فصل: باب تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ وَإِقَامَتِهَا وَفَضْلِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ مِنْهَا وَالاِزْدِحَامِ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المشهور بـ «شرح النووي على مسلم»



.باب تَسْبِيحِ الرَّجُلِ وَتَصْفِيقِ الْمَرْأَةِ إِذَا نَابَهُمَا شيء فِي الصَّلاَةِ:

641- سبق شرحه بالباب.

.باب الأَمْرِ بِتَحْسِينِ الصَّلاَةِ وَإِتْمَامِهَا وَالْخُشُوعِ فيها:

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا فُلَان أَلَا تُحْسِن صَلَاتك؟ أَلَا يَنْظُر الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْف يُصَلِّي؟ إِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ إِنِّي وَاَللَّه لَأُبْصِر مِنْ وَرَائِي كَمَا أُبْصِر مِنْ بَيْن يَدَيَّ» فِي رِوَايَة: «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا فَوَاَللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعكُمْ وَلَا سُجُودكُمْ إِنِّي لَأَرَاكُمْ وَرَاء ظَهْرِي» وَفِي رِوَايَة: «أَقِيمُوا الرُّكُوع وَالسُّجُود فَوَاَللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ» قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِدْرَاكًا فِي قَفَاهُ يُبْصِر بِهِ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَدْ اِنْخَرَقَتْ الْعَادَة لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَكْثَر مِنْ هَذَا، وَلَيْسَ يَمْنَع مِنْ هَذَا عَقْل وَلَا شَرْع، بَلْ وَرَدَ الشَّرْع بِظَاهِرِهِ فَوَجَبَ الْقَوْل بِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَجُمْهُور الْعُلَمَاء: هَذِهِ الرُّؤْيَة رُؤْيَة بِالْعَيْنِ حَقِيقَة. وَفيه الْأَمْر بِإِحْسَانِ الصَّلَاة وَالْخُشُوع وَإِتْمَام الرُّكُوع وَالسُّجُود وَجَوَاز الْحَلِف بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْر ضَرُورَة لَكِنْ الْمُسْتَحَبّ تَرْكه إِلَّا لِحَاجَةٍ كَتَأْكِيدِ أَمْر وَتَفْخِيمه وَالْمُبَالَغَة فِي تَحْقِيقه وَتَمْكِينه مِنْ النُّفُوس، وَعَلَى هَذَا يُحْمَل مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيث مِنْ الْحَلِف.
642- سبق شرحه بالباب.
643- سبق شرحه بالباب.
644- وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي» أَيْ مِنْ وَرَائِي كَمَا فِي الرِّوَايَات الْبَاقِيَة.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَحَمَلَهُ بَعْضهمْ عَلَى بَعْد الْوَفَاة، وَهُوَ بَعِيد عَنْ سِيَاق الْحَدِيث.
645- وَقَوْله: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّان حَدَّثَنَا مُعَاذ حَدَّثَنَا أَبِي وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُثَنَّى حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي عَدِيّ عَنْ سَعِيد كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس) هَذَانِ الطَّرِيقَانِ مِنْ أَبِي غَسَّان إِلَى أَنَس كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ.

.باب النَّهْيِ عَنْ سَبْقِ الإِمَامِ بِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ وَنَحْوِهِمَا:

646- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ» فيه تَحْرِيم هَذِهِ الْأُمُور وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَالْمُرَاد بِالِانْصِرَافِ السَّلَام.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَأَيْت الْجَنَّة وَالنَّار» فيه أَنَّهُمَا مَخْلُوقَتَانِ.
647- وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي رَفَعَ رَأْسه قَبْل الْإِمَام أَنْ يُحَوِّل اللَّه رَأْسه رَأْس حِمَار»، وَفِي رِوَايَة: «صُورَته فِي صُورَة حِمَار»، وَفِي رِوَايَة: «وَجْهه وَجْه حِمَار» هَذَا كُلّه بَيَان لِغِلَظِ تَحْرِيم ذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب النَّهْيِ عَنْ رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلاَةِ:

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَام يَرْفَعُونَ أَبْصَارهمْ إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة أَوْ لَا تَرْجِع إِلَيْهِمْ» وَفِي رِوَايَة: «أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارهمْ».
فيه النَّهْي الْأَكِيد وَالْوَعِيد الشَّدِيد فِي ذَلِكَ وَقَدْ نَقَلَ الْإِجْمَاع فِي النَّهْي عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَة رَفْع الْبَصَر إِلَى السَّمَاء فِي الدُّعَاء فِي غَيْر الصَّلَاة فَكَرِهَهُ شُرَيْح وَآخَرُونَ، وَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَقَالُوا: لِأَنَّ السَّمَاء قِبْلَة الدُّعَاء كَمَا أَنَّ الْكَعْبَة قِبْلَة الصَّلَاة، وَلَا يُنْكِر رَفْع الْأَبْصَار إِلَيْهَا كَمَا لَا يُكْرَه رَفْع الْيَد.
قَالَ اللَّه تَعَالَى: {وَفِي السَّمَاء رِزْقكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}.

.باب الأَمْرِ بَالسُّكُونِ فِي الصَّلاَةِ وَالنَّهْيِ عَنِ الإِشَارَةِ بِالْيَدِ وَرَفْعِهَا عِنْدَ السَّلاَمِ:

651- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَاب خَيْل شُمْس» هُوَ بِإِسْكَانِ الْمِيم وَضَمّهَا وَهِيَ الَّتِي لَا تَسْتَقِرّ بَلْ تَضْطَرِب وَتَتَحَرَّك بِأَذْنَابِهَا وَأَرْجُلهَا، وَالْمُرَاد بِالرَّفْعِ الْمَنْهِيّ عَنْهُ هُنَا رَفْعهمْ أَيْدِيهمْ عِنْد السَّلَام مُشِيرِينَ إِلَى السَّلَام مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة.
قَوْله: (فَرَآنَا حِلَقًا) هُوَ بِكَسْرِ الْحَاء وَفَتْحهَا لُغَتَانِ جَمْع حَلْقَة بِإِسْكَانِ اللَّام، وَحَكَى الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره فَتْحهَا فِي لُغَة ضَعِيفَة.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ» أَيْ مُتَفَرِّقِينَ جَمَاعَة جَمَاعَة وَهُوَ بِتَخْفِيفِ الزَّاي الْوَاحِدَة (عِزَة)، مَعْنَاهُ النَّهْي عَنْ التَّفَرُّق وَالْأَمْر بِالِاجْتِمَاعِ وَفيه الْأَمْر بِإِتْمَامِ الصُّفُوف الْأَوَّل وَالتَّرَاصّ فِي الصَّلَاة وَمَعْنَى إِتْمَام الصُّفُوف الْأَوَّل أَنْ يَتِمّ الْأَوَّل وَلَا يَشْرَع فِي الثَّانِي حَتَّى يَتِمّ الْأَوَّل، وَلَا فِي الثَّالِث حَتَّى يَتِمّ الثَّانِي، وَلَا فِي الرَّابِع حَتَّى يَتِمّ الثَّالِث، وَهَكَذَا إِلَى آخِرهَا. وَفيه أَنَّ السُّنَّة فِي السَّلَام مِنْ الصَّلَاة أَنْ يَقُول: السَّلَام عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّه عَنْ يَمِينه، وَالسَّلَام عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّه عَنْ شِمَاله، وَلَا يُسَنّ زِيَادَة (وَبَرَكَاته) وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَ فيها حَدِيث ضَعِيف، وَأَشَارَ إِلَيْهَا بَعْض الْعُلَمَاء وَلَكِنَّهَا بِدْعَة إِذْ لَمْ يَصِحّ فيها حَدِيث، بَلْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره فِي تَرْكهَا، وَالْوَاجِب مِنْهُ السَّلَام عَلَيْكُمْ مَرَّة وَاحِدَة، وَلَوْ قَالَ: السَّلَام عَلَيْك بِغَيْرِ مِيم لَمْ تَصِحّ صَلَاته. وَفيه دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب تَسْلِيمَتَيْنِ وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثُمَّ يُسَلِّم عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينه وَشِمَاله» الْمُرَاد بِالْأَخِ الْجِنْس أَيْ إِخْوَانه الْحَاضِرِينَ عَنْ الْيَمِين وَالشِّمَال. وَفيه الْأَمْر بِالسُّكُونِ فِي الصَّلَاة وَالْخُشُوع فيها وَالْإِقْبَال عَلَيْهَا وَأَنَّ الْمَلَائِكَة يُصَلُّونَ وَأَنَّ صُفُوفهمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَة. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ وَإِقَامَتِهَا وَفَضْلِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ مِنْهَا وَالاِزْدِحَامِ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ:

654- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَام وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (لِيَلِنِي) هُوَ بِكَسْرِ اللَّامَيْنِ وَتَخْفِيف النُّون مِنْ غَيْر يَاء قَبْل النُّون وَيَجُوز إِثْبَات الْيَاء مَعَ تَشْدِيد النُّون عَلَى التَّوْكِيد، وَأُولُو الْأَحْلَام هُمْ الْعُقَلَاء وَقِيلَ الْبَالِغُونَ، و(النُّهَى) بِضَمِّ النُّون الْعُقُول. فَعَلَى قَوْل مَنْ يَقُول: أُولُو الْأَحْلَام الْعُقَلَاء يَكُون اللَّفْظَانِ بِمَعْنًى، فَلَمَّا اِخْتَلَفَ اللَّفْظ عُطِفَ أَحَدهمَا عَلَى الْآخَر تَأْكِيدًا. وَعَلَى الثَّانِي مَعْنَاهُ الْبَالِغُونَ الْعُقَلَاء قَالَ أَهْل اللُّغَة وَاحِدَة (النَّهْي) نُهْيَة بِضَمِّ النُّون وَهِيَ الْعَقْل وَرَجُل (نَهٍ) و(نُهًى) مِنْ قَوْم نَهِينَ، وَسُمِّيَ الْعَقْل نُهْيَة لِأَنَّهُ يَنْتَهِي إِلَى مَا أُمِرَ بِهِ وَلَا يَتَجَاوَز، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَنْهَى عَنْ الْقَبَائِح.
قَالَ أَبُو عَلِيّ الْفَارِسِيّ: يَجُوز أَنْ يَكُون النَّهْي مَصْدَرًا كَالْهُدَى، وَأَنْ يَكُون جَمْعًا كَالظُّلَمِ، قَالَ: وَالنَّهْي فِي اللُّغَة مَعْنَاهُ الثَّبَات وَالْحَبْس. وَمِنْهُ النِّهَى وَالنَّهَى بِكَسْرِ النُّون وَفَتْحهَا وَالنُّهْيَة لِلْمَكَانِ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْمَاء فَيَسْتَنْقِع.
قَالَ الْوَاحِدِيّ: فَرَجَعَ الْقَوْلَانِ فِي اِشْتِقَاق النُّهْيَة إِلَى قَوْل وَاحِد وَهُوَ الْحَبْس فَالنُّهْيَة هِيَ الَّتِي تَنْهَى وَتَحْبِس عَنْ الْقَبَائِح. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» مَعْنَاهُ الَّذِي يَقْرَبُونَ مِنْهُمْ فِي هَذَا الْوَصْف.
قَوْله: (يَمْسَح مَنَاكِبنَا) أَيْ يُسَوِّي مَنَاكِبنَا فِي الصُّفُوف وَيَعْدِلنَا فيها.
فِي هَذَا الْحَدِيث تَقْدِيم الْأَفْضَل فَالْأَفْضَل إِلَى الْإِمَام لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْإِكْرَامِ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا اِحْتَاجَ الْإِمَام إِلَى اِسْتِخْلَاف فَيَكُون هُوَ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ يَتَفَطَّن لِتَنْبِيهِ الْإِمَام عَلَى السَّهْو لِمَا لَا يَتَفَطَّن لَهُ غَيْره، وَلِيَضْبِطُوا صِفَة الصَّلَاة، وَيَحْفَظُوهَا وَيَنْقُلُوهَا وَيُعَلِّمُوهَا النَّاس وَلِيَقْتَدِيَ بِأَفْعَالِهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ وَلَا يَخْتَصّ هَذَا التَّقْدِيم بِالصَّلَاةِ، بَلْ السُّنَّة أَنْ يُقَدَّم أَهْل الْفَضْل فِي كُلّ مَجْمَع إِلَى الْإِمَام وَكَبِير الْمَجْلِس كَمَجَالِس الْعِلْم وَالْقَضَاء وَالذِّكْر وَالْمُشَاوَرَة، وَمَوَاقِف الْقِتَال وَإِمَامَة الصَّلَاة وَالتَّدْرِيس وَالْإِفْتَاء وَإِسْمَاع الْحَدِيث وَنَحْوهَا، وَيَكُون النَّاس فيها عَلَى مَرَاتِبهمْ فِي الْعِلْم وَالدِّين وَالْعَقْل وَالشَّرَف وَالسِّنّ وَالْكَفَاءَة فِي ذَلِكَ الْبَاب، وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مُتَعَاضِدَة عَلَى ذَلِكَ. وَفيه تَسْوِيَة الصُّفُوف وَاعْتِنَاء الْإِمَام بِهَا وَالْحَثّ عَلَيْهَا.
655- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَات الْأَسْوَاق» هِيَ بِفَتْحِ الْهَاء وَإِسْكَان الْيَاء وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَة، أَيْ اِخْتِلَاطهَا وَالْمُنَازَعَة وَالْخُصُومَات وَارْتِفَاع الْأَصْوَات وَاللَّغَط وَالْفِتَن الَّتِي فيها.
قَوْله: (حَدَّثَنِي خَالِد الْحَذَّاء عَنْ أَبِي مَعْشَر) اِسْم أَبِي مَعْشَر (زِيَاد بْن كُلَيْب التَّمِيمِيّ الْحَنْظَلِيّ الْكُوفِيّ).
656- قَوْله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُثَنَّى وَابْن بَشَّار قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة قَالَ سَمِعْت قَتَادَة يُحَدِّث عَنْ أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: وَحَدَّثَنَا شَيْبَان بْن فَرُّوخ حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب عَنْ أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ) هَذَانِ الْإِسْنَادَانِ بَصْرِيُّونَ.
657- سبق شرحه بالباب.
658- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقِيمُوا الصَّفّ فِي الصَّلَاة» أَيْ سَوُّوهُ وَعَدِّلُوهُ وَتَرَاصُّوا فيه.
659- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّه بَيْن وُجُوهكُمْ» قِيلَ مَعْنَاهُ يَمْسَخهَا وَيُحَوِّلهَا عَنْ صُوَرهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَجْعَل اللَّه تَعَالَى صُورَته صُورَة حِمَار» وَقِيلَ: يُغَيِّر صِفَاتهَا، وَالْأَظْهَر، وَاَللَّه أَعْلَم، أَنَّ مَعْنَاهُ يُوقِع بَيْنكُمْ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء وَاخْتِلَاف الْقُلُوب، كَمَا يُقَال تَغَيَّرَ وَجْه فُلَان عَلَيَّ أَيْ ظَهَرَ لِي مِنْ وَجْهه كَرَاهَة لِي وَتَغَيَّرَ قَلْبه عَلَيَّ لِأَنَّ مُخَالَفَتهمْ فِي الصُّفُوف مُخَالَفَة فِي ظَوَاهِرهمْ، وَاخْتِلَاف الظَّوَاهِر سَبَب لِاخْتِلَافِ الْبَوَاطِن.
660- قَوْله: «يُسَوِّي صُفُوفنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاح» الْقِدَاح بِكَسْرِ الْقَاف هِيَ خَشَب السِّهَام حِين تُنْحَت وَتُبْرَى، وَاحِدهَا (قِدْح) بِكَسْرِ الْقَاف، مَعْنَاهُ يُبَالِغ فِي تَسْوِيَتهَا حَتَّى تَصِير كَأَنَّمَا يَقُوم بِهَا السِّهَام لِشِدَّةِ اِسْتِوَائِهَا وَاعْتِدَالهَا.
قَوْله: «فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّر فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْره مِنْ الصَّفّ فَقَالَ لَتُسَوُّنَّ عِبَاد اللَّه صُفُوفكُمْ» فيه الْحَثّ عَلَى تَسْوِيَتهَا، وَفيه جَوَاز الْكَلَام بَيْن الْإِقَامَة وَالدُّخُول فِي الصَّلَاة، وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب جَمَاهِير الْعُلَمَاء، وَمَنَعَهُ بَعْض الْعُلَمَاء، وَالصَّوَاب الْجَوَاز، وَسَوَاء كَانَ الْكَلَام لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاة أَوْ لِغَيْرِهَا أَوْ لَا لِمَصْلَحَةٍ.
661- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ يَعْلَم النَّاس مَا فِي النِّدَاء وَالصَّفّ الْأَوَّل ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» النِّدَاء هُوَ الْأَذَان وَالِاسْتِهَام الِاقْتِرَاع، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا فَضِيلَة الْأَذَان وَقَدْرهَا وَعَظِيم جَزَائِهِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا طَرِيقًا يُحَصِّلُونَهُ بِهِ لِضِيقِ الْوَقْت عَنْ أَذَان بَعْد أَذَان، أَوْ لِكَوْنِهِ لَا يُؤَذِّن لِلْمَسْجِدِ إِلَّا وَاحِد لَاقْتَرَعُوا فِي تَحْصِيله، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفّ الْأَوَّل مِنْ الْفَضِيلَة نَحْو مَا سَبَقَ، وَجَاءُوا إِلَيْهِ دَفْعَة وَاحِدَة وَضَاقَ عَنْهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَسْمَح بَعْضهمْ لِبَعْضٍ بِهِ، لَاقْتَرَعُوا عَلَيْهِ. وَفيه إِثْبَات الْقُرْعَة فِي الْحُقُوق الَّتِي يَزْدَحِم عَلَيْهَا وَيَتَنَازَع فيها.
قَوْله: «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِير لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ» التَّهْجِير التَّبْكِير إِلَى الصَّلَاة أَيّ صَلَاة كَانَتْ.
قَالَ الْهَرَوِيُّ وَغَيْره: وَخَصَّهُ الْخَلِيل بِالْجُمُعَةِ، وَالصَّوَاب الْمَشْهُور الْأَوَّل.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَة وَالصُّبْح لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» فيه الْحَثّ الْعَظِيم عَلَى حُضُور جَمَاعَة هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ، وَالْفَضْل الْكَثِير فِي ذَلِكَ لِمَا فيهمَا مِنْ الْمَشَقَّة عَلَى النَّفْس مِنْ تَنْغِيص أَوَّل نَوْمهَا وَآخِره، وَلِهَذَا كَانَتَا أَثْقَل الصَّلَاة عَلَى الْمُنَافِقِينَ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَسْمِيَة الْعِشَاء عَتَمَة، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْي عَنْهُ، وَجَوَابه مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا أَنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَة بَيَان لِلْجَوَازِ، وَأَنَّ ذَلِكَ النَّهْي لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَظْهَر أَنَّ اِسْتِعْمَال الْعَتَمَة هُنَا لِمَصْلَحَةٍ وَنَفْي مَفْسَدَة لِأَنَّ الْعَرَب كَانَتْ تَسْتَعْمِل لَفْظَة الْعِشَاء فِي الْمَغْرِب، فَلَوْ قَالَ: لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعِشَاء وَالصُّبْح لَحَمَلُوهَا عَلَى الْمَغْرِب، فَفَسَدَ الْمَعْنَى، وَفَاتَ الْمَطْلُوب، فَاسْتَعْمَلَ الْعَتَمَة الَّتِي يَعْرِفُونَهَا وَلَا يَشُكُّونَ فيها، وَقَوَاعِد الشَّرْع مُتَظَاهِرَة عَلَى اِحْتِمَال أَخَفّ الْمَفْسَدَتَيْنِ لِدَفْعِ أَعْظَمهمَا. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَوْ حَبْوًا» هُوَ بِإِسْكَانِ الْبَاء وَإِنَّمَا ضَبَطْته لِأَنِّي رَأَيْت مِنْ الْكِبَار مِنْ صَحَّفَهُ.
662- قَوْله: «تَقَدَّمُوا فَائْتَمُّوا بِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدكُمْ لَا يَزَال قَوْم يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرهُمْ اللَّه» مَعْنَى: «وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدكُمْ» أَيْ يَقْتَدُوا بِي مُسْتَدِلِّينَ عَلَى أَفْعَالِي بِأَفْعَالِكُمْ فَفيه جَوَاز اِعْتِمَاد الْمَأْمُوم فِي مُتَابَعَة الْإِمَام الَّذِي لَا يَرَاهُ وَلَا يَسْمَعهُ عَلَى مَبْلَغ عَنْهُ، أَوْ صَفٌّ قُدَّامه يَرَاهُ مُتَابِعًا لِلْإِمَامِ، وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَزَال قَوْم يَتَأَخَّرُونَ أَيْ عَنْ الصُّفُوف الْأُوَل حَتَّى يُؤَخِّرهُمْ اللَّه تَعَالَى عَنْ رَحْمَته أَوْ عَظِيم فَضْله وَرَفْع الْمَنْزِلَة وَعَنْ الْعِلْم وَنَحْو ذَلِكَ.
663- قَوْله: (قَتَادَة عَنْ خِلَاس) هُوَ بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف اللَّام وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ.
664- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْر صُفُوف الرِّجَال أَوَّلهَا وَشَرّهَا آخِرهَا وَخَيْر صُفُوف النِّسَاء آخِرهَا وَشَرّهَا أَوَّلهَا» أَمَّا صُفُوف الرِّجَال فَهِيَ عَلَى عُمُومهَا فَخَيْرهَا أَوَّلهَا أَبَدًا وَشَرّهَا آخِرهَا أَبَدًا أَمَّا صُفُوف النِّسَاء فَالْمُرَاد بِالْحَدِيثِ صُفُوف النِّسَاء اللَّوَاتِي يُصَلِّينَ مَعَ الرِّجَال، وَأَمَّا إِذَا صَلَّيْنَ مُتَمَيِّزَات لَا مَعَ الرِّجَال فَهُنَّ كَالرِّجَالِ خَيْر صُفُوفهنَّ أَوَّلهَا وَشَرّهَا آخِرهَا، وَالْمُرَاد بِشَرِّ الصُّفُوف فِي الرِّجَال النِّسَاء أَقَلّهَا ثَوَابًا وَفَضْلًا وَأَبْعَدهَا مِنْ مَطْلُوب الشَّرْع، وَخَيْرهَا بِعَكْسِهِ، وَإِنَّمَا فَضَّلَ آخِر صُفُوف النِّسَاء الْحَاضِرَات مَعَ الرِّجَال لِبُعْدِهِنَّ مِنْ مُخَالَطَة الرِّجَال وَرُؤْيَتهمْ وَتَعَلُّق الْقَلْب بِهِمْ عِنْد رُؤْيَة حَرَكَاتهمْ وَسَمَاع كَلَامهمْ وَنَحْو ذَلِكَ، وَذَمَّ أَوَّلَ صُفُوفهنَّ لِعَكْسِ ذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّفّ الْأَوَّل الْمَمْدُوح الَّذِي قَدْ وَرَدَتْ الْأَحَادِيث بِفَضْلِهِ وَالْحَثّ عَلَيْهِ هُوَ الصَّفّ الَّذِي يَلِي الْإِمَام سَوَاء جَاءَ صَاحِبه مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا، وَسَوَاء تَخَلَّلَهُ مَقْصُورَة وَنَحْوهَا أَمْ لَا هَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي يَقْتَضِيه ظَوَاهِر الْأَحَادِيث وَصَرَّحَ بِهِ الْمُحَقِّقُونَ وَقَالَ طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء الصَّفّ الْأَوَّل هُوَ الْمُتَّصِل مِنْ طَرَف الْمَسْجِد إِلَى طَرَفه لَا يَتَخَلَّلهُ مَقْصُورَة وَنَحْوهَا، فَإِنْ تَخَلَّلَ الَّذِي يَلِي الْإِمَام شَيْء فَلَيْسَ بِأَوَّلَ، بَلْ الْأَوَّل مَا لَا يَتَخَلَّلهُ شَيْء، وَإِنْ تَأَخَّرَ وَقِيلَ: الصَّفّ الْأَوَّل عِبَارَة عَنْ مَجِيء الْإِنْسَان إِلَى الْمَسْجِد أَوَّلًا وَإِنْ صَلَّى فِي صَفٍّ مُتَأَخِّر، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ غَلَط صَرِيح، وَإِنَّمَا أَذْكُرهُ وَمِثْله لِأُنَبِّه عَلَى بُطْلَانه لِئَلَّا يَغْتَرّ بِهِ. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب أَمْرِ النِّسَاءِ الْمُصَلِّيَاتِ وَرَاءَ الرِّجَالِ أَنْ لاَ يَرْفَعْنَ رُءُوسَهُنَّ مِنَ السُّجُودِ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ:

665- قَوْله: «رَأَيْت الرِّجَال عَاقِدِي أُزُرهمْ» مَعْنَاهُ عَقَدُوهَا لِضِيقِهَا لِئَلَّا يُكْشَف شَيْء مِنْ الْعَوْرَة فَفيه الِاحْتِيَاط فِي سَتْر الْعَوْرَة وَالتَّوَثُّق بِحِفْظِ السُّتْرَة.
وَقَوْله: «يَا مَعْشَر النِّسَاء لَا تَرْفَعُنَّ رُءُوسكُنَّ حَتَّى يَرْفَع الرِّجَال» مَعْنَاهُ لِئَلَّا يَقَع بَصَر اِمْرَأَة عَلَى عَوْرَة رَجُل اِنْكَشَفَ وَشَبَه ذَلِكَ. وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِع وَالْمَآب.

.باب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ وَأَنَّهَا لاَ تَخْرُجُ مُطَيَّبَةً:

667- قَوْله: «فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْد اللَّه فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا» وَفِي رِوَايَة: «فَزَبَرَهُ» وَفِي رِوَايَة: «فَضَرَبَ فِي صَدْره». فيه تَعْزِيز الْمُعْتَرِض عَلَى السُّنَّة، وَالْمُعَارِض لَهَا بِرَأْيِهِ، وَفيه تَعْزِيز الْوَالِد وَلَده وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا.
668- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاء اللَّه مَسَاجِد اللَّه» هَذَا وَشَبَهه مِنْ أَحَادِيث الْبَاب ظَاهِر فِي أَنَّهَا لَا تُمْنَع الْمَسْجِد لَكِنْ بِشُرُوطٍ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاء مَأْخُوذَة مِنْ الْأَحَادِيث، وَهُوَ أَلَّا تَكُون مُتَطَيِّبَة، وَلَا مُتَزَيِّنَة، وَلَا ذَات خَلَاخِل يُسْمَع صَوْتهَا، وَلَا ثِيَاب فَاخِرَة، وَلَا مُخْتَلِطَة بِالرِّجَالِ، وَلَا شَابَّة وَنَحْوهَا مِمَّنْ يُفْتَتَن بِهَا، وَأَنْ لَا يَكُون فِي الطَّرِيق مَا يَخَاف بِهِ مَفْسَدَة وَنَحْوهَا. وَهَذَا النَّهْي عَنْ مَنْعهنَّ مِنْ الْخُرُوج مَحْمُول عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه إِذَا كَانَتْ الْمَرْأَة ذَات زَوْج أَوْ سَيِّد وَوُجِدَتْ الشُّرُوط الْمَذْكُورَة، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْج وَلَا سَيِّد حَرُمَ الْمَنْع إِذَا وُجِدَتْ الشُّرُوط.
قَوْله: (فَيَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا) هُوَ بِفَتْحِ الدَّال وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْفَسَاد وَالْخِدَاع وَالرِّيبَة.
قَوْله: (فَزَبَرَهُ) أَيْ نَهَرَهُ.
672- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَمْنَعُوا النِّسَاء حُظُوظهنَّ مِنْ الْمَسَاجِد إِذَا اِسْتَأْذَنُوكُمْ» هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَر الْأُصُول (اِسْتَأْذَنُوكُمْ)، وَفِي بَعْضهَا (اِسْتَأْذَنَكُمْ) وَهَذَا ظَاهِر، وَالْأَوَّل صَحِيح أَيْضًا وَعُومِلْنَ مُعَامَلَة الذُّكُور لِطَلَبِهِنَّ الْخُرُوج إِلَى مَجْلِس الذُّكُور وَاَللَّه أَعْلَم.
673- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْعِشَاء فَلَا تَطَيَّبْ تِلْكَ اللَّيْلَة» مَعْنَاهُ إِذَا أَرَادَتْ شُهُودهَا، أَمَّا مَنْ شَهِدَتْهَا ثُمَّ عَادَتْ إِلَى بَيْتهَا فَلَا تُمْنَع مِنْ التَّطَيُّب بَعْد ذَلِكَ، وَكَذَا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِد فَلَا تَمَسّ طِيبًا» مَعْنَاهُ إِذَا أَرَادَتْ شُهُوده.
675- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيّمَا اِمْرَأَة أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَد مَعَنَا الْعِشَاء الْآخِرَة» فيه دَلِيل عَلَى جَوَاز قَوْل الْإِنْسَان الْعِشَاء الْآخِرَة، وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ الْأَصْمَعِيّ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ الْمُحَال قَوْل الْعَامَّة الْعِشَاء الْآخِرَة لِأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا إِلَّا عِشَاء وَاحِدَة فَلَا تُوصَف بِالْآخِرَةِ فَهَذَا الْقَوْل غَلَط لِهَذَا الْحَدِيث، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ جَمَاعَات مِنْ الصَّحَابَة وَصْفهَا بِالْعِشَاءِ الْآخِرَة، وَأَلْفَاظهمْ بِهَذَا مَشْهُورَة فِي هَذِهِ الْأَبْوَاب الَّتِي بَعْد هَذَا (وَالْبَخُور) بِتَخْفِيفِ الْخَاء وَفَتْح الْبَاء وَاَللَّه أَعْلَم.
676- قَوْلهَا: (لَوْ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاء لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِد) يَعْنِي مِنْ الزِّينَة وَالطِّيب وَحُسْن الثِّيَاب. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب التَّوَسُّطِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ الْجَهْرِيَّةِ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالإِسْرَارِ إِذَا خَافَ مِنَ الْجَهْرِ مَفْسَدَةً:

ذَكَرَ فِي الْبَاب حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا، وَهُوَ ظَاهِر فِيمَا تَرْجَمْنَا لَهُ، وَهُوَ مُرَاد مُسْلِم بِإِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيث هُنَا، وَذَكَرَ تَفْسِير عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي الدُّعَاء، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ وَغَيْره، لَكِنْ الْمُخْتَار الْأَظْهَر مَا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَاَللَّه أَعْلَم.
677- سبق شرحه بالباب.
678- سبق شرحه بالباب.

.باب الاِسْتِمَاعِ لِلْقِرَاءَةِ:

فيه حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي تَفْسِير قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {لَا تُحَرِّك بِهِ لِسَانك} إِلَى آخِرهَا.
679- قَوْله: (كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي كَانَ مِمَّا يُحَرِّك بِهِ لِسَانه) إِنَّمَا كَرَّرَ لَفْظَة (كَانَ) لِطُولِ الْكَلَام، وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاء: إِذَا طَالَ الْكَلَام جَازَتْ إِعَادَة اللَّفْظ وَنَحْوهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} فَأَعَادَ (أَنَّكُمْ) لِطُولِ الْكَلَام، وَقَوْله تَعَالَى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَاب مِنْ عِنْد اللَّه} إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذِهِ الْمَسْأَلَة مَبْسُوطًا فِي أَوَائِل كِتَاب الْإِيمَان.
وَقَوْله: (كَانَ مِمَّا يُحَرِّك بِهِ لِسَانه وَشَفَتَيْهِ) مَعْنَاهُ كَانَ كَثِيرًا ذَلِكَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ هَذَا شَأْنه وَدَأْبه. قَوْله عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} أَيْ قَرَأَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَفيه إِضَافَة مَا يَكُون عَنْ أَمْر اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ.
قَوْله: (فَيَشْتَدّ عَلَيْهِ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى (يُعَالِج مِنْ التَّنْزِيل شِدَّة) سَبَب الشِّدَّة هَيْبَة الْمَلَك، وَمَا جَاءَ بِهِ، وَثِقَل الْوَحْي، قَالَ اللَّه تَعَالَى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْك قَوْلًا ثَقِيلًا} وَالْمُعَالَجَة الْمُحَاوَلَة لِلشَّيْءِ وَالْمَشَقَّة فِي تَحْصِيله.
قَوْله: (فَكَانَ ذَلِكَ يُعْرَف مِنْهُ) يَعْنِي يَعْرِفهُ مَنْ رَآهُ لِمَا يَظْهَر عَلَى وَجْهه وَبَدَنه مِنْ أَثَره كَمَا قَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا: وَلَقَدْ رَأَيْته يَنْزِل عَلَيْهِ فِي الْيَوْم الشَّدِيد الْبَرْد فَيَفْصِم عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينه لِيَتَفَصَّد عَرَقًا.
680- قَوْله: (فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ) الِاسْتِمَاع الْإِصْغَاء لَهُ، وَالْإِنْصَات السُّكُوت، فَقَدْ يَسْتَمِع وَلَا يُنْصِت، فَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنهمَا كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} قَالَ الْأَزْهَرِيّ: يُقَال: أَنْصَتَ، وَنَصَتَ، وَانْتَصَتَ، ثَلَاث لُغَات أَفْصَحهنَّ أَنْصَتَ، وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآن الْعَزِيز.

.باب الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ:

681- قَوْله: (سُوق عُكَاظ) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْن وَبِالظَّاءِ الْمُعْجَمَة يُصْرَف وَلَا يُصْرَف، وَالسُّوق تُؤَنَّث وَتُذَكَّر لُغَتَانِ، قِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقِيَامِ النَّاس فيها عَلَى سُوقِهِمْ.
قَوْله: (عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ: مَا قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْجِنّ وَمَا رَآهُمْ) وَذَكَرَ بَعْده حَدِيث اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَتَانِي دَاعِي الْجِنّ فَذَهَبْت مَعَهُ فَقَرَأْت عَلَيْهِمْ الْقُرْآن» قَالَ الْعُلَمَاء: هُمَا قَضِيَّتَانِ، فَحَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي أَوَّل الْأَمْر وَأَوَّل النُّبُوَّة حِين أَتَوْا فَسَمِعُوا قِرَاءَة: {قُلْ أُوحِيَ} وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ هَلْ عَلِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتِمَاعهمْ حَال اِسْتِمَاعهمْ بِوَحْيٍ أُوحِيَ إِلَيْهِ؟ أَمْ لَمْ يَعْلَم بِهِمْ إِلَّا بَعْد ذَلِكَ؟ وَأَمَّا حَدِيث اِبْن مَسْعُود فَقَضِيَّة أُخْرَى جَرَتْ بَعْد ذَلِكَ بِزَمَانٍ اللَّه أَعْلَم بِقَدْرِهِ، وَكَانَ بَعْد اِشْتِهَار الْإِسْلَام.
قَوْله: «وَقَدْ حِيلَ بَيْن الشَّيَاطِين وَبَيْن خَبَر السَّمَاء، وَأُرْسِلَتْ الشُّهُب عَلَيْهِمْ» ظَاهِر هَذَا الْكَلَام أَنَّ هَذَا حَدَثَ بَعْد نُبُوَّة نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلهَا، وَلِهَذَا أَنْكَرَتْهُ الشَّيَاطِين، وَارْتَاعَتْ لَهُ. وَضَرَبُوا مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا لِيَعْرِفُوا خَبَره، وَلِهَذَا كَانَتْ الْكِهَانَة فَاشِيَة فِي الْعَرَب حَتَّى قُطِعَ بَيْن الشَّيَاطِين وَبَيْن صُعُود السَّمَاء وَاسْتِرَاق السَّمْع، كَمَا أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُد مِنْهَا مَقَاعِد لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} وَقَدْ جَاءَتْ أَشْعَار الْعَرَب بِاسْتِغْرَابِهِمْ رَمْيهَا لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَعْهَدُوهُ قَبْل النُّبُوَّة، وَكَانَ رَمْيهَا مِنْ دَلَائِل النُّبُوَّة.
وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء: مَا زَالَتْ الشُّهُبُ مُنْذُ كَانَتْ الدُّنْيَا وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَالزُّهْرِيّ وَغَيْرهمَا، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي أَشْعَار الْعَرَب، وَرَوَى فيه اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا حَدِيثًا قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ: فَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى: {فَمَنْ يَسْتَمِع الْآن يَجِد لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} فَقَالَ كَانَتْ الشُّهُب قَلِيلَة فَغَلُظَ أَمْرهَا وَكَثُرَتْ حِين بُعِثَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ نَحْو هَذَا وَذَكَرُوا أَنَّ الرَّمْي بِهَا وَحِرَاسَة السَّمَاء كَانَتْ مَوْجُودَة قَبْل النُّبُوَّة وَمَعْلُومَة وَلَكِنْ إِنَّمَا كَانَتْ تَقَع عِنْد حُدُوث أَمْر عَظِيم مِنْ عَذَاب يَنْزِل بِأَهْلِ الْأَرْض، أَوْ إِرْسَال رَسُول إِلَيْهِمْ، وَعَلَيْهِ تَأَوَّلُوا قَوْله تَعَالَى: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهمْ رَشَدًا} وَقِيلَ: كَانَتْ الشُّهُب قَبْل مَرْئِيَّة وَمَعْلُومَة، لَكِنْ رَجْم الشَّيَاطِين وَإِحْرَاقهمْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بَعْد نُبُوَّة نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتَلَفُوا فِي إِعْرَاب قَوْله تَعَالَى: {رُجُومًا} وَفِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ: هُوَ مَصْدَر فَتَكُون الْكَوَاكِب هِيَ الرَّاجِمَة الْمُحْرِقَة بِشُهُبِهَا لَا بِأَنْفُسِهَا، وَقِيلَ: هُوَ اِسْم فَتَكُون هِيَ بِأَنْفُسِهَا الَّتِي يُرْجَم بِهَا، وَيَكُون رُجُوم جَمْع رَجْم بِفَتْحِ الرَّاء وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (فَاضْرِبُوا مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا) مَعْنَاهُ سِيرُوا فيها كُلّهَا وَمِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَخْرُج الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِط كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَاتهمَا يَتَحَدَّثَانِ فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَمْقُت عَلَى ذَلِكَ».
قَوْله: (النَّفَر الَّذِينَ أَخَذُوا نَحْو تِهَامَة وَهُوَ بِنَخْلٍ) هَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِم (بِنَخْلٍ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَصَوَابه (بِنَخْلَةٍ) بِالْهَاءِ، وَهُوَ مَوْضِع مَعْرُوف هُنَاكَ كَذَا جَاءَ صَوَابه فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ يُقَال فيه نَخْل وَنَخْلَة، وَأَمَّا (تِهَامَة) فَبِكَسْرِ التَّاء وَهُوَ اِسْم لِكُلِّ مَا نَزَلَ عَنْ نَجْد مِنْ بِلَاد الْحِجَاز وَمَكَّة مِنْ تِهَامَة.
قَالَ اِبْن فَارِس فِي الْمُجْمَل: سُمِّيَتْ تِهَامَة مِنْ التَّهَم بِفَتْحِ التَّاء وَالْهَاء وَهُوَ شِدَّة الْحَرّ وَرُكُود الرِّيح، وَقَالَ صَاحِب الْمَطَالِع: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَغَيُّر هَوَائِهَا يُقَال تَهِمَ الدُّهْن إِذَا تَغَيَّرَ، وَذَكَرَ الْحَازِمِيّ أَنَّهُ يُقَال فِي أَرْض تِهَامَة تَهَائِم. قَوْله: (وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاة الصُّبْح فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآن قَالُوا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْننَا وَبَيْن السَّمَاء) فيه الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْح، وَفيه إِثْبَات صَلَاة الْجَمَاعَة وَأَنَّهَا مَشْرُوعَة فِي السَّفَر وَأَنَّهَا كَانَتْ مَشْرُوعَة مِنْ أَوَّل النُّبُوَّة.
قَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيّ: ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُمْ آمَنُوا عِنْد سَمَاع الْقُرْآن، ولابد لِمَنْ آمَنَ عِنْد سَمَاعه أَنْ يَعْلَم حَقِيقَة الْإِعْجَاز وَشُرُوط الْمُعْجِزَة، وَبَعْد ذَلِكَ يَقَع لَهُ الْعِلْم بِصِدْقِ الرَّسُول فَيَكُون الْجِنّ عَلِمُوا ذَلِكَ مِنْ كُتُب الرُّسُل الْمُتَقَدِّمِينَ قَبْلهمْ عَلَى أَنَّهُ هُوَ النَّبِيّ الصَّادِق الْمُبَشِّر بِهِ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْجِنّ يُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَة عَلَى الْمَعَاصِي قَالَ اللَّه تَعَالَى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّم مِنْ الْجِنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ} وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ مُؤْمِنهمْ وَمُطِيعهمْ هَلْ يَدْخُل الْجَنَّة وَيُنَعَّم بِهَا ثَوَابًا وَمُجَازَاة لَهُ عَلَى طَاعَته أَمْ لَا يَدْخُلُونَ بَلْ يَكُون ثَوَابهمْ أَنْ يَنْجُوا مِنْ النَّار ثُمَّ يُقَال: كُونُوا تُرَابًا كَالْبَهَائِمِ وَهَذَا مَذْهَب اِبْن أَبِي سُلَيْمٍ وَجَمَاعَة، وَالصَّحِيح أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهَا وَيُنَعَّمُونَ فيها بِالْأَكْلِ وَالشُّرْب وَغَيْرهمَا، وَهَذَا قَوْل الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالضَّحَّاك وَمَالِك بْن أَنَس وَابْن أَبِي لَيْلَى وَغَيْرهمْ.
682- قَوْله: (سَأَلْت اِبْن مَسْعُود هَلْ شَهِدَ أَحَد مِنْكُمْ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْجِنّ؟ قَالَ لَا) هَذَا صَرِيح فِي إِبْطَال الْحَدِيث الْمَرْوِيّ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره الْمَذْكُور فيه الْوُضُوء بِالنَّبِيذِ وَحُضُور اِبْن مَسْعُود مَعَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْجِنّ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيث صَحِيح، وَحَدِيث النَّبِيذ ضَعِيف بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ، وَمَدَاره عَلَى زَيْد مَوْلَى عَمْرو بْن حُرَيْث وَهُوَ مَجْهُول.
قَوْله: (اُسْتُطِيرَ أَوْ اُغْتِيلَ) مَعْنَى اُسْتُطِيرَ طَارَتْ بِهِ الْجِنّ، وَمَعْنَى اُغْتِيلَ قُتِلَ سِرًّا، وَالْغِيلَة بِكَسْرِ الْغَيْن هِيَ الْقَتْل فِي خُفْيَة، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: اِنْتَهَى حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد قَوْله (فَأَرَانَا آثَارهمْ وَآثَار نِيرَانهمْ)، وَمَا بَعْده مِنْ قَوْل الشَّعْبِيّ كَذَا رَوَاهُ أَصْحَاب دَاوُدَ الرَّاوِي عَنْ الشَّعْبِيّ وَابْن عُلَيَّة وَابْن زُرَيْع وَابْن أَبِي زَائِدَة وَابْن إِدْرِيس وَغَيْرهمْ. هَكَذَا قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْره. وَمَعْنَى قَوْله (إِنَّهُ مِنْ كَلَام الشَّعْبِيّ) أَنَّهُ لَيْسَ مَرْوِيًّا عَنْ اِبْن مَسْعُود بِهَذَا الْحَدِيث وَإِلَّا فَالشَّعْبِيّ لَا يَقُول هَذَا الْكَلَام إِلَّا بِتَوْقِيفٍ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (لَكُمْ كُلّ عَظْم ذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ) قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء هَذَا لِمُؤْمِنِيهِمْ، وَأَمَّا غَيْرهمْ فَجَاءَ فِي حَدِيث آخَر أَنَّ طَعَامهمْ مَا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ.
683- قَوْله: (وَدِدْت أَنِّي كُنْت مَعَهُ) فيه الْحِرْص عَلَى مُصَاحَبَة أَهْل الْفَضْل فِي أَسْفَارهمْ وَمُهِمَّاتهمْ وَمَشَاهِدهمْ وَمَجَالِسهمْ مُطْلَقًا وَالتَّأَسُّف عَلَى فَوَات ذَلِكَ.
684- قَوْله: (آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَة) هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَجْعَل فِيمَا يَشَاء مِنْ الْجَمَاد تَمْيِيزًا وَنَظِيره قَوْل اللَّه تَعَالَى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِط مِنْ خَشْيَة اللَّه} وَقَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحهمْ} وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَعْرِف حَجَرًا بِمَكَّة كَانَ يُسَلِّم عَلَيَّ» وَحَدِيث الشَّجَرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَتَتَاهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي آخِر الْكِتَاب، وَحَدِيث حَنِين الْجِذْع، وَتَسْبِيح الطَّعَام، وَفِرَار حَجَر مُوسَى بِثَوْبِهِ، وَرُجْعَان حِرَاء وَأُحُد. وَاَللَّه أَعْلَم.