فصل: باب الْبَيْعَةِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِيمَا اسْتَطَاعَ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المشهور بـ «شرح النووي على مسلم»



.باب الأَمْرِ بِالصَّبْرِ عِنْدَ ظُلْمِ الْوُلاَةِ وَاسْتِئْثَارِهِمْ:

تَقَدَّمَ شَرْح أَحَادِيثه فِي الْأَبْوَاب قَبْله، وَحَاصِله: الصَّبْر عَلَى ظُلْمهمْ، وَأَنَّهُ لَا تَسْقُط طَاعَتهمْ بِظُلْمِهِمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

.باب الأَمْرِ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ وَتَحْذِيرِ الدُّعَاةِ إِلَى الْكُفْرِ:

3434- قَوْله: «قُلْت: يَا رَسُول اللَّه إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّة وَشَرّ، فَجَاءَنَا اللَّه بِهَذَا الْخَيْر فَهَلْ بَعْد هَذَا الْخَيْر شَرّ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْت: فَهَلْ بَعْد ذَاكَ الشَّرّ مِنْ خَيْر؟ قَالَ: نَعَمْ وَفيه دَخَن» قَالَ أَبُو عُبَيْد وَغَيْره: (الدَّخَن) بِفَتْحِ الدَّال الْمُهْمَلَة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة، أَصْله: أَنْ تَكُون فِي لَوْن الدَّابَّة كُدُورَة إِلَى سَوَاد، قَالُوا: وَالْمُرَاد هُنَا أَنْ لَا تَصْفُوَ الْقُلُوب بَعْضهَا لِبَعْضٍ، وَلَا يَزُول خُبْثهَا، وَلَا تَرْجِع إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الصَّفَاء.
قَالَ الْقَاضِي: قِيلَ: الْمُرَاد بِالْخَيْرِ بَعْد الشَّرّ أَيَّام عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز رَضِيَ اللَّه عَنْهُ.
قَوْله بَعْده: «تَعْرِف مِنْهُمْ وَتُنْكِر» الْمُرَاد: الْأَمْر بَعْد عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيَهْتَدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي» الْهَدْي: الْهَيْئَة وَالسِّيرَة وَالطَّرِيقَة.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دُعَاة عَلَى أَبْوَاب جَهَنَّم مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فيها» قَالَ الْعُلَمَاء: هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَ مِنْ الْأُمَرَاء يَدْعُو إِلَى بِدْعَة أَوْ ضَلَال آخَر كَالْخَوَارِجِ وَالْقَرَامِطَة وَأَصْحَاب الْمِحْنَة.
وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة هَذَا: لُزُوم جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامهمْ، وَوُجُوب طَاعَته، وَإِنْ فَسَقَ وَعَمِلَ الْمَعَاصِي مِنْ أَخْذ الْأَمْوَال وَغَيْر ذَلِكَ، فَتَجِب طَاعَته فِي غَيْر مَعْصِيَة.
وَفيه: مُعْجِزَات لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ هَذِهِ الْأُمُور الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا وَقَدْ وَقَعَتْ كُلّهَا.
3435- قَوْله: (عَنْ أَبِي سَلَّامٍ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَة بْن الْيَمَان) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هَذَا عِنْدِي مُرْسَل؛ لِأَنَّ أَبَا سَلَّامٍ لَمْ يَسْمَع حُذَيْفَة، وَهُوَ كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ، لَكِنَّ الْمَتْن صَحِيح مُتَّصِل بِالطَّرِيقِ الْأَوَّل، وَإِنَّمَا أَتَى مُسْلِم بِهَذَا مُتَتَابِعَة كَمَا تَرَى؛ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول وَغَيْرهَا أَنَّ الْحَدِيث الْمُرْسَل إِذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيق آخَر مُتَّصِلًا تَبَيَّنَّا بِهِ صِحَّة الْمُرْسَل، وَجَازَ الِاحْتِجَاج بِهِ، وَيَصِير فِي الْمَسْأَلَة حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ.
3436- قَوْله: (عَنْ أَبِي قَيْس بْن رِيَاح) هُوَ بِكَسْرِ الرَّاء وَبِالْمُثَنَّاةِ، وَهُوَ زِيَاد بْن رِيَاح الْقَيْسِيّ الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد بَعْده، وَقَالَهُ الْبُخَارِيّ بِالْمُثَنَّاةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ، وَقَالَهُ الْجَمَاهِير بِالْمُثَنَّاةِ لَا غَيْر.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَة مَاتَ مِيتَة جَاهِلِيَّة» هِيَ بِكَسْرِ الْمِيم، أَيْ: عَلَى صِفَة مَوْتهمْ مِنْ حَيْثُ هُمْ فَوْضَى لَا إِمَام لَهُمْ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَاتَلَ تَحْت رَايَة عِمِّيَّة» هِيَ بِضَمِّ الْعَيْن وَكَسْرهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، وَالْمِيم مَكْسُورَة مُشَدَّدَة، وَالْيَاء مُشَدَّدَة أَيْضًا، قَالُوا: هِيَ الْأَمْر الْأَعْمَى لَا يَسْتَبِين وَجْهه، كَذَا قَالَهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَالْجُمْهُور، قَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ: هَذَا كَتَقَاتُلِ الْقَوْم لِلْعَصَبِيَّةِ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَغْضَب لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَة أَوْ يَنْصُر عَصَبَة» هَذِهِ الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة بِالْعَيْنِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ، هَذَا هُوَ الصَّوَاب الْمَعْرُوف فِي نُسَخ بِلَادنَا وَغَيْرهَا، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْعُذْرِيّ بِالْغَيْنِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَتَيْنِ فِي الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة، وَمَعْنَاهَا: أَنَّهُ يُقَاتِل لِشَهْوَةِ نَفْسه وَغَضَبه لَهَا، وَيُؤَيِّد الرِّوَايَة الْأُولَى الْحَدِيث الْمَذْكُور بَعْدهَا: يَغْضَب لِلْعَصَبَةِ، وَيُقَاتِل لِلْعَصَبَةِ، وَمَعْنَاهُ: إِنَّمَا يُقَاتِل عَصَبِيَّة لِقَوْمِهِ وَهَوَاهُ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِب بَرّهَا وَفَاجِرهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنهَا» وَفِي بَعْض النُّسَخ: (يَتَحَاشَى) بِالْيَاءِ، وَمَعْنَاهُ: لَا يَكْتَرِث بِمَا يَفْعَلهُ فيها، وَلَا يَخَاف وَبَاله وَعُقُوبَته.
3441- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَة لَقِيَ اللَّه تَعَالَى يَوْم الْقِيَام لَا حُجَّة لَهُ» أَيْ: لَا حُجَّة لَهُ فِي فِعْله، وَلَا عُذْر لَهُ يَنْفَعهُ.

.باب حُكْمِ مَنْ فَرَّقَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مُجْتَمِعٌ:

3442- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَتَكُونُ هَنَات وَهَنَات» الْهَنَات: جَمْع هَنَة، وَتُطْلَق عَلَى كُلّ شَيْء، وَالْمُرَاد بِهَا هُنَا الْفِتَن وَالْأُمُور الْحَادِثَة.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّق أَمْر هَذِهِ الْأُمَّة وَهِيَ جَمِيع فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ» فيه الْأَمْر بِقِتَالِ مَنْ خَرَجَ عَلَى الْإِمَام، أَوْ أَرَادَ تَفْرِيق كَلِمَة الْمُسْلِمِينَ وَنَحْو ذَلِكَ، وَيَنْهَى عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ قُوتِلَ، وَإِنْ لَمْ يَنْدَفِع شَرّه إِلَّا بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ كَانَ هَدَرًا، فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ»، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «فَاقْتُلُوهُ» مَعْنَاهُ: إِذَا لَمْ يَنْدَفِع إِلَّا بِذَلِكَ.
3443- وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُرِيد أَنْ يَشُقّ عَصَاكُمْ» مَعْنَاهُ: يُفَرِّق جَمَاعَتكُمْ كَمَا تُفَرَّقُ الْعُصَاة الْمَشْقُوقَة، وَهُوَ عِبَارَة عَنْ اِخْتِلَاف الْكَلِمَة وَتَنَافُر النُّفُوس.

.باب إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ:

3444- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِر مِنْهُمَا» هَذَا مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَنْدَفِع إِلَّا بِقَتْلِهِ، وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاح هَذَا فِي الْأَبْوَاب السَّابِقَة.
وَفيه أَنَّهُ لَا يَجُوز عَقْدهَا لِخَلِيفَتَيْنِ، وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا الْإِجْمَاع فيه، وَاحْتِمَال إِمَام الْحَرَمَيْنِ.

.باب وُجُوبِ الإِنْكَارِ عَلَى الأُمَرَاءِ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ وَتَرْكِ قِتَالِهِمْ مَا صَلَّوْا وَنَحْوِ ذَلِكَ:

3445- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَتَكُونُ أُمَرَاء فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ عَرَفَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلهُمْ؟ قَالَ: لَا. مَا صَلَّوْا» هَذَا الْحَدِيث فيه مُعْجِزَة ظَاهِرَة بِالْإِخْبَارِ بِالْمُسْتَقْبَلِ، وَوَقَعَ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَمَنْ عَرَفَ فَقَدْ بَرِئَ» وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا: «فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ» فَأَمَّا رِوَايَة مَنْ رَوَى: «فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ» فَظَاهِرَة، وَمَعْنَاهُ: مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْمُنْكَر فَقَدْ بَرِئَ مِنْ إِثْمه وَعُقُوبَته، وَهَذَا فِي حَقّ مَنْ لَا يَسْتَطِيع إِنْكَاره بِيَدِهِ لَا لِسَانه فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ، وَلْيَبْرَأْ.
وَأَمَّا مَنْ رَوَى: «فَمَنْ عَرَفَ فَقَدْ بَرِئَ» فَمَعْنَاهُ- وَاَللَّه أَعْلَم- فَمَنْ عَرَفَ الْمُنْكَر وَلَمْ يَشْتَبِه عَلَيْهِ؛ فَقَدْ صَارَتْ لَهُ طَرِيق إِلَى الْبَرَاءَة مِنْ إِثْمه وَعُقُوبَته بِأَنْ يُغَيِّرهُ بِيَدَيْهِ أَوْ بِلِسَانِهِ، فَإِنْ عَجَزَ فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» مَعْنَاهُ: لَكِنَّ الْإِثْم وَالْعُقُوبَة عَلَى مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ.
وَفيه: دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَة الْمُنْكَر لَا يَأْثَم بِمُجَرَّدِ السُّكُوت. بَلْ إِنَّمَا يَأْثَم بِالرِّضَى بِهِ، أَوْ بِأَلَّا يَكْرَههُ بِقَلْبِهِ أَوْ بِالْمُتَابَعَةِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْله: «أَفَلَا نُقَاتِلهُمْ؟ قَالَ: لَا، مَا صَلَّوْا» فَفيه مَعْنَى مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجُوز الْخُرُوج عَلَى الْخُلَفَاء بِمُجَرَّدِ الظُّلْم أَوْ الْفِسْق مَا لَمْ يُغَيِّرُوا شَيْئًا مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام.

.باب خِيَارِ الأَئِمَّةِ وَشِرَارِهِمْ:

3447- قَوْله: (عَنْ زُرَيْق بْن حَيَّان) اِخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيم الرَّاء عَلَى الزَّاي وَتَأْخِيرهَا عَلَى وَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ وَابْن أَبِي حَاتِم وَالدَّارَقُطْنِيّ وَعُبَيْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد الْمِصْرِيّ وَابْن مَاكُولَا وَغَيْرهمْ مِنْ أَصْحَاب الْمُؤْتَلِف بِتَقْدِيمِ الرَّاء الْمُهْمَلَة، وَهُوَ الْمَوْجُود فِي مُعْظَم نُسَخ صَحِيح مُسْلِم، وَقَالَ أَبُو زُرْعَة الرَّازِيُّ وَالدِّمَشْقِيّ: بِتَقْدِيمِ الزَّاي الْمُعْجَمَة. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خِيَار أَئِمَّتكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ»، مَعْنَى يُصَلُّونَ: أَيْ يَدْعُونَ.
قَوْله: (عَنْ مُسْلِم بْن قَرَظَة) بِفَتْحِ الْقَاف وَالرَّاء وَبِالظَّاءِ الْمُعْجَمَة، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَاب قَبْله شَرْح هَذِهِ الْأَحَادِيثِ.
3448- قَوْله: «فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة» هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر النُّسَخ (فَجَثَا) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة، وَفِي بَعْضهَا (فَجَذَا) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَكِلَاهُمَا صَحِيح، فَأَمَّا بِالثَّاءِ فَيُقَال مِنْهُ: جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَجْثُو، وَجَثَا، يَجْثِي، جُثُوًّا، وَجُثِيًّا فيهمَا، وَأَجْثَاهُ غَيْره، وَتَجَاثَوْا عَلَى الرُّكَب، جُثِيّ، وَجِثِيّ بِضَمِّ الْجِيم وَكَسْرهَا، وَأَمَّا (جَذَا) فَهُوَ الْجُلُوس عَلَى أَطْرَاف أَصَابِع الرِّجْلَيْنِ نَاصِب الْقَدَمَيْنِ، وَهُوَ الْجَاذِي، وَالْجَمْع جَذَا مِثْل نَائِم وَنِيَام.
قَالَ الْجُمْهُور: الْجَاذِي أَشَدّ اِسْتِيفَازًا مِنْ الْجَاثِي، وَقَالَ أَبُو عَمْرو: هُمَا لُغَتَانِ.

.باب اسْتِحْبَابِ مُبَايَعَةِ الإِمَامِ الْجَيْشَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْقِتَالِ وَبَيَانِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ:

3449- قَوْله: (كُنَّا يَوْم الْحُدَيْبِيَة أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ) وَفِي رِوَايَة: (أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ)، وَفِي رِوَايَة: (أَلْفًا وَثَلَاثَمِائَةٍ)، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم هَذِهِ الرِّوَايَات الثَّلَاث فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَأَكْثَر رِوَايَتهمَا أَلْف وَأَرْبَعُمِائَةٍ، وَكَذَا ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ أَكْثَر رِوَايَات هَذَا الْحَدِيث أَلْفًا وَأَرْبَعمِائَةِ. وَيُمْكِن أَنْ يُجْمَع بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعمِائَةِ وَكَسْرًا، فَمَنْ قَالَ: أَرْبَعمِائَةِ لَمْ يَعْتَبِر الْكَسْر، وَمَنْ قَالَ: خَمْسمِائَةِ اِعْتَبَرَهُ، وَمَنْ قَالَ: أَلْف وَثَلَاثمِائَةِ تَرَكَ بَعْضهمْ لِكَوْنِهِ لَمْ يُتْقِن الْعَدّ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْله فِي رِوَايَة جَابِر وَرِوَايَة مَعْقِل بْن يَسَار: (بَايَعْنَاهُ يَوْم الْحُدَيْبِيَة عَلَى أَلَّا نَفِرَّ، وَلَمْ نُبَايِعهُ عَلَى الْمَوْت) وَفِي رِوَايَة سَلَمَة: (أَنَّهُمْ بَايَعُوهُ يَوْمئِذٍ عَلَى الْمَوْت) وَهُوَ مَعْنَى رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن عَاصِم. وَفِي رِوَايَة مُجَاشِع بْن مَسْعُود (الْبَيْعَة عَلَى الْهِجْرَة، وَالْبَيْعَة عَلَى الْإِسْلَام وَالْجِهَاد) وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر وَعُبَادَةَ (بَايَعْنَا عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة، وَأَلَّا نُنَازِع الْأَمْر أَهْله) وَفِي رِوَايَة عَنْ اِبْن عُمَر فِي غَيْر صَحِيح مُسْلِم الْبَيْعَة عَلَى الصَّبْر.
قَالَ الْعُلَمَاء: هَذِهِ الرِّوَايَة تَجْمَع الْمَعَانِي كُلّهَا، وَتُبَيِّنُ مَقْصُود كُلّ الرِّوَايَات، فَالْبَيْعَة عَلَى أَلَّا نَفِرّ مَعْنَاهُ: الصَّبْر حَتَّى نَظْفَر بِعَدُوِّنَا أَوْ نُقْتَل، وَهُوَ مَعْنَى الْبَيْعَة عَلَى الْمَوْت، أَيْ: نَصْبِر وَإِنْ آلَ بِنَا ذَلِكَ إِلَى الْمَوْت، لَا أَنَّ الْمَوْت مَقْصُود فِي نَفْسه، وَكَذَا الْبَيْعَة عَلَى الْجِهَاد أَيْ وَالصَّبْر فيه. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَكَانَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام يَجِب عَلَى الْعَشَرَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَصْبِرُوا لِمِائَةٍ مِنْ الْكُفَّار وَلَا يَفِرُّوا مِنْهُمْ، وَعَلَى الْمِائَة الصَّبْر لِأَلْفِ كَافِر، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، وَصَارَ الْوَاجِب مُصَابَرَة الْمِثْلَيْنِ فَقَطْ. هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب اِبْن عَبَّاس وَمَالِك وَالْجُمْهُور أَنَّ الْآيَة مَنْسُوخَة، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَطَائِفَة لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمُعْتَبَر مُجَرَّد الْعَدَد مِنْ غَيْر مُرَاعَاة الْقُوَّة وَالضَّعْف، أَمْ يُرَاعَى؟ وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَاعَى لِظَاهِرِ الْقُرْآن، وَأَمَّا حَدِيث عُبَادَةَ (بَايَعْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَلَّا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا... إِلَى آخِره) فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّل الْأَمْر فِي لَيْلَة الْعَقَبَة قَبْل الْهِجْرَة مِنْ مَكَّة وَقَبْل فَرْض الْجِهَاد.
3454- قَوْله: (سَأَلْت جَابِرًا عَنْ أَصْحَاب الشَّجَرَة فَقَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَة أَلْف لَكَفَانَا، كُنَّا أَلْفًا وَخَمْسمِائَةِ) هَذَا مُخْتَصَر مِنْ الْحَدِيث الصَّحِيح فِي بِئْر الْحُدَيْبِيَة، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الصَّحَابَة لَمَّا وَصَلُوا الْحُدَيْبِيَة وَجَدُوا بِئْرهَا إِنَّمَا تَنِزّ مِثْل الشِّرَاك، فَسَبَقَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها، وَدَعَا فيها بِالْبَرَكَةِ، فَجَاشَتْ، فَهِيَ إِحْدَى الْمُعْجِزَات لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَأَنَّ السَّائِل فِي هَذَا الْحَدِيث عَلِمَ أَصْل الْحَدِيث، وَالْمُعْجِزَة فِي تَكْثِير الْمَاء وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا جَرَى فيها، وَلَمْ يَعْلَم عَدَدهمْ، فَقَالَ جَابِر: كُنَّا أَلْفًا وَخَمْسمِائَةِ، وَلَوْ كُنَّا مِائَة أَلْف أَوْ أَكْثَر لَكَفَانَا، وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الَّتِي قَبْل هَذِهِ (دَعَا عَلَى بِئْر الْحُدَيْبِيَة) أَيْ: دَعَا فيها بِالْبَرَكَةِ.
3459- قَوْله فِي الشَّجَرَة: (إِنَّهَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مَكَانهَا فِي الْعَام الْمُقْبِل) قَالَ الْعُلَمَاء: سَبَب خَفَائِهَا أَلَّا يُفْتَتَن النَّاس بِهَا لِمَا جَرَى تَحْتهَا مِنْ الْخَيْر وَنُزُول الرِّضْوَان وَالسَّكِينَة، وَغَيْر ذَلِكَ، فَلَوْ بَقِيَتْ ظَاهِرَة مَعْلُومَة لَخِيفَ تَعْظِيم الْأَعْرَاب وَالْجُهَّال إِيَّاهَا وَعِبَادَتهمْ لَهَا، فَكَانَ خَفَاؤُهَا رَحْمَة مِنْ اللَّه تَعَالَى.

.باب تَحْرِيمِ رُجُوعِ الْمُهَاجِرِ إِلَى اسْتِيطَانِ وَطَنِهِ:

3464- قَوْله: (إِنَّ الْحَجَّاج قَالَ لِسَلَمَةَ بْن الْأَكْوَع رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: اِرْتَدَدْت عَلَى عَقِبَيْك تَعَرَّبْت؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْو) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى تَحْرِيم تَرْك الْمُهَاجِر هِجْرَته وَرُجُوعه إِلَى وَطَنه، وَعَلَى أَنَّ اِرْتِدَاد الْمُهَاجِر أَعْرَابِيًّا مِنْ الْكَبَائِر، قَالَ: لِهَذَا أَشَارَ الْحَجَّاج إِلَى أَنْ أَعْلَمَهُ سَلَمَة أَنَّ خُرُوجه إِلَى الْبَادِيَة إِنَّمَا هُوَ بِإِذْنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَلَعَلَّهُ رَجَعَ إِلَى غَيْر وَطَنه أَوْ لِأَنَّ الْغَرَض فِي مُلَازَمَة الْمُهَاجِر أَرْضه الَّتِي هَاجَرَ إِلَيْهَا وَفَرْض ذَلِكَ عَلَيْهِ إِنَّمَا كَانَ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنُصْرَتِهِ، أَوْ لِيَكُونَ مَعَهُ، أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ قَبْل فَتْح مَكَّة، فَلَمَّا كَانَ الْفَتْح وَأَظْهَرَ اللَّه الْإِسْلَام عَلَى الدِّين كُلّه، وَأَذَلَّ الْكُفْر، وَأَعَزَّ الْمُسْلِمِينَ، سَقَطَ فَرْض الْهِجْرَة، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح»، وَقَالَ: «مَضَتْ الْهِجْرَة لِأَهْلِهَا» أَيْ: الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ قَبْل فَتْح مَكَّة، لِمُوَاسَاةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُؤَازَرَته وَنُصْرَة دِينه، وَضَبْط شَرِيعَته، قَالَ الْقَاضِي: وَلَمْ يَخْتَلِف الْعُلَمَاء فِي وُجُوب الْهِجْرَة عَلَى أَهْل مَكَّة قَبْل الْفَتْح، وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرهمْ، فَقِيلَ: لَمْ تَكُنْ وَاجِبَة عَلَى غَيْرهمْ، بَلْ كَانَتْ نَدْبًا، ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْد فِي كِتَاب الْأَمْوَال؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُر الْوُفُود عَلَيْهِ قَبْل الْفَتْح بِالْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَتْ وَاجِبَة عَلَى مَنْ لَمْ يُسْلِم كُلّ أَهْل بَلَده، لِئَلَّا يَبْقَى فِي طُلُوع أَحْكَام الْكُفَّار.

.باب الْمُبَايَعَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى الإِسْلاَمِ وَالْجِهَادِ وَالْخَيْرِ وَبَيَانِ مَعْنَى: «لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ»:

3465- قَوْله: «أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُبَايِعهُ عَلَى الْهِجْرَة فَقَالَ: إِنَّ الْهِجْرَة قَدْ مَضَتْ لِأَهْلِهَا، وَلَكِنْ عَلَى الْإِسْلَام وَالْجِهَاد وَالْخَيْر» مَعْنَاهُ: أَنَّ الْهِجْرَة الْمَمْدُوحَة الْفَاضِلَة الَّتِي لِأَصْحَابِهَا الْمَزِيَّة الظَّاهِرَة إِنَّمَا كَانَتْ قَبْل الْفَتْح، وَلَكِنْ أُبَايِعك عَلَى الْإِسْلَام وَالْجِهَاد وَسَائِر أَفْعَال الْبِرّ، وَهُوَ مِنْ بَاب ذِكْر الْعَامّ بَعْد الْخَاصّ، فَإِنَّ الْخَيْر أَعَمّ مِنْ الْجِهَاد، وَمَعْنَاهُ: أُبَايِعك عَلَى أَنْ تَفْعَل هَذِهِ الْأُمُور.
3467- قَوْله: «قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْفَتْح فَتْح مَكَّة: لَا هِجْرَة وَلَكِنْ جِهَاد وَنِيَّة» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح» قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ الْعُلَمَاء: الْهِجْرَة مِنْ دَار الْحَرْب إِلَى دَار السَّلَام بَاقِيَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيث تَأْوِيلَيْنِ: أَحَدهمَا: لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح مِنْ مَكَّة لِأَنَّهَا صَارَتْ دَار إِسْلَام، فَلَا تُتَصَوَّر مِنْهَا الْهِجْرَة.
وَالثَّانِي: هُوَ الْأَصَحّ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ الْهِجْرَة الْفَاضِلَة الْمُهِمَّة الْمَطْلُوبَة الَّتِي يَمْتَاز بِهَا أَهْلهَا اِمْتِيَازًا ظَاهِرًا اِنْقَطَعَتْ بِفَتْحِ مَكَّة، وَمَضَتْ لِأَهْلِهَا الَّذِينَ هَاجَرُوا قَبْل فَتْح مَكَّة، لِأَنَّ الْإِسْلَام قَوِيَ وَعَزَّ بَعْدَ فَتْح مَكَّة عِزًّا ظَاهِرًا بِخِلَافِ مَا قَبْله.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَكِنْ جِهَاد وَنِيَّة» مَعْنَاهُ أَنَّ تَحْصِيل الْخَيْر بِسَبَبِ الْهِجْرَة قَدْ اِنْقَطَعَ بِفَتْحِ مَكَّة وَلَكِنْ حَصَّلُوهُ بِالْجِهَادِ وَالنِّيَّة الصَّالِحَة. وَفِي هَذَا: الْحَثّ عَلَى نِيَّة الْخَيْر مُطْلَقًا، وَأَنَّهُ يُثَاب عَلَى النِّيَّة.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» مَعْنَاهُ: إِذَا طَلَبَكُمْ الْإِمَام لِلْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَاد فَاخْرُجُوا، وَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْجِهَاد لَيْسَ فَرْض عَيْن، بَلْ فَرْض كِفَايَة إِذَا فَعَلَهُ مَنْ تَحْصُل بِهِمْ الْكِفَايَة سَقَطَ الْحَرَج عَنْ الْبَاقِينَ، وَإِنْ تَرَكُوهُ كُلّهمْ أَثِمُوا كُلّهمْ، قَالَ أَصْحَابنَا: الْجِهَاد الْيَوْم فَرْض كِفَايَة، إِلَّا أَنْ يَنْزِل الْكُفَّار بِبَلَدِ الْمُسْلِمِينَ فَيَتَعَيَّن عَلَيْهِمْ الْجِهَاد، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَهْل ذَلِكَ الْبَلَد كِفَايَة وَجَبَ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ تَتْمِيم الْكِفَايَة، وَأَمَّا فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْأَصَحّ عِنْد أَصْحَابنَا أَنَّهُ كَانَ أَيْضًا فَرْض كِفَايَة.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ فَرْض عَيْن، وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ كَانَ فَرْض كِفَايَة بِأَنَّهُ كَانَ تَغْزُو السَّرَايَا، وَفيها بَعْضهمْ دُون بَعْض.
3469- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ الْهِجْرَة: «إِنَّ شَأْن الْهِجْرَة لَشَدِيد، فَهَلْ لَك مِنْ إِبِل؟ قَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ: فَهَلْ تُؤْتِي صَدَقَتهَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاء الْبِحَار فَإِنَّ اللَّه لَنْ يَتِرَك مِنْ عَمَلك شَيْئًا» أَمَّا (يَتِر) فَبِكَسْرِ التَّاء مَعْنَاهُ: لَنْ يُنْقِصك مِنْ ثَوَاب أَعْمَالك شَيْئًا، حَيْثُ كُنْت، قَالَ الْعُلَمَاء: وَالْمُرَاد بِالْبِحَارِ هُنَا الْقُرَى، وَالْعَرَب تُسَمِّي الْقُرَى الْبِحَار، وَالْقَرْيَة الْبُحَيْرَة.
قَالَ الْعُلَمَاء: وَالْمُرَاد بِالْهِجْرَةِ الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا هَذَا الْأَعْرَابِيّ مُلَازَمَة الْمَدِينَة مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرْك أَهْله وَوَطَنه، فَخَافَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَّا يَقْوَى لَهَا، وَلَا يَقُوم بِحُقُوقِهَا، وَأَنْ يَنْكُص عَلَى عَقِبَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ شَأْن الْهِجْرَة الَّتِي سَأَلْت عَنْهَا لَشَدِيد وَلَكِنْ اِعْمَلْ بِالْخَيْرِ فِي وَطَنك، وَحَيْثُ مَا كُنْت فَهُوَ يَنْفَعك، وَلَا يُنْقِصك اللَّه مِنْهُ شَيْئًا. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب كَيْفِيَّةِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ:

3470- قَوْلهَا: (كَانَ الْمُؤْمِنَات إِذَا هَاجَرْنَ يُمْتَحَنَّ بِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى: {يَا أَيّهَا النَّبِيّ إِذَا جَاءَك الْمُؤْمِنَات} إِلَى آخِرَة)، مَعْنَى يُمْتَحَنَّ: يُبَايِعهُنَّ عَلَى هَذَا الْمَذْكُور فِي الْآيَة الْكَرِيمَة.
وَقَوْلهَا: (فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ) مَعْنَاهُ: فَقَدْ بَايَعَ الْبَيْعَة الشَّرْعِيَّة.
قَوْلهَا: «وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَد اِمْرَأَة قَطُّ غَيْر أَنَّهُ يُبَايِعهُنَّ بِالْكَلَامِ» فيه: أَنَّ بَيْعَة النِّسَاء بِالْكَلَامِ مِنْ غَيْر أَخْذ كَفّ.
وَفيه: أَنَّ بَيْعَة الرِّجَال بِأَخْذِ الْكَفّ مَعَ الْكَلَام.
وَفيه: أَنَّ كَلَام الْأَجْنَبِيَّة يُبَاح سَمَاعه عِنْد الْحَاجَة، وَأَنَّ صَوْتهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَأَنَّهُ لَا يَلْمِس بَشَرَة الْأَجْنَبِيَّة مِنْ غَيْر ضَرُورَة كَتَطْبِيبٍ وَفَصْد وَحِجَامَة وَقَلْع ضِرْس وَكَحْل عَيْن وَنَحْوهَا مِمَّا لَا تُوجَد اِمْرَأَة تَفْعَلهُ؛ جَازَ لِلرَّجُلِ الْأَجْنَبِيّ فِعْله لِلضَّرُورَةِ.
وَفِي (قَطُّ) خَمْسُ لُغَات: فَتْح الْقَاف، وَتَشْدِيد الطَّاء مَضْمُومَة وَمَكْسُورَة، وَبِضَمِّهِمَا، وَالطَّاء مُشَدَّدَة، وَفَتْح الْقَاف مَعَ تَخْفِيف، الطَّاء سَاكِنَة وَمَكْسُورَة، وَهِيَ لِنَفْيِ الْمَاضِي.
3471- قَوْلهَا فِي هَذِهِ الرِوَايَة: «مَا مَسَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ اِمْرَأَة قَطُّ إِلَّا أَنْ يَأْخُذ عَلَيْهَا فَإِذَا أَخَذَ عَلَيْهَا فَأَعْطَتْهُ قَالَ: اِذْهَبِي فَقَدْ بَايَعْتُك» هَذَا الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع وَتَقْدِير الْكَلَام: مَا مَسَّ اِمْرَأَة قَطُّ، لَكِنْ يَأْخُذ عَلَيْهَا الْبَيْعَة بِالْكَلَامِ، فَإِذَا أَخَذَهَا بِالْكَلَامِ قَالَ: اِذْهَبِي فَقَدْ بَايَعْتُك، وَهَذَا التَّقْدِير مُصَرَّح بِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى، ولابد مِنْهُ. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب الْبَيْعَةِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِيمَا اسْتَطَاعَ:

3472- قَوْله: «كُنَّا نُبَايِع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة يَقُول لَنَا فِيمَا اِسْتَطَعْت» هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ: «فِيمَا اِسْتَطَعْت» أَيْ: قُلْ فِيمَا اِسْتَطَعْت، وَهَذَا مِنْ كَمَال شَفَقَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأْفَته بِأُمَّتِهِ، يُلَقِّنهُمْ أَنْ يَقُول أَحَدهمْ: فِيمَا اِسْتَطَعْت؛ لِئَلَّا يَدْخُل فِي عُمُوم بَيْعَته مَا لَا يُطِيقهُ، وَفيه: أَنَّهُ إِذَا رَأَى الْإِنْسَان مَنْ يَلْتَزِم مَا لَا يُطِيقهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُول لَهُ: لَا تَلْتَزِم مَا لَا تُطِيق فَيَتْرُك بَعْضه وَهُوَ مِنْ نَحْو قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ».

.بَاب بَيَان سِنّ الْبُلُوغ:

وَهُوَ السِّنّ الَّذِي يُجْعَل صَاحِبه مِنْ الْمُقَاتِلِينَ، وَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْم الرِّجَال فِي أَحْكَام الْقِتَال وَغَيْر ذَلِكَ.
3473- قَوْله: «عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ عُرِضَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم أُحُد- وَهُوَ اِبْن أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَة- فَلَمْ يُجِزْهُ وَعُرِضَ عَلَيْهِ يَوْم الْخَنْدَق وَهُوَ اِبْن خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَة- فَأَجَازَهُ» هَذَا دَلِيل لِتَحْدِيدِ الْبُلُوغ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَة، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَابْن وَهْب وَأَحْمَد وَغَيْرهمْ، قَالُوا: بِاسْتِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَة يَصِير مُكَلَّفًا وَإِنْ لَمْ يَحْتَلِم، فَتَجْرِي عَلَيْهِ الْأَحْكَام مِنْ وُجُوب الْعِبَادَة وَغَيْره، وَيَسْتَحِقّ سَهْم الرَّجُل مِنْ الْغَنِيمَة وَيُقْتَل إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْحَرْب، وَفيه دَلِيل عَلَى أَنَّ الْخَنْدَق كَانَتْ سَنَة أَرْبَع مِنْ الْهِجْرَة، وَهُوَ الصَّحِيح، وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل السِّيَر وَالتَّوَارِيخ: كَانَتْ سَنَة خَمْسٍ، وَهَذَا الْحَدِيث يَرُدّهُ، لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أُحُدًا كَانَتْ سَنَة ثَلَاث، فَيَكُون الْخَنْدَق سَنَة أَرْبَع، لِأَنَّهُ جَعَلَهَا فِي هَذَا الْحَدِيث بَعْده بِسَنَةٍ.
قَوْله: «لَمْ يُجِزْنِي وَأَجَازَنِي» الْمُرَاد جَعَلَهُ رَجُلًا لَهُ حُكْم الرِّجَال الْمُقَاتِلِينَ.

.باب النَّهْيِ أَنْ يُسَافَرَ بِالْمُصْحَفِ إِلَى أَرْضِ الْكُفَّارِ إِذَا خِيفَ وُقُوعُهُ بِأَيْدِيهِمْ:

3474- قَوْله: «نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْض الْعَدُوّ» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «مَخَافَة أَنْ يَنَالهُ الْعَدُوّ» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «فَإِنِّي لَا آمَن أَنْ يَنَالهُ الْعَدُوّ» فيه: النَّهْي عَنْ الْمُسَافَرَة بِالْمُصْحَفِ إِلَى أَرْض الْكُفَّار لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث، وَهِيَ خَوْف أَنْ يَنَالُوهُ فَيَنْتَهِكُوا حُرْمَته، فَإِنْ أُمِنَتْ هَذِهِ الْعِلَّة بِأَنْ يَدْخُل فِي جَيْش الْمُسْلِمِينَ الظَّاهِرِينَ عَلَيْهِمْ فَلَا كَرَاهَة وَلَا مَنْع مِنْهُ حِينَئِذٍ لِعَدَمِ الْعِلَّة، هَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالْبُخَارِيّ وَآخَرُونَ، وَقَالَ مَالِك وَجَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا بِالنَّهْيِ مُطْلَقًا، وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِر عَنْ أَبِي حَنِيفَة الْجَوَاز مُطْلَقًا، وَالصَّحِيح عَنْهُ مَا سَبَقَ، وَهَذِهِ الْعِلَّة الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث هِيَ مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَغَلِطَ بَعْض الْمَالِكِيَّة فَزَعَمَ أَنَّهَا مِنْ كَلَام مَالِك، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكْتُب إِلَيْهِمْ كِتَاب فيه آيَة أَوْ آيَات، وَالْحُجَّة فيه كِتَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْل، قَالَ الْقَاضِي: وَكَرِهَ مَالِك وَغَيْره مُعَامَلَة الْكُفَّار بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير الَّتِي فيها اِسْم اللَّه تَعَالَى وَذِكْره سُبْحَانه وَتَعَالَى.
3475- سبق شرحه بالباب.
3476- سبق شرحه بالباب.

.بَاب الْمُسَابَقَة بَيْن الْخَيْل وَتَضْمِيرهَا:

فيه: ذِكْر حَدِيث مُسَابَقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن الْخَيْل الْمُضَمَّرَة وَغَيْر الْمُضَمَّرَة.
وَفيه: جَوَاز الْمُسَابَقَة بَيْن الْخَيْل وَجَوَاز تَضْمِيرهَا، وَهُمَا مُجْمَع عَلَيْهِمَا لِلْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ وَتَدْرِيب الْخَيْل وَرِيَاضَتهَا وَتَمَرُّنهَا عَلَى الْجَرْي، وَإِعْدَادهَا لِذَلِكَ لِيُنْتَفَعَ بِهَا عِنْد الْحَاجَة فِي الْقِتَال كَرًّا وَفَرًّا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَنَّ الْمُسَابَقَة بَيْنهمَا مُبَاحَة أَمْ مُسْتَحَبَّة؟ وَمَذْهَب أَصْحَابنَا أَنَّهَا مُسْتَحَبَّة لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز الْمُسَابَقَة بِغَيْرِ عِوَض بَيْن جَمِيع أَنْوَاع الْخَيْل قَوِيّهَا مَعَ ضَعِيفهَا، وَسَابِقهَا مَعَ غَيْره، سَوَاء كَانَ مَعَهَا ثَالِث أَمْ لَا. فَأَمَّا الْمُسَابَقَة بِعِوَض فَجَائِزَة بِالْإِجْمَاعِ، لَكِنْ يُشْتَرَط أَنْ يَكُون الْعِوَض مِنْ غَيْر الْمُتَسَابِقَيْنِ، أَوْ يَكُون بَيْنَهُمَا وَيَكُون مَعَهُمَا مُحَلِّل وَهُوَ ثَالِث عَلَى فَرَس مُكَافِئ لِفَرَسَيْهِمَا، وَلَا يُخْرِج الْمُحَلِّل مِنْ عِنْده شَيْئًا لِيَخْرُجَ هَذَا الْعَقْد عَنْ صُورَة الْقِمَار، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث ذِكْر عِوَض فِي الْمُسَابَقَة.
3477- قَوْله: «سَابَقَ بِالْخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ» يُقَال: أُضْمِرَتْ وَضُمِّرَتْ، وَهُوَ أَنْ يُقَلَّل عَلَفهَا مُدَّة، وَتُدْخَل بَيْتًا كَنِينًا، وَتُجَلَّل فيه لِتَعْرَقَ وَيَجِفّ عَرَقهَا فَيَجِفّ لَحْمهَا وَتَقْوَى عَلَى الْجَرْي.
قَوْله: «مِنْ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّة الْوَدَاع» هِيَ بِحَاءٍ مُهْمَلَة وَفَاء سَاكِنَة وَبِالْمَدِّ وَالْقَصْر، حَكَاهُمَا الْقَاضِي وَآخَرُونَ الْقَصْر أَشْهَر وَالْحَاء مَفْتُوحَة بِلَا خِلَاف، وَقَالَ صَاحِب الْمَطَالِع: وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِضَمِّهَا، قَالَ: وَهُوَ خَطَأ، قَالَ الْحَازِمِيُّ فِي الْمُؤْتَلِف وَيُقَال فيها أَيْضًا: الْحَيْفَاء بِتَقْدِيمِ الْيَاء عَلَى الْفَاء وَالْمَشْهُور الْمَعْرُوف فِي كُتُب الْحَدِيث وَغَيْرهَا الْحَفْيَاء.
قَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ: بَيْن ثَنِيَّة الْوَدَاع وَالْحَفْيَاء: خَمْسَة أَمْيَال أَوْ سِتَّة، وَقَالَ مُوسَى بْن عُقْبَةَ سِتَّة أَوْ سَبْعَة.
وَأَمَّا ثَنِيَّة الْوَدَاع فَهِيَ عِنْد الْمَدِينَة، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخَارِج مِنْ الْمَدِينَة يَمْشِي مَعَهُ الْمُوَدِّعُونَ إِلَيْهَا.
قَوْله: «مَسْجِد بَنِي زُرَيْق» بِتَقْدِيمِ الزَّاي.
وَفيه: دَلِيل لِجَوَازِ قَوْل: مَسْجِد فُلَان، وَمَسْجِد بَنِي فُلَان، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْبُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة، وَهَذِهِ الْإِضَافَة لِلتَّعْرِيفِ.
قَوْله: (وَحَدَّثَنِي زُهَيْر بْن حَرْب حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ، قَالَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ: وَذَكَرَهُ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ عَنْ مُسْلِم عَنْ زُهَيْر بْن حَرْب عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ أَيُّوب عَنْ اِبْن نَافِع عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر، فَزَادَ: اِبْن نَافِع، قَالَ: وَاَلَّذِي قَالَهُ أَبُو مَسْعُود مَحْفُوظ عَنْ الْجَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب اِبْن عُلَيَّة، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَاب الْعِلَل فِي هَذَا الْحَدِيث يَرْوِيه أَحْمَد بْن حَنْبَل وَعَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ وَدَاوُدُ عَنْ اِبْن عُلَيَّة عَنْ أَيُّوب عَنْ اِبْن نَافِع عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر، وَهَذَا شَاهِد لِمَا ذَكَرَهُ أَبُو مَسْعُود، وَرَوَاهُ جَمَاعَة عَنْ زُهَيْر عَنْ اِبْن عُلَيَّة عَنْ أَيُّوب عَنْ نَافِع كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ غَيْر ذِكْر اِبْن نَافِع.
قَوْله: (عَنْ اِبْن عُمَر فَجِئْت سَابِقًا فَطَفَّفَ بِي الْفَرَس الْمَسْجِد) أَيْ: عَلَا وَوَثَبَ إِلَى الْمَسْجِد، وَكَانَ جِدَاره قَصِيرًا، وَهَذَا بَعْد مُجَاوَزَته الْغَايَة؛ لِأَنَّ الْغَايَة هِيَ الْمَسْجِد، وَهُوَ مَسْجِد بَنِي زُرَيْق. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ:

3478- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْخَيْل مَعْقُود بِنَوَاصِيها الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة الَأجْر وَالْغَنِيِمَة» وفي رواية: «الْخَيْر مَعْقُوص بِنَوَاصِي الْخَيْل» الْمَعْقُود وَالْمَعْقُوص بِمَعْنًى، وَمَعْنَاهُ مَلْوِيّ مَضْفُور فيها، وَالْمُرَاد بِالنَّاصِيَةِ هُنَا الشَّعْر الْمُسْتَرْسِل عَلَى الْجَبْهَة.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره: قَالُوا: وَكَنَّى بِالنَّاصِيَةِ عَنْ جَمِيع ذَات الْفَرَس، يُقَال: فُلَان مُبَارَك النَّاصِيَة، وَمُبَارَك الْغُرَّة، أَيْ الذَّات. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث اِسْتِحْبَاب رِبَاط الْخَيْل وَاقْتِنَائِهَا لِلْغَزْوِ وَقِتَال أَعْدَاء اللَّه، وَأَنَّ فَضْلهَا وَخَيْرهَا وَالْجِهَاد بَاقٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
وَأَمَّا الْحَدِيث الْآخَر: «الشُّؤْم قَدْ يَكُون فِي الْفَرَس» فَالْمُرَاد بِهِ غَيْر الْخَيْل الْمُعَدَّة لِلْغَزْوِ وَنَحْوه، أَوْ أَنَّ الْخَيْر وَالشُّؤْم يَجْتَمِعَانِ فيها، فَإِنَّهُ فَسَّرَ الْخَيْر بِالْأَجْرِ وَالْمَغْنَم، وَلَا يَمْتَنِع مَعَ هَذَا أَنْ يَكُون الْفَرَس مِمَّا يُتَشَاءَم بِهِ.
3479- قَوْله: «رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْوِي نَاصِيَة فَرَس بِإِصْبَعِهِ» قَالَ الْقَاضِي: فيه اِسْتِحْبَابُ خِدْمَة الرَّجُل فَرَسه الْمُعَدَّةَ لِلْجِهَادِ.
3480- سبق شرحه بالباب.
3481- قَوْله: (عَنْ عُرْوَة الْبَارِقِيِّ) هُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْقَاف، وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى بَارِق، وَهُوَ جَبَل بِالْيَمَنِ، تَرَكَتْهُ الْأَزْد، وَهُمْ الْأَسْد- بِإِسْكَانِ السِّين- فَنُسِبُوا إِلَيْهِ، وَقِيلَ: إِلَى بَارِق بْن عَوْف بْن عَدِيّ، وَيُقَال لَهُ: عُرْوَة بْن الْجَعْد، كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم، وَعُرْوَة بْن أَبِي الْجَعْد وَعُرْوَة بْن عِيَاض بْن أَبِي الْجَعْدِ.
3482- سبق شرحه بالباب.