فصل: القاعدة الخامسة والعشرون: حدود الله قد أمر بحفظها ونهى عن تعديها وقربانها:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: القواعد الحسان في تفسير القرآن



.القاعدة الثالثة والعشرون: إرشادات القرآن على نوعين:

أحدهما: أن يرشد أمراً ونهياً وخبراً إلى أمر معروف شرعاً أو معروف عرفاً كما تقدم.
والنوع الثاني: أن يرشد إلى استخراج الأشياء النافعة من أصول معروفة، ويعمل الفكر في استفادة المنافع منها.
وهذه القاعدة شريفة جليلة القدر.
أما النوع الأول: فأكثر إرشادات القرآن في الأمور الخبرية والأمور الحكمية داخلة فيها.
وأما النوع الثاني: وهو المقصود هنا، فإنه دعا عباده في آيات كثيرة إلى التفكر في خلق السماوات والأرض، وما خلق الله فيها من العوالم، وإلى النظر فيها.
وأخبر أنه سخرها لمصالحنا ومنافعنا، وأنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} [الجاثية: 13] فنبه العقول على التفكر فيها، واستخراج أنواع العلوم والفوائد منها.
وذلك أننا إذا فكرنا فيها، ونظرنا حالها وأوصافها وانتظامها، ولأي شيء خلقت ولأي فائدة أبقيت؟ وماذا فيها من الآيات وما احتوت عليه من المنافع؟ أفادنا هذا الفكر فيها علمين جليلين:
أحدهما: أننا نستدل بها على ما لله من صفات الكمال والعظمة، والحكم البالغة، وما له من النعم الواسعة والأيادي المتكاثرة، وعلى صدق ما أخبر به من المعاد والجنة والنار، وعلى صدق رسله وحقيقة ما جاءوا به.
وهذا النوع قد أكثر منه أهل العلم. وكلٌّ ذكر ما وصل إليه علمه، فإن الله أخبر أن الآيات إنما ينتفع بها أولو الألباب.
وهذا أجل العِلْمين وأعلاهما، وأكملهما.
والعلم الثاني: أننا نتفكر فيها ونستخرج منها المنافع المتنوعة، فإن الله سخرها لنا، وسلطنا على استخراج جميع ما لنا فيها من المنافع والخيرات الدينية والدنيوية. فذلل لنا أرضها لنحرثها ونزرعها ونغرسها، ونستخرج معادنها وبركتها، وجعلها طوع علومنا وأعمالنا لنستخرج منها الصناعات النافعة. فجميع فنون الصناعات على كثرتها وتنوعها وتفوقها- لاسيما في هذه الأوقات- كل ذلك داخل في تسخيرها لنا. وقد عُرفت الحاجة بل الضرورة في هذه الأوقات إلى استنباط المنافع وترقية الصنائع إلى ما لا حد له. وقد ظهر في هذه الأوقات من موادها وعناصرها أمور فيها فوائد عظيمة للخلق.
وقد تقدم لنا في قاعدة اللازم: أن ما لا تتم الأمور المطلوبة إلا به فهو مطلوب. وهذا يدل على أن تعلم الصناعات والمخترعات الحادثة من الأمور المطلوبة شرعاً، كما هي مطلوبة لازمة عقلاً، وأنها من الجهاد في سبيل الله، ومن علوم القرآن.
فإن الله نبه العباد أنه جعل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وأنه سخر لهم ما في الأرض. فعليهم أن يسعوا لتحصيل هذه المنافع من أقرب الطرق إلى تحصيلها، وهي معروفة بالتجارب.
وهذا من آيات القرآن. وهو أكبر دليل على سعة علم الله وحكمته ورحمته بعباده بأن أباح لهم جميع النعم، ويسر لهم الوصول إليها بطرق لا تزال تحدث وقتاً بعد وقت. وقد أخبر أن القرآن تذكرة يتذكر بها العباد كل ما ينفعهم فيسلكونه وما يضرهم فيتركونه، وأنه هداية لجميع المصالح.

.القاعدة الرابعة والعشرون: التوسط والاعتدال وذم الغلو:

القرآن يرشد إلى التوسط والاعتدال وذم التقصير والغلو ومجاوزة الحد في كل الأمور.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل: 90] وقال: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} [الأعراف: 29] والآيات الآمرة بالعدل والإحسان والناهية عن ضدهما كثيرة.
والعدل في كل الأمور: لزوم الحد فيها وأن لا يغلو ويتجاوز الحد، كما لا يقصر ويدع بعض الحق.
ففي عبادة الله أمر بالتمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في آيات كثيرة ونهى عن مجاوزة ذلك، وتعدي الحدود وذم المقصرين عنه في آيات كثيرة.
فالعبادة التي أمر الله بها ما جمعت الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول، فإذا خلت من الأمرين أو أحدهما فهي لاغية.
وفي حق الأنبياء والرسل صلى الله عليهم وسلم أمر بالاعتدال وهو الإيمان بهم، ومحبتهم المقدمة على محبة الخلق، وتوقيرهم واتباعهم، ومعرفة أقدارهم ومراتبهم التي أكرمهم الله بها. ونهى في آيات كثيرة عن الغلو فيهم وهو أن يُرفعوا فوق منزلتهم التي أنزلهم الله، ويجعل لهم من حقوق الله التي لا يشاركه فيها مشارك شيء. كما نهى عن التقصير في حقهم بتكذيبهم أو ترك محبتهم وتوقيرهم أو عدم اتباعهم. وذمَّ الغالين فيهم كالنصارى ونحوهم في عيسى، كما ذمَّ الجافين لهم كاليهود حين قالوا في عيسى ما قالوا، وذمَّ من فرق بينهم فآمن ببعض دون بعض، وأخبر أن هذا كفر بجميعهم.
وكذلك يتعلق هذا الأمر في حق العلماء والأولياء فتجب محبتهم ومعرفة أقدارهم، ولا يحلُّ الغلو فيهم، وإعطاؤهم شيئاً من حق الله، وحق رسوله الخالص، ولا يحلُّ جفاؤهم ولا عداوتهم، فمن عادى لله ولياً فقد بارزه بالحرب.
وأمر بالتوسط في النفقات والصدقات، ونهى عن الإمساك والتقصير والبخل، كما نهى عن الإسراف والتبذير.
وأمر بالقوة والشجاعة بالأقوال والأفعال، ونهى عن الجبن، وذم الجبناء وأهل الخور وضعفاء النفوس، كما ذم المتهورين الذين يلقون بأيديهم إلى التهلكة.
وأمر وحث على الصبر في آيات كثيرة، ونهى عن الجزع والهلع والتسخط، كما نهى عن التجبر والقسوة وعدم الرحمة في آيات كثيرة.
وأمر بأداء الحقوق لكل من له حق عليك: من الوالدين والأقارب والأصحاب ونحوهم والإحسان إليهم قولا وفعلاً، وذمَّ من قصر في حقهم أو أساء إليهم قولاً وفعلاً، كما ذم من غلا فيهم وفي غيرهم حتى قدم رضاهم على رضا الله وطاعتهم على طاعة الله.
وأمرنا بالاقتصاد في الأكل والشرب واللباس، ونهى عن السرف والترف، كما نهى عن التقصير الضار بالقلب والبدن.
وبالجملة فما أمر الله بشيء إلا كان بين خلقين ذميمين: تفريط وإفراط.

.القاعدة الخامسة والعشرون: حدود الله قد أمر بحفظها ونهى عن تعديها وقربانها:

قال تعالى: {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} [التوبة: 112] وقال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] وقال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187].
أما حدود الله: فهي ما حده لعباده من الشرائع الظاهرة والباطنة، التي أمرهم بفعلها، والمحرمات التي أمرهم بتركها. فالحفظ لها يكون بأداء الحقوق اللازمة، وترك المحرمات الظاهرة والباطنة.
ويتوقف هذا الفعل وهذا الترك على معرفة الحدود على وجهها، ليعرفَ ما يدخل في الواجبات والحقوق، فيؤديها على ذلك الوجه كاملة غير ناقصة، وما يدخل في المحرمات ليتمكن من تركها، ولهذا ذمَّ الله من لم يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله، وأثنى على من عرف ذلك.
وحيث قال الله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] كان المراد بها: ما أحله لعباده، وما فصله من الشرائع. فإنه نهى عن مجاوزتها وأمر بملازمتها.
كما أمر بملازمة ما أحله من الطعام والشراب واللباس والنكاح، ونهى عن تعدي ذلك إلى ما حرم من الخبائث.
وكما أمر بملازمة ما شرعه من الأحكام في النكاح والطلاق والعدة وتوابع ذلك، ونهى عن تعدي ذلك إلى فعل ما لا يجوز شرعاً.
وكما أمر بالمحافظة على ما فصله من أحكام المواريث ولزوم حده. ونهى عن تعدي ذلك، وتوريث من لا يرث، وحرمان من يرث، وتبديل ما فرضه وفصله بغيره.
وحيث قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] كان المراد بذلك: المحرمات. فإن قوله: {فَلا تَقْرَبُوهَا} نهي عن فعلها، ونهي عن مقدماتها وعن أسبابها الموصلة إليها والموقعة فيها.
كما نهاهم عن المحرمات على الصائم، وبين لهم وقت الصيام فقال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا}. وكما حرم على الأزواج أن يأخذوا مما آتوا أزواجهم شيئاً إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، قال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} وكما بين المحرمات في قوله: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى} [الإسراء: 32]، {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 34].
فالخير والسعادة والفلاح في معرفة حدود الله، والمحافظة عليها. كما أن أصل كل الشر وأسباب العقوبات الجهل بحدود الله، أوترك المحافظة عليها أو الجمع بين الشرين. والله أعلم.

.القاعدة السادسة والعشرون: الأحكام في الآيات المقيدة:

الأصل: أن الآيات التي فيها قيود لا تثبت أحكامها إلا بوجود تلك القيود، إلا في آيات يسيرة. وهذه قاعدة لطيفة. فإن الله متى رتب في كتابه حكماً على شيء، وقيده بقيد، أو شرط لذلك شرطاً، تعلق الحكم به على ذلك الوصف، الذي وصفه الله تعالى.
وهذا في القرآن لا حصر له. وإنما المقصود ذكر المستثنى من هذا الأصل الذي يقول كثير من المفسرين- إذا تكلموا عليها-: هذا قيد غير مراد. ففي هذه العبارة نظر؛ فإن كل لفظة في كتاب الله فإن الله أرادها لما فيها من فائدة، وقد تظهر للمخاطب وقد تخفى. وإنما مرادهم بقولهم: (غير مراد) ثبوت الحكم لها.
فاعلم أن الله تعالى يذكر الأحكام الشرعية من أصول وفروع، ويذكر أعلى حالة لها ليبرزها لعباده، وليظهر لهم حسنها، إن كانت مأموراً بها، أو قبحها إن كانت منهياً عنها.
وعند تأمل هذه الآيات التي بهذا الصدد يظهر لك هذا منها عياناً.
فمنها قوله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون: 117] ومن المعلوم أن من دعا مع الله إلهاً آخر فإنه كافر، وأنه ليس له برهان مطلقاً. وإنما قيدها الله بهذا القيد بياناً لشناعة الشرك والمشرك وأن الشرك ليس له دليل شرعي، ولا عقلي قطعاً، والمشرك ليس بيده ما يُسوِّغ له شيئاً من ذلك.
ففائدة هذا القيد: التشنيع البليغ على المشركين من المعاندة ومخالفة البراهين الشرعية والعقلية، وأنه ليس بأيديهم إلا أغراض نفسية ومقاصد سيئة، وأنهم لو التفتوا أدنى التفات لعرفوا أن ما هم عليه لا يستجيزه من له أدنى إيمان ولا معقول.
ومنها قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23] مع أن كونها في حجره أو في غير حجره ليس شرطاً لتحريمها، فإنها تحرم مطلقاً. ولكن ذكر الله هذا القيد تشنيعاً لهذه الحالة، وأنه من القبيح إباحة الربيبة التي هي في حجر الإنسان بمنزلة بنته. فذكر الله المسألة متجليةً بثياب قبحها، لينفر عنها ذوي الألباب، مع أن التحريم لم يُعلَّق بمثل هذه الحالة. فالأنثى إما أن تكون مباحة مطلقاً، أو محرمة مطلقاً، سواء كانت عند الإنسان أم لا. كحالة بقية النساء المحللات والمحرمات.
ومنها قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الإسراء: 31] و{مِنْ إِمْلاقٍ} [الأنعام: 151] مع أن المعلوم النهي على قتل الأولاد على أي حال. فالفائدة في ذكر هذه الحالة: أنها حالة جامعة للشر كله: كونه قتل بغير حق، وقتل مَنْ جُبلت النفوس على شدة الشفقة عليه شفقةٍ لا نظير لها، وكون ذلك صادراً عن التسخط لقدر الله، وإساءة الظن بالله. فأولئك الذين يقتلون أولادهم خشية الفقر والإملاق إنما يقتلونهم تبرماً وتسخطاً بقدر الله، فهم قد تبرموا بالفقر هذا التبرم، وأساءوا ظنونهم بربهم حيث ظنوا أنهم إن أبقوهم زاد فقرهم، واشتدت فاقتهم، فصار الأمر بالعكس.
وأيضاً فإنه إذا كان منهياً عن قتلهم في هذه الحال التي دفعهم إليها خشية الفقر وحدوثه، ففي حال سعة الرزق من باب أولى وأحرى.
وأيضاً ففي هذا: بيان للحالة الموجودة غالباً عندهم، فالتعرض لذكر الأسباب الموجودة في الحادثة يكون أجلى وأوضح للمسائل.
وأما قوله تعالى في الرجعة: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً} [البقرة: 228] فمن العلماء من قال: إنه من هذا النوع، وإنه يستحق ردها سواء أراد الإصلاح أم لم يرده، فيكون ذكر هذا القيد حثاً على لزوم ما أمر الله به من قصد الإصلاح، وتحريماً لردها على وجه المضارة، وإن كان يملك ردها، كقوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231].
ومن العلماء من جعل هذا القيد على الأصل العام، وأن الزوج لا يستحق رجعة زوجته في عدتها إلا إذا قصد الإصلاح. فأما إذا قصد ضد ذلك فلا حق له في رجعتها، وهذا هو الصواب.
ومنها قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] مع أن الرهن يصح حضراً وسفراً. ففائدة هذا القيد: أن الله ذكر أعلى الحالات، وأشد الحاجات للرهن، وهي هذه الحالة في السفر، والكاتب مفقود، والرهن مقبوض، فأحوج ما يحتاج الإنسان للرهن في هذه الحالة التي تعذرت فيها التوثيقات إلا بالرهن المقبوض، وكما قاله الناس في قيد السفر فكذلك على الصحيح في قيده بالقبض، وأن قبضه ليس شرطاً لصحته، وإنما ذلك للاحتياط وزيادة الاستيثاق، وكذلك فقد الكاتب.
ومنها قوله: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] مع أن الحق يثبت بالرجل والمرأتين ومع وجود الرجلين، ولكن ذكر الله أكمل حالة يحصل بها الحفظ للحقوق، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد الواحد مع اليمين، والآية ليس فيها ذلك لهذه الحكمة، وهو أن الآية أرشد الله فيها عباده إلى أعلى حالة يحفظون بها حقوقهم، لتمام راحتهم وحسم اختلافهم ونزاعهم.
وأما قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} [الأعلى: 9] فإنها من أصل هذه القاعدة، ويظن بعض الناس أنها من هذا النوع، وأنه يجب التذكير، نفعت الذكرى أو لم تنفع. ولكن قصر الآية على هذا غلط، فنفع الذكرى إذا كان يحصل بها الخير كله أو بعضه أو يزول بها الشر كله أو بعضه. فأما إذا كان ضرر التذكير أعظم من نفعه فإنه منهي عنه في هذه الحالة، كما نهى الله عن سب آلهة المشركين إذا كان وسيلة لسب الله. وكما ينهى عن الأمر بالمعروف إذا كان يترتب عليه شر أكبر أو فوات خير أكثر من الخير الذي يؤمر به، وكذلك النهي عن المنكر إذا ترتب عليه ما هو أعظم منه من شر أو ضرر. فالتذكير في هذه الحال غير مأمور به بل منهي عنه، وكل هذا من تفصيل قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} [النحل: 125] فعُلم أن هذا قيد مراد ويرتبط الحكم به ثبوتاً وانتفاء والله أعلم.
ومنها قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقّ} [البقرة: 61] مع أنه لا يقع قتلهم إلا بغير الحق. فهذا نظير ما ذكره في الشرك، وأن هذا إنما هو لتشنيع هذه الحالة التي لا شبهة لصاحبها، بل صاحبها أعظم الناس جرماً، وأشدهم إساءة.
وأما قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151] فليست من هذا النوع وإنما هي من النوع الأول الذي هو الأصل، والحق الذي قيّدها الله به جاء مفسَّراً في قوله صلى الله عليه وسلم: «النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق لجماعة». رواه البخاري (6878) ومسلم (1676).
ومنها قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] مع أن فقد الماء ليس من شرطه وجود السفر، فإنه إذا فُقد جاز التيمم حضراً وسفراً، ولكن ذكر السفر لبيان الحالة التي يغلب أن يفقد فيها الماء، أما الحضر فإنه يندر فيه عدم وجود الماء جداً.
ومن هذا السبب ظن بعض العلماء أن السفر وحده مبيح للتيمم وإن كان الماء موجوداً، وهذا في غاية الضعف، وهدي الرسول وأصحابه مخالف لهذا القول.
ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] مع أن الخوف ليس شرطاً لصحة القصر ومشروعيته بالاتفاق. ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا أجاب: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» ويعني وصدقة الله وإحسانه في كل زمان ومكان لا يتقيد بخوف ولا غيره.
ومن العلماء من قال: إن هذا القيد من القسم الأول وأن القصر التام- وهو قصر العدد وقصر الأركان والهيئات- شرطه اجتماع السفر والخوف كما في الآية، فإن وجد الخوف وحده لم يقصر عدد الصلاة وإنما تقصر هيئاتها وصفاتها. وإن وجد السفر وحده لم تقصر هيئاتها وشروطها وإنما يقصر عددها. ولا ينافي هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم إنما سألوه عن قصر العدد فقط فأجابهم بأن الرخصة فيه عامة في كل الأحوال.
وهذا تقرير مليح موافق لظاهر الآية غير مخالف لحديث الرسول فيتعين الأخذ به.