فصل: تفسير الآيات (87- 88):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (81):

{قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)}
الضمير في {قالوا} ضمير الملائكة، ويروى أن لوطاً لما غلبوه وهموا بكسر الباب وهو يمسكه قالت له الرسل: تنح عن الباب: فتنحى وانفتح الباب فضربهم جبريل عليه السلام بجناحه فطمس أعينهم وعموا، وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاء النجاء، فعند لوط قوم سحرة، وتوعدوا لوطاً، ففزع حينئذ من وعيدهم، فحينئذ قالوا له: {إنا رسل ربك} فأمن، ذكر هذا النقاش؛ وفي تفسير غيره ما يقتضي أن قولهم: {إنا رسل ربك} كان قبل طمس العيون، ثم أمروه بالسرى وأعلموه أن العذاب نازل بالقوم، فقال لهم لوط: فعذبوهم الساعة، قالوا له: {إن موعدهم الصبح} أي بهذا أمر الله، ثم أنسوه في قلقه بقولهم: {أليس الصبح بقريب}.
وقرأ نافع وابن كثير {فأسر} من سرى إذا سار في أثناء الليل، وقرأ الباقون {فاسرِ} إذا سار في أول الليل والقطع القطعة من الليل، ويحتمل أن لوطاً أسرى بأهله من أول الليل حتى جاوز البلد المقتلع، ووقعت نجاته بسحر فتجتمع هذه الآية مع قوله: {إلا آل لوط نجيناهم بسحر} [القمر: 34] وبيت النابغة جمع بين الفعلين في قوله: [البسيط]
أسرت عليه من الجوزاء سارية ** تزجي الشمال عليه جامد البرد

فذهب قوم إلى أن سرى وأسرى بمعنى واحد واحتجوا بهذا البيت.
قال القاضي أبو محمد: وأقول إن البيت يحتمل المعنيين، وذلك أظهر عندي لأنه قصد وصف هذه الديمة، وأنها ابتدأت من أول الليل وقت طلوع الجوزاء في الشتاء.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {إلا امرأتُك} بالرفع على البدل من {أحد} وهذا هو الأوجه إذا استثني من منفي، كقولك: ما جاءني أحد إلا زيد، وهذا هو استثناء الملتفتين، وقرأ الباقون {إلا أمرأتَك} بالنصب، ورأت ذلك فرقة من النحاة الوجه في الاستثناء من منفي، إذ الكلام المنفي في هذا مستقل بنفسه كالموجب، فإذ هو مثله في الاستقلال، فحكمه كحكمه في نصب المستثنى؛ وتأولت فرقة ممن قرأ: {إلا امرأتَك} بالنصب أن الاستثناء وقع من الأهل كأنه قال: {فأسر بأهلك إلا امرأتَك}. وعلى هذا التأويل لا يكون إلا النصب، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: لو كان الكلام: {ولا يلتفتُ}- بالرفع- لصح الرفع في قوله: {إلا أمرأتُك} ولكنه نهي، فإذا استثنيت المرأة من {أحد} وجب أن تكون المرأة أبيح لها الالتفات فيفسد معنى الآية.
قال القاضي أبو محمد: وهذا الاعتراض حسن، يلزم الاستثناء من {أحد} رفعت التاء أو نصبت والانفصال عنه يترتب بكلام حكي عن المبرد، وهو أن النهي إنما قصد به لوط وحده، والالتفات منفي عنهم بالمعنى، أي لا تدع أحداً منهم يلتفت، وهذا كما تقول لرجل: لا يقم من هؤلاء أحد إلا زيد، وأولئك لم يسمعوك، فالمعنى: لا تدع أحداً من هؤلاء يقوم والقيام بالمعنى منفي عن المشار إليهم.
قال القاضي أبو محمد: وجملة هذا أن لفظ الآية هو لفظ قولنا: لا يقم أحد إلا زيد، ونحن نحتاج أن يكون معناها معنى قولنا: لا يقم أحد إلا زيد وذلك اللفظ لا يرجع إلى هذا المعنى إلا بتقدير ما حكيناه عن المبرد، فتدبره. ويظهر من مذهب أبي عبيد أن الاستثناء، إنما هو من الأهل. وفي مصحف ابن مسعود: {فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك} وسقط قوله: {ولا يلتفت منكم أحد}. والظاهر في {يلتفت} أنها من التفات البصر، وقالت فرقة: هي من لفت الشيء يلفته إذا ثناه ولواه، فمعناه: ولا يتثبط. وهذا شاذ مع صحته وفي كتاب الزهراوي: أن المعنى: ولا يلتفت أحد إلى ما خلف، بل يخرج مسرعاً مع لوط عليه السلام: وروي أن امرأة لوط لما سمعت الهدة ردت بصرها وقالت: واقوماه، فأصابها حجر فقتلها.
وقرأت فرقة: {الصبُح} بضم الباء.

.تفسير الآيات (82- 83):

{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)}
روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط واقتلعها ورفعها حتى سمع أهل السماء الدنيا صراخ الديكة ونباح الكلاب، ثم أرسلها معكوسة، وأتبعهم الحجارة من السماء، وروي أن جبريل عليه السلام أخذهم بخوافي جناحه: ويروى أن مدينة منها نجيت كانت مختصة بلوط عليه السلام يقال لها: زغر.
و{أمرنا} في هذه الآية يحتمل أن يكون مصدراً من أمر ويكون في الكلام حذف مضاف تقديره مقتضى أمرنا، ويحتمل أن يكون واحد الأمور، والضمير في قوله: {عاليها سافلها} للمدن، وأُجري {أمطرنا} عليها كذلك، والمراد على أهلها، وروي أنها الحجارة استوفت منهم من كانوا خارج مدنهم حتى قتلتهم أجمعين. وروي أنه كان منهم في الحرم رجل فبقي حجره معلقاً في الهواء حتى خرج من الحرم فقتله الحجر، وأمطر أبداً إنما يستعمل في المكروه، ومطر يستعمل في المحبوب، هذا قول أبي عبيدة.
قال القاضي أبو محمد: وليس كذلك وقوله تعالى: {هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف: 24] يرد هذا القول لأنهم إنما ظنوه معتاد الرحمة، وقوله: {من سجيل} اختلف فيه: فقال ابن زيد: {سجيل}: اسم السماء الدنيا.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، ويرده وصفه ب {منضود}. وقالت فرقة هو مأخوذ من لفظ السجل، أي هي من أمر كتب عليهم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، وقالت فرقة: هو مأخوذ من السجل إذا أرسل الشيء كما يرسل السجل وكما تقول: قالها مسجلة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقالت فرقة: {من سجيل} معناه: من جهنم لأنه يقال: سجيل وسجين حفظ فيها بدل النون لاماً، كما قالوا: أصيلال وأصيلان. وقالت فرقة: {سجيل} معناه: شديد وأنشد الطبري في ذلك [ابن مقبلٍ]:
ضرباً تواصى به الأبطال سجيلا

والبيت في قصيدة نونية: سجينا، وقالت فرقة: {سجيل} لفظة أصلها غير عربية عربت أصلها سنج وكل. وقيل غير هذا في أصل اللفظة. ومعنى هذا اللفظ ماء وطين. هذا قول ابن عباس ومجاهد وابن جبير وعكرمة والسدي وغيرهم، وذهبت هذه الفرقة إلى أن الحجارة التي رموا بها كانت كالآجر المطبوخ كانت من طين قد تحجر- نص عليه الحسن-.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول يشبه. وهو الصواب الذي عليه الجمهور. وقالت فرقة: معنى {سجيل} حجر مخلوط بطين أي حجر وطين. قال القاضي أبو محمد: ويمكن أن يرد هذا إلى الذي قبله، لأن الآجر وما جرى مجراه يمكن أن يقال فيه حجر وطين لأنه قد أخذ من كل واحد منهما بحظه. هي طين من حيث هو أصلها. وحجر من حيث صلبت.
و{منضود} معناه بعضه فوق بعض.
أي تتابع؛ وهي صفة ل {سجيل} وقال الربيع بن أنس: نضده: إنه في السماء منضود معد بعضه فوق بعض.
و{مسومة} معناه معلمة بعلامة، فقال عكرمة وقتادة: إنه كان فيها بياض وحمرة: ويحكى أنه كان في كل حجر اسم صاحبه، وهذه اللفظة هي من سوم إذا أعلم، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: «سوموا فقد سومت الملائكة» ويحتمل أن تكون {مسومة} هاهنا بمعنى: مرسلة، وسومها من الهبوط.
وقوله: {وما هي} إشارة إلى الحجارة. و{الظالمين} قيل: يعني قريشاً. وقيل: يريد عموم كل من اتصف بالظلم، وهذا هو الأصح لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سيكون في أمتي خسف ومسخ وقذف بالحجارة»، وقد ورد أيضاً حديث: «إن هذه الأمة بمنجاة من ذلك» وقيل يعني ب {هي}: المدن، ويكون المعنى: الإعلام بأن هذه البلاد قريبة من مكة- والأول أبين- وروي أن هذه البلاد كانت بين المدينة والشام، وحكى الطبري في تسمية هذه المدن: صيعة، وصعدة وعمزة، ودوما وسدوم وهي القرية العظمى.

.تفسير الآيات (84- 86):

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)}
التقدير: {وإلى مدين} أرسلنا {أخاهم شعيباً}، واختلف في لفظة {مدين} فقيل: هي بقعة، فالتقدير على هذا: وإلى أهل مدين- كما قال: {واسأل القرية} [يونس: 42]- وقيل كان هذا القطر في ناحية الشام، وقيل {مدين} اسم رجل كانت القبيلة من ولده فسميت باسمه، و{مدين} لا ينصرف في الوجهين، حكى النقاش أن {مدين} هو ولد إبراهيم الخليل لصلبه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد وقد قيل: إن {شعيباً} عربي، فكيف يجتمع هذا وليس للعرب اتصال بإبراهيم إلا من جهة إسماعيل فقط، ودعاء شعيب إلى عبادة الله يقتضي أنهم كانوا يعبدون الأوثان، وذلك بين من قولهم فيما بعد، وكفرهم هو الذي استوجبوا به العذاب لا معاصيهم، فإن الله لم يعذب قط أمة إلا بالكفر، فإن انضافت إلى ذلك معصية كانت تابعة، وأعني بالعذاب عذاب الاستئصال العام، وكانت معصية هذه الأمة الشنيعة أنهم كانوا تواطأوا أن يأخذوا ممن يرد عليهم من غيرهم وافياً ويعطوا ناقصاً في وزنهم وكيلهم، فنهاهم شعيب بوحي الله تعالى عن ذلك، ويظهر من كتاب الزجاج أنهم كانوا تراضوا بينهم بأن يبخس بعضهم بعضاً.
وقوله: {بخير} قال ابن عباس: معناه في رخص من الأسعار، و{عذاب اليوم المحيط} هو حلول الغلاء المهلك. وينظر هذا التأويل إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نقص قوم المكيال والميزان إلا ارتفع عنهم الرزق» وقيل لهم قوله: {بخير} عام في جميع نعم الله تعالى، و{عذاب اليوم} هو الهلاك الذي حل بهم في آخر، وجميع ما قيل في لفظ خير منحصر فيما قلناه.
ووصف اليوم ب الإحاطة وهي من صفة العذاب على جهة التجوز إذ كان العذاب في اليوم: وقد يصح أن يوصف اليوم ب الإحاطة على تقدير: محيط شره. ونحو هذا.
وكرر عليهم الوصية في الكيل والوزن تأكيداً وبياناً وعظة لأن {لا تنقصوا} هو {أوفوا} بعينه. لكنهما منحيان إلى معنى واحد.
قال القاضي أبو محمد: وحدثني أبي رضي الله عنه، أنه سمع أبا الفضل بن الجوهري على المنبر بمصر يعظ الناس في الكيل والوزن فقال: اعتبروا في أن الإنسان إذا رفع يده بالميزان فامتدت أصابعه الثلاث والتقى الإبهام والسبابة على ناصية الميزان جاء من شكل أصابعه صورة المكتوبة فكأن الميزان يقول: الله الله.
قال القاضي أبو محمد: وهذا وعظ مليح مذكر. و{القسط} العدل ونحوه، والبخس النقصان، و{تعثوا} معناه: تسعون في فساد، وكرر {مفسدين} على جهة التأكيد، يقال عثا يعثو أو عثى يعثي، وعث يعث، وعاث يعيث- إذا أفسد ونحوه من المعنى، العثة: الدودة التي تفسد ثياب الصوف.
وقوله: {بقيت الله} قال ابن عباس معناه الذي يبقي الله لكم من أموالكم بعد توفيتكم الكيل والوزن حير لكم مما تستكثرون أنتم به على غير وجهه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا تفسير يليق بلفظ الآية وقال مجاهد: معناه طاعة الله، وقال ابن عباس- أيضاً- معناه رزق الله، وهذا كله لا يعطيه لفظ الآية، وإنما المعنى عندي- إبقاء الله عليكم إن أطعتم. وقرأ إسماعيل بن جعفر عن أهل المدينة بتخفيف الياء وهي لغة.
وقوله: {إن كنتم مؤمنين} شرط في أن تكون البقية خيراً لهم، وأما مع الكفر فلا خير لهم في شيء من الأعمال، وجواب هذا الشرط، متقدم، والحفيظ المراقب الذي يحفظ أحوال من يرقب، والمعنى: إنما أنا مبلغ والحفيظ المحاسب هو الذي يجازيكم بالأعمال.

.تفسير الآيات (87- 88):

{قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)}
قرأ جمهور الناس {أصلواتك} بالجمع، وقرأ ابن وثاب {أصلاتك} بالإفراد، وكذلك قرأ في براءة {إن صلاتك} [التوبة: 9] وفي المؤمنين: {على صلاتهم} [المؤمنون: 9] كل ذلك بالإفراد.
واختلف في معنى الصلاة هنا، فقالت فرقة: أرادوا الصلوات المعروفة، وروي أن شعيباً عليه السلام كان أكثر الأنبياء صلاة، وقال الحسن: لم يبعث الله نبياً إلا فرض عليه الصلاة والزكاة. وقيل: أرادوا قراءتك. وقيل: أرادوا: أمساجدك؟ وقيل: أرادوا: أدعواتك.
قال القاضي أبو محمد: وأقرب هذه الأقوال الأول والرابع وجعلوا الأمر من فعل الصلوات على جهة التجوز، وذلك أن كل من حصل في رتبة من خير أو شر ففي الأكثر تدعوه رتبته إلى التزيد من ذلك النوع: فمعنى هذا: ألما كنت مصلياً تجاوزت إلى ذم شرعنا وحالنا؟ فكأن حاله من الصلاة جسرته على ذلك فقيل: أمرته، كما قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45].
وقوله: {أن نترك ما يعبد آباؤنا} نص في أنهم كانوا يعبدون غير الله تعالى وقرأ جمهور الناس: {نفعل} و{نشاء} بنون الجماعة فيهما؛ وقرأ الضحاك بن قيس {تفعل} و{تشاء} بتاء المخاطبة فيهما: ورويت عن أبي عبد الرحمن: {نفعل} بالنون. {ما تشاء} بالتاء، ورويت عن ابن عباس. فأما من قرأ بالنون فيهما ف {أن} الثانية عطف على {ما} لا على {أن} الأولى، لأن المعنى يصير: أصلواتك تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ وهذا قلب ما قصدوه. وأما من قرأ بالتاء فيهما فيصح عطف {أن} الثانية على {ما} لا على {أن} الأولى، قال بعض النحويين، ويصح عطفها على {ما} ويتم المعنى في الوجهين.
قال القاضي أبو محمد: ويجيء {نترك} في الأول بمعنى نرفض، وفي الثاني بمعنى نقرر، فيتعذر عندي هذا الوجه لما ذكرته من تنوع الترك على الحكم اللفظي أو على حذف مضاف، ألا ترى أن الترك في قراءة من قرأ بالنون في الفعلين إنما هو بمعنى الرفض غير متنوع، وأما من قرأ بالنون في {نفعل} والتاء في {تشاء} ف {أن} معطوفة على الأولى، ولا يجوز أن تنعطف على {ما} لأن المعنى- أيضاً- ينقلب، فتدبره.
وظاهر فعلهم هذا الذي أشاروا إليه هو بخس الكيل والوزن الذي تقدم ذكره، وروي أن الإشارة هي إلى قرضهم الدينار والدرهم وإجراء ذلك مع الصحيح على جهة التدليس، قاله بن كعب وغيره، وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: قطع الدراهم والدنانير من الفساد في الأرض، فتأول ذلك بهذا المعنى المتقدم، وتؤول أيضاً بمعنى أنه تبديل السكك التي يقصد بها أكل أموال الناس.
واختلف في قولهم: {إنك لأنت الحليم الرشيد} فقيل: إنما كانت ألفاظهم: إنك لأنت الجاهل السفيه، فكنى الله عن ذلك وقيل: بل هذا لفظهم بعينه، إلا أنهم قالوه على جهة الاستهزاء- قاله ابن جريج وابن زيد- وقيل المعنى: إنك لأنت الحليم الرشيد عند نفسك. وقيل: بل قالواه على جهة الحقيقة وأنه اعتقادهم فيه، فكأنهم فندوه، أي أنه حليم رشيد فلا ينبغي لك أن تأمرنا بهذه الأوامر، ويشبه هذا المعنى قول اليهود من بني قريظة، حين قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا إخوة القردة»، يا محمد ما علمناك جهولاً.
قال القاضي أبو محمد: والشبه بين الأمرين إنما هو المناسبة بين كلام شعيب وتلطفه، وبين ما بادر به محمد عليه السلام بني قريظة.
وقوله تعالى: {قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بيّنة}، الآية، هذه مراجعة لطيفة واستنزال حسن واستدعاء رفيق ونحوها عن محاورة شعيب عليه السلام، قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك خطيب الأنبياء. وجواب الشرط الذي في قوله: {إن كنت على بيّنة من ربي} محذوف تقديره: أأضل كما ضللتم وأترك تبليغ الرسالة؟ ونحو هذا مما يليق بهذه المحاجة؟ و{بيّنة} يحتمل أن تكون بمعنى: بيان أو بين، ودخلت الهاء للمبالغة- كعلامة- ويحتمل أن تكون صفة لمحذوف، فتكون الهاء هاء تأنيث.
وقوله: {ورزقني منه رزقاً حسناً} يريد: خالصاً من الفساد الذي أدخلتم أنتم أموالكم. ثم قال لهم: ولست أريد أن أفعل الشيء الذي نهيتكم عنه من نقص الكيل والوزن، فأستأثر بالمال لنفسي، وما أريد إلا إصلاح الجميع، و{أنيب} معناه: أرجع وأتوب وأستند.