا وملكا. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} أي من المنقادين لأمره، الموحدين له. {وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ} أي وأمرت أن أتلو القرآن، أي أقرأه. {فَمَنِ اهْتَدى} فله ثواب هدايته. {وَمَنْ ضَلَّ} فليس على إلا البلاغ، نسختها آيه القتال. قال النحاس. {وَأَنْ أَتْلُوَا} نصب بأن. قال الفراء: وفي إحدى القراءتين {وأن أتل} وزعم أنه في موضع جزم بالأمر فلذلك حذف منه الواو، قال النحاس: ولا نعرف أحدا قرأ هذه القراءة، وهى مخالفة لجميع المصاحف. قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} أي على نعمه وعلى ما هدانا {سَيُرِيكُمْ آياتِهِ} أي في أنفسكم وفي غيركم كما قال: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم}. {فَتَعْرِفُونَها} أي دلائل قدرته ووحدانيته في أنفسكم وفي السماوات وفي الأرض، نظيره قوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وفي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ}. {وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قرأ أهل المدينة واهل الشام وحفص عن عاصم بالتاء على الخطاب، لقوله: {سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها} فيكون الكلام على نسق واحد. الباقون بالياء على أن يرد إلى ما قبله {فمن اهتدى} فأخبر عن تلك الآية. كملت السورة والحمد لله رب العالمين، وصلي الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

.سورة القصص:

مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وقال ابن عباس وقتادة إلا آية نزلت بين مكة والمدينة. وقال ابن سلام: بالجحفة في وقت، هجرة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة. وهي قوله عز وجل: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد}. وقال مقاتل: فيها من المدني {الذين آتيناهم الكتاب} إلى قوله: {لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ}. وهي ثمان وثمانون آية.

.تفسير الآيات (1- 6):

{طسم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (6)}
قوله تعالى: {طسم} تقدم الكلام فيه. {تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ} {تِلْكَ} في موضع رفع بمعنى هذه تلك و{آياتُ} بدل منها. ويجوز أن يكون في موضع نصب ب {نَتْلُوا} و{آياتُ} بدل منها أيضا، وتنصبها كما تقول: زيدا ضربت. و{الْمُبِينِ}
أي المبين بركته وخيره، والمبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وقصص الأنبياء، ونبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ويقال: بأن الشيء وأبان اتضح. {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.} ذكر قصة موسى عليه السلام وفرعون وقارون، واحتج على مشركي قريش، وبين أن قرابة قارون من موسى لم تنفعه مع كفره، وكذلك قرابة قريش لمحمد، وبين أن فرعون علا في الأرض وتجبر، فكان ذلك من كفره، فليجتنب العلو في الأرض، وكذلك التعزز بكثرة المال، وهما من سيرة فرعون وقارون {نَتْلُوا عَلَيْكَ} أي يقرأ عليك جبريل بأمرنا {مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ} أي من خبرهما و{مِنْ} للتبعيض و{مِنْ نَبَإِ} مفعول {نَتْلُوا} أي نتلو عليك بعض خبرهما، كقوله تعالى: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ}. ومعنى {بِالْحَقِّ} أي بالصدق الذي لا ريب فيه ولا كذب. {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي يصدقون بالقرآن ويعلمون أنه من عند الله، فأما من لم يؤمن فلا يعتقد أنه حق. قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ} أي استكبر وتجبر، قاله ابن عباس والسدي وقال قتادة: علا في نقسه عن عبادة ربه بكفره وادعى الربوبية وقيل: بملكه وسلطانه فصار عاليا على من تحت يده. {فِي الْأَرْضِ} أي أرض مصر. {وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً} أي فرقا وأصنافا في الخدمة. قال الأعشى:
وبلدة يرهب الجواب دجلتها ** حتى تراه عليها يبتغى الشيعا

{يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ} أي من بنى إسرائيل. {يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} تقدم القول في هذا في البقرة عند قوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ} الآية، وذلك لان الكهنة قالوا له: إن مولودا يولد في بنى إسرائيل يذهب ملكك على يديه، أو قال المنجمون له ذلك، أو رأى رؤيا فعبرت كذلك. قال الزجاج: العجب من حمقه لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا ينفع، وإن كذب فلا معنى للقتل.
وقيل: جعلهم شيعا فاستسخر كل قوم من بنى إسرائيل في شغل مقرد. {إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} أي في الأرض بالعمل والمعاصي والتجبر. قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} أي نتفضل عليهم وننعم. وهذه حكاية مضت. {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} قال ابن عباس: قادة في الخير. مجاهد: دعاة إلى الخير. قتادة: ولاة وملوكا، دليله قوله تعالى: {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً} قلت: وهذا أعم فإن الملك إمام يؤتم به ومقتدى به. {وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ} لملك فرعون، يرثون ملكه، ويسكنون مساكن القبط وهذا معنى قوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا} قوله تعالى: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} أي نجعلهم مقتدرين على الأرض وأهلها حتى يستولى عليها، يعني أرض الشام ومصر. {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما} أي ونريد أن نرى فرعون وقرأ الأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف {ويرى} بالياء على أنه فعل ثلاثي من رأى {فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما} رفعا لأنه الفاعل الباقون {نرى} بضم النون وكسر الراء على أنه فعل رباعي من أرى يرى، وهي على نسق الكلام، لان قبله {وَنُرِيدُ} وبعده {وَنُمَكِّنَ}. {فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما} نصبا بوقوع الفعل وأجاز الفراء {ويرى فرعون} بضم الياء وكسر الراء وفتح الياء بمعنى ويرى الله فرعون {مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ} وذلك أنهم أخبروا أن هلاكهم على يدي رجل من بنى إسرائيل فكانوا على وجل: {مِنْهُمْ} فأراهم الله {ما كانُوا يَحْذَرُونَ} قال قتاد: كان حازيا لفرعون- والحازي المنجم- قال إنه سيولد في هذه السنة مولود يذهب بملكك، فأمر فرعون بقتل الولدان في تلك السنة. وقد تقدم.

.تفسير الآيات (7- 9):

{وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (8) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (9)}
قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ} قد تقدم معنى الوحي ومحامله. واختلف في هذا الوحي إلى أم موسى، فقالت فرقة: كان قولا في منامها وقال قتادة: كان إلهاما وقالت فرقة: كان بملك يمثل لها، قال مقاتل أتاها جبريل بذلك، فعلى هذا هو وحي إعلام لا إلهام وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية، وإنما إرسال الملك إليها على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى في الحديث المشهور، خرجه البخاري ومسلم، وقد ذكرناه في سورة براءة وغير ذلك مما روي من تكليم الملائكة للناس من غير نبوة، وقد سلمت على عمران بن حصين فلم يكن بذلك نبيا واسمها أيارخا وقيل أيارخت فيما ذكر السهيلي.
وقال الثعلبي: واسم أم موسى لوحا بنت هاند بن لاوى بن يعقوب. {أَنْ أَرْضِعِيهِ} وقرأ عمر بن عبد العزير: {أَنْ أَرْضِعِيهِ} بكسر النون وألف وصل، حذف همزة أرضع تخفيفا ثم كسر النون لالتقاء الساكنين قال مجاهد: وكان الوحي بالرضاع قبل الولادة.
وقال غيره بعدها. قال السدي: لما ولدت أم موسى أمرت أن ترضعه عقيب الولادة وتصنع به بما في الآية، لان الخوف كان عقيب الولادة وقال ابن جريج: أمرت بإرضاعه أربعة أشهر في بستان، فإذا خافت أن يصيح- لان لبنها لا يكفيه- صنعت به هذا. والأول أظهر إلا أن الآخر يعضده قوله: {فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ} و{إذا} لما يستقبل من الزمان، فيروى أنها اتخذت له تابوتا من بردي وقيرته بالقار من داخله، ووضعت فيه موسى وألقته في نيل مصر. وقد مضى خبره في طه قال ابن عباس: إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، فسلط الله عليهم القبط، وساموهم سوء العذاب، إلى أن نجاهم الله على يد موسى قال وهب: بلغني أن فرعون ذبح في طلب موسى سبعين ألف وليد ويقال: تسعون ألفا ويروي أنها حين اقتربت وضربها الطلق، وكانت بعض القوابل الموكلات بحبالي بني إسرائيل مصافية لها، فقالت: لينفعني حبك اليوم، فعالجتها فلما وقع إلى الأرض هالها نور بين عينيه، وأرتعش كل مفصل منها، ودخل حبه قلبها، ثم قالت: ما جئتك إلا لأقتل مولودك وأخبر فرعون، ولكني وجدت لابنك حبا ما وجدت مثله قط، فاحفظيه، فلما خرجت جاء عيون فرعون فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور نارا لم تعلم ما تصنع لما طاش عقلها، فطلبوا فلم يلفوا شيئا، فخرجوا وهي لا تدري مكانه، فسمعت بكاءه من التنور، وقد جعل الله عليه النار بردا وسلاما. قوله تعالى: {وَلا تَخافِي} فيه جهان: أحدهما- لا تخافي عليه الغرق، قاله ابن زيد الثاني- لا تخافي عليه الضيعة، قاله يحيي بن سلام. {وَلا تَحْزَنِي} فيه أيضا وجهان: أحدهما- لا تحزني لفراقه، قاله ابن زيد الثاني- لا تحزني أن يقتل، قاله يحيى بن سلام فقيل: إنها جعلته في تابوت طوله خمسة أشبار وعرضه خمسة أشبار، وجعلت المفتاح مع التابوت وطرحته في اليم بعد أن أرضعته أربعة أشهر.
وقال آخرون: ثلاثة أشهر وقال آخرون ثمانية أشهر، في حكاية الكلبي. وحكي أنه لما فرغ النجار من صنعة التابوت نم إلى فرعون بخبره، فبعث معه من يأخذه، فطمس الله عينيه وقلبه فلم يعرف الطريق، فأيقن أنه المولود الذي يخاف منه فرعون، فآمن من ذلك الوقت، وهو مؤمن آل فرعون، ذكره الماوردي.
وقال ابن عباس: فلما توارى عنها ندمها الشيطان وقالت في نفسها: لو ذبح عندي فكفنته وواريته لكان أحب إلي من إلقائه في البحر، فقال الله تعالى: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} أي إلى أهل مصر. حكى الأصمعي قال سمعت جارية أعرابية تنشد وتقول:
أستغفر الله لذنبي كله ** قبلت إنسانا بغير حله

مثل الغزال ناعما في دله ** فانتصف الليل ولم أصله

فقلت: قاتلك الله ما أفصحك! فقالت: أو يعد هذا فصاحة مع قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ} الآية، فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. قوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً} لما كان التقاطهم إياه يؤدي إلى كونه لهم عدوا وحزنا، فاللام في {لِيَكُونَ} لام العاقبة ولام الصيرورة، لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرة عين، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوا وحزنا. فذكر الحال بالمآل، كما قال الشاعر:
وللمنايا تربي كل مرضعة ** ودورنا لخراب الدهر نبنيها

وقال آخر:
فللموت تغذو الوالدات سخالها ** كما لخراب الدهر تبنى المساكن

أي فعاقبه البناء الخراب وإن كان في الحال مفروحا به والالتقاط وجود الشيء من غير طلب ولا إرادة، والعرب تقول لما وجدته من غير طلب ولا إرادة: التقطه التقاطا. ولقيت فلانا التقاطا. قال الراجز:
ومنهل وردته التقاطا ومنه اللقطة. وقد مضى بيان ذلك من الأحكام في سورة يوسف بما فيه كفاية وقرأ الأعمش ويحيي والمفضل وحمزة والكسائي وخلف {وحزنا} بضم الحاء وسكون الزاي. الباقون بفتحهما واختاره أبو عبيد وأبو حاتم قال التفخيم فيه. وهما لغتان مثل العدم والعدم، والسقم والسقم، والرشد والرشد. {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ} وكان وزيره من القبط. {وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ} أي عاصين مشركين آثمين. قوله تعالى: {وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ} يروى أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت يعوم في البحر، فأمرت بسوقه إليها وفتحه فرأت فيه صبيا صغيرا فرحمته وأحبته، فقالت لفرعون: {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} أي هو قرة عين لي ولك ف {قُرَّتُ} خبر ابتداء مضمر، قاله الكسائي وقال النحاس: وفية وجه آخر بعيد ذكره أبو إسحاق، قال: يكون رفعا بالابتداء والخبر {لا تَقْتُلُوهُ} وإنما بعد لأنه يصير المعنى أنه معروف بأنه قرة عين. وجوازه أن يكون المعنى: إذا كان قرة عين لي ولك فلا تقتلوه.
وقيل: تم الكلام عند قوله: {وَلَكَ}. النحاس: والدليل على هذا أن في قراءة عبد الله بن مسعود {وقالت امرأت فرعون لا تقتلوه قرت عين لي ولك}. ويجوز النصب بمعنى لا تقتلوا قرة عين لي ولك. وقالت: {لا تَقْتُلُوهُ} ولم تقل لا تقتله فهي تخاطب فرعون كما يخاطب الجبارون، وكما يخبرون عن أنفسهم. وقيل قالت {لا تَقْتُلُوهُ} فإن الله أتى به من أرض أخرى وليس من بني إسرائيل. {عَسى أَنْ يَنْفَعَنا} فنصيب منه خيرا {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها، وكان فرعون لما رأى الرؤيا وقصها على كهنته وعلمائه- على ما تقدم- قالوا له إن غلاما من بني إسرائيل يفسد ملكك، فأخذ بني إسرائيل بذبح الأطفال، فرأى أنه يقطع نسلهم فعاد يذبح عاما ويستحيي عاما، فولد هارون في عام الاستحياء، وولد موسى في عام الذبح. قوله تعالى: {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} هذا ابتداء كلام من الله تعالى، أي وهم لا يشعرون أن هلاكهم بسببه وقيل: هو من كلام المرأة، أي وبنو إسرائيل لا يدرون أنا التقطناه، ولا يشعرون إلا أنه ولدنا. واختلف المتأولون في الوقت الذي قالت فيه امرأة فرعون {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} فقالت فرقة: كان ذلك عند التقاطه التابوت لما أشعرت فرعون به، ولما أعلمته سبق إلى فهمه أنه من بني إسرائيل، وأن ذلك قصد به ليتخلص من الذبح فقال: علي بالذباحين، فقالت امرأته ما ذكر، فقال فرعون: أما لي فلا. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «لو قال فرعون نعم لآمن بموسى ولكان قرة عين له» وقال السدي: بل ربته حتى درج، فرأى فرعون فيه شهامة وظنه من بني إسرائيل واخذه في يده، فمد موسى يده ونتف لحية فرعون فهم حينئذ يذبحه، وحينئذ خاطبته بهذا، وجربته له في الياقوتة والجمرة، فاحترق لسانه وعلق العقدة على ما تقدم في طه قال الفراء: معت محمد بن مروان الذي يقال له السدي يذكر عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس أنه قال: إنما قالت {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا} ثم قالت: {تَقْتُلُوهُ} قال الفراء: وهو لحن، قال ابن الأنباري: وإنما حكم عليه باللحن لأنه لو كان كذلك لكان تقتلونه بالنون، لان الفعل المستقبل مرفوع حتى يدخل عليه الناصب أو الجازم، فالنون فيه علامة الرفع قال الفراء: ويقويك على رده قراءة عبد الله بن مسعود {وقالت امرأت فرعون لا تقتلوه قرة عين لي ولك} بتقديم {لا تَقْتُلُوهُ}.