فصل: باب جَوَازِ أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المشهور بـ «شرح النووي على مسلم»



.باب اسْتِحْبَابِ اتِّخَاذِ مُؤَذِّنَيْنِ لِلْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ:

فيه حَدِيث اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا: «كَانَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَذِّنَانِ بِلَال وَابْن أُمّ مَكْتُوم الْأَعْمَى رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا» فِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا جَوَاز وَصْف الْإِنْسَان بِعَيْبٍ فيه لِلتَّعْرِيفِ أَوْ مَصْلَحَة تَتَرَتَّب عَلَيْهِ، لَا عَلَى قَصْد التَّنْقِيص، وَهَذَا أَحَد وُجُوه الْغِيبَة الْمُبَاحَة وَهِيَ سِتَّة مَوَاضِع يُبَاح فيها ذِكْر الْإِنْسَان بِعَيْبِهِ وَنَقْصه وَمَا يَكْرَههُ وَقَدْ بَيَّنْتهَا بِدَلَائِلِهَا وَاضِحَة فِي آخِر كِتَاب الْأَذْكَار الَّذِي لَا يَسْتَغْنِي مُتَدَيِّن عَنْ مِثْله وَسَأَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي كِتَاب النِّكَاح عِنْد قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا مُعَاوِيَة فَصُعْلُوك» وَفِي حَدِيث: «إِنَّ أَبَا سُفْيَان رَجُل شَحِيح» وَفِي حَدِيث: «بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَة» وَأُنَبِّه عَلَى نَظَائِرهَا فِي مَوَاضِعهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق.
وَاسْم اِبْن أُمّ مَكْتُوم (عَمْرو بْن قَيْس بْن زَائِدَة بْن الْأَصَمّ بْن هَرَم بْن رَوَاحَة) هَذَا قَوْل الْأَكْثَرِينَ، وَقِيلَ: اِسْمه عَبْد اللَّه بْن زَائِدَة. وَاسْم أُمّ مَكْتُوم (عَاتِكَة)، تُوُفِّيَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم يَوْم الْقَادِسِيَّة شَهِيدًا وَاَللَّه أَعْلَم.
573- وَقَوْله: (كَانَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَذِّنَانِ) يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ وَفِي وَقْت وَاحِد، وَقَدْ كَانَ أَبُو مَحْذُورَة مُؤَذِّنًا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة، وَسَعْد الْقَرَظ أَذَّنَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبَاءَ مَرَّات. وَفِي هَذَا الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب اِتِّخَاذ مُؤَذِّنِينَ لِلْمَسْجِدِ الْوَاحِد يُؤَذِّن أَحَدهمَا قَبْل طُلُوع الْفَجْر، وَالْآخَر عِنْد طُلُوعه، كَمَا كَانَ بِلَال وَابْن أُمّ مَكْتُوم يَفْعَلَانِ، قَالَ أَصْحَابنَا: فَإِذَا اِحْتَاجَ إِلَى أَكْثَر مِنْ مُؤَذِّنَيْنِ اِتَّخَذَ ثَلَاثَة وَأَرْبَعَة فَأَكْثَر بِحَسَبِ الْحَاجَة، وَقَدْ اِتَّخَذَ عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَرْبَعَة لِلْحَاجَةِ عِنْد كَثْرَة النَّاس.
قَالَ أَصْحَابنَا: وَيُسْتَحَبّ أَنْ لَا يُزَاد عَلَى أَرْبَعَة إِلَّا لِحَاجَةٍ ظَاهِرَة، قَالَ أَصْحَابنَا: وَإِذَا تَرَتَّبَ لِلْأَذَانِ اِثْنَانِ فَصَاعِدًا فَالْمُسْتَحَبّ أَلَّا يُؤَذِّنُوا دَفْعَة وَاحِدَة، بَلْ إِنْ اِتَّسَعَ الْوَقْت تَرَتَّبُوا فيه فَإِنْ تَنَازَعُوا فِي الِابْتِدَاء بِهِ أُقْرِعَ بَيْنهمْ، وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْت فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِد كَبِيرًا أَذَّنُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي أَقْطَاره، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا وَقَفُوا مَعًا وَأَذَّنُوا، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُؤَدِّ اِخْتِلَاف الْأَصْوَات إِلَى تَهْوِيش، فَإِنْ أَدَّى إِلَى ذَلِكَ لَمْ يُؤَذِّن إِلَّا وَاحِد، فَإِنْ تَنَازَعُوا أُقْرِعَ بَيْنهمْ.
وَأَمَّا الْإِقَامَة فَإِنْ أَذَّنُوا عَلَى التَّرْتِيب فَالْأَوَّل أَحَقّ بِهَا إِنْ كَانَ هُوَ الْمُؤَذِّن الرَّاتِب، أَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُؤَذِّن رَاتِب. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّل غَيْر الْمُؤَذِّن الرَّاتِب فَأَيّهمَا أَوْلَى بِالْإِقَامَةِ؟ فيه وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحّهمَا أَنَّ الرَّاتِب أَوْلَى لِأَنَّهُ مَنْصِبه، وَلَوْ أَقَامَ فِي هَذِهِ الصُّوَر غَيْر مَنْ لَهُ وِلَايَة الْإِقَامَة اِعْتَدَّ بِهِ عَلَى الْمَذْهَب الصَّحِيح الْمُخْتَار الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور أَصْحَابنَا، وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا: لَا يُعْتَدّ بِهِ كَمَا لَوْ خَطَبَ بِهِمْ وَاحِد، وَأَمَّ بِهِمْ غَيْره، فَلَا يَجُوز عَلَى قَوْل، وَأَمَّا إِذَا أَذَّنُوا مَعًا فَإِنْ اِتَّفَقُوا عَلَى إِقَامَة وَاحِد، وَإِلَّا فَيَقْرَع.
قَالَ أَصْحَابنَا رَحِمَهُمْ اللَّه: وَلَا يُقِيم فِي الْمَسْجِد الْوَاحِد إِلَّا وَاحِد إِلَّا إِذَا لَمْ تَحْصُل الْكِفَايَة بِوَاحِدٍ.
وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا: لَا بَأْس أَنْ يُقِيمُوا مَعًا إِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى التَّهْوِيش.

.باب جَوَازِ أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ:

فيه حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا: (كَانَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم يُؤَذِّن لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَعْمَى) وَقَدْ تَقَدَّمَ مُعْظَم فِقْه الْحَدِيث فِي الْبَاب قَبْله وَمَقْصُود الْبَاب أَنَّ أَذَان الْأَعْمَى صَحِيح، وَهُوَ جَائِز بِلَا كَرَاهَة إِذَا كَانَ مَعَهُ بَصِير، كَمَا كَانَ بِلَال وَابْن أُمّ مَكْتُوم.
قَالَ أَصْحَابنَا: وَيُكْرَه أَنْ يَكُون الْأَعْمَى مُؤَذِّنًا وَحْده. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب الإِمْسَاكِ عَنِ الإِغَارَةِ عَلَى قَوْمٍ فِي دَارِ الْكُفْرِ إِذَا سُمِعَ فيهمُ الأَذَانُ:

575- فيه: «كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُغِير إِذَا طَلَعَ الْفَجْر، وَكَانَ يَسْتَمِع الْأَذَان فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِلَّا أَغَارَ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُول: اللَّه أَكْبَر اللَّه أَكْبَر فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْفِطْرَة، ثُمَّ قَالَ أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجْت مِنْ النَّار فَنَظَرُوا فَإِذَا رَاعِي مِعْزَى» قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَى الْفِطْرَة» أَيْ عَلَى الْإِسْلَام، وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَرَجْت مِنْ النَّار» أَيْ بِالتَّوْحِيدِ، وَقَوْله: «فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعْزَى» اُحْتُجَّ بِهِ فِي أَنَّ الْأَذَان مَشْرُوع لِلْمُنْفَرِدِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور فِي مَذْهَبنَا وَمَذْهَب غَيْرنَا، وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَذَان يَمْنَع الْإِغَارَة عَلَى أَهْل ذَلِكَ الْمَوْضِع، فَإِنَّهُ دَلِيل عَلَى إِسْلَامهمْ، وَفيه أَنَّ النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ يَكُون إِسْلَامًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِاسْتِدْعَاءِ ذَلِكَ مِنْهُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَفيه خِلَاف سَبَقَ فِي أَوَّل كِتَاب الْإِيمَان.

.باب اسْتِحْبَابِ الْقَوْلِ مِثْلَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ لِمَنْ سَمِعَهُ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ لَهُ الْوَسِيلَةَ:

فيه قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّن فَقُولُوا مِثْل مَا يَقُول، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاة صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّه لِيَ الْوَسِيلَة فَإِنَّهَا مَنْزِلَة فِي الْجَنَّة لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَاد اللَّه، وَأَرْجُو أَنْ أَكُون أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ اللَّه لِيَ الْوَسِيلَة حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَة» وَفِي الْحَدِيث الْآخَر: «إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّن اللَّه أَكْبَر، اللَّه أَكْبَر، فَقَالَ أَحَدكُمْ: اللَّه أَكْبَر اللَّه أَكْبَر، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه قَالَ: أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه، قَالَ أَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاة قَالَ: لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاح قَالَ: لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّه أَكْبَر اللَّه أَكْبَر قَالَ: اللَّه أَكْبَر اللَّه أَكْبَر ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا اللَّه قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مِنْ قَلْبه دَخَلَ الْجَنَّة» وَفِي الْحَدِيث الْآخَر: «مَنْ قَالَ حِين يَسْمَع الْمُؤَذِّن: أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله، رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبه» أَمَّا أَسْمَاء الرِّجَال فَفيه خُبَيْبُ بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسَاف فَـ: (خُبَيْب) بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَ«إِسَاف» بِكَسْرِ الْهَمْزَة، وَفيه الْحُكَيْم بْن عَبْد اللَّه هُوَ بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْح الْكَاف، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْفُصُول الَّتِي فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب أَنَّ كُلّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ هَذِهِ الصُّورَة فَهُو: (حَكِيم) بِفَتْحِ الْحَاء إِلَّا اِثْنَيْنِ بِالضَّمِّ (حُكَيْم) هَذَا (وَزُرَيْق بْن حُكَيْم).
وَأَمَّا لُغَاته فَفيه (الْوَسِيلَة) وَقَدْ فَسَّرَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهَا مَنْزِلَة فِي الْجَنَّة.
قَالَ أَهْل اللُّغَة: الْوَسِيلَة الْمَنْزِلَة عِنْد الْمَلِك.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَة» أَيْ وَجَبَتْ، وَقِيلَ: نَالَتْهُ.
وَأَمَّا قَوْل مُسْلِم: (حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن مَنْصُور قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن جَهْضَم الثَّقَفِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ عِمَارَة بْن غَزِيَّةَ) إِلَى آخِره فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَاب الِاسْتِدْرَاك هَذَا الْحَدِيث رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيّ وَغَيْره مُرْسَلًا وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا فِي كِتَاب الْعِلَل: هُوَ حَدِيث مُتَّصِل، وَصَلَهُ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر، وَهُوَ ثِقَة حَافِظ. وَزِيَادَته مَقْبُولَة، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَاب الْعِلَل هُوَ الصَّوَاب، فَالْحَدِيث صَحِيح، وَزِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة، وَقَدْ سَبَقَ مِثَال هَذَا فِي الشَّرْح. وَاَللَّه أَعْلَم.
576- سبق شرحه بالباب.
577- سبق شرحه بالباب.
578- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّن: اللَّه أَكْبَر اللَّه أَكْبَر، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ثُمَّ قَالَ: أَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاة» إِلَى آخِره مَعْنَاهُ قَالَ كُلّ نَوْع مِنْ هَذَا مَثْنَى كَمَا هُوَ الْمَشْرُوع، فَاخْتَصَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كُلّ نَوْع شَطْره تَنْبِيهًا عَلَى بَاقِيَة، وَمَعْنَى: «حَيَّ عَلَى كَذَا» أَيْ تَعَالَوْا إِلَيْهِ، وَالْفَلَاح الْفَوْز وَالنَّجَاة وَإِصَابَة الْخَيْر. قَالُوا: وَلَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كَلِمَة أَجْمَع لِلْخَيْرِ مِنْ لَفْظَة (الْفَلَاح)، وَيَقْرُب مِنْهَا النَّصِيحَة، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا فِي حَدِيث الدِّين النَّصِيحَة فَمَعْنَى حَيَّ عَلَى الْفَلَاح أَيْ تَعَالَوْا إِلَى سَبَب الْفَوْز وَالْبَقَاء فِي الْجَنَّة وَالْخُلُود فِي النَّعِيم. وَالْفَلَاح وَالْفَلَح تُطْلِقهُمَا الْعَرَب أَيْضًا عَلَى الْبَقَاء.
وَقَوْله: «لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ» يَجُوز فيه خَمْسَة أَوْجُه لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّة مَشْهُورَة أَحَدهَا لَا حَوْل وَلَا قُوَّة بِفَتْحِهِمَا بِلَا تَنْوِين، وَالثَّانِي فَتْح الْأَوَّل وَنَصْب الثَّانِي مُنَوَّنًا، وَالثَّالِث رَفْعهمَا مُنَوَّنَيْنِ، وَالرَّابِع فَتْح الْأَوَّل وَرَفْع الثَّانِي مُنَوَّنًا، وَالْخَامِس عَكْسه.
قَالَ الْهَرَوِيُّ: قَالَ أَبُو الْهَيْثَم: (الْحَوْل) الْحَرَكَة أَيْ لَا حَرَكَة وَلَا اِسْتِطَاعَة إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّه. وَكَذَا قَالَ ثَعْلَب وَآخَرُونَ، وَقِيلَ: لَا حَوْل فِي دَفْع شَرٍّ وَلَا قُوَّة فِي تَحْصِيل خَيْر إِلَّا بِاَللَّهِ، وَقِيلَ: لَا حَوْل عَنْ مَعْصِيَة اللَّه إِلَّا بِعِصْمَتِهِ، وَلَا قُوَّة عَلَى طَاعَته إِلَّا بِمَعُونَتِهِ، وَحُكِيَ هَذَا عَنْ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ، وَحَكَى الْجَوْهَرِيّ لُغَة غَرِيبَة ضَعِيفَة أَنَّهُ يُقَال: لَا حَيْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ بِالْيَاءِ قَالَ: وَالْحَيْل وَالْحَوْل بِمَعْنًى، وَيُقَال فِي التَّعْبِير عَنْ قَوْلهمْ: لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ (الْحَوْقَلَة)، هَكَذَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيّ وَالْأَكْثَرُونَ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ: (الْحَوْلَقَة) فَعَلَى الْأَوَّل وَهُوَ الْمَشْهُور الْحَاء وَالْوَاو مِنْ الْحَوْل وَالْقَاف مِنْ الْقُوَّة وَاللَّام مِنْ اِسْم اللَّه تَعَالَى، وَعَلَى الثَّانِي الْحَاء وَاللَّام مِنْ الْحَوْل وَالْقَاف الْقُوَّة وَالْأَوَّل أَوْلَى لِئَلَّا يُفْصَل بَيْن الْحُرُوف. وَمِثْل الْحَوْقَلَة الْحَيْعَلَة فِي حَيَّ عَلَى الصَّلَاة حَيَّ عَلَى الْفَلَاح حَيَّ عَلَى كَذَا، وَالْبَسْمَلَة فِي بِسْمِ اللَّه، الْحَمْدَلَة فِي الْحَمْد لِلَّهِ، وَالْهَيْلَلَة فِي لَا إِلَه إِلَّا اللَّه، وَالسَّبْحَلَة فِي سُبْحَان اللَّه.
أَمَّا أَحْكَام الْبَاب فَفيه اِسْتِحْبَاب قَوْل سَامِع الْمُؤَذِّن مِثْل مَا يَقُول إِلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَقُول: لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد: «إِذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاء فَقُولُوا مِثْل مَا يَقُول الْمُؤَذِّن» عَامّ مَخْصُوص لِحَدِيثِ عُمَر أَنَّهُ يَقُول فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ: لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ. وَفيه اِسْتِحْبَاب الصَّلَاة عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد فَرَاغه مِنْ مُتَابَعَة الْمُؤَذِّن، وَاسْتِحْبَاب سُؤَال الْوَسِيلَة لَهُ. وَفيه أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يَقُول السَّامِع كُلّ كَلِمَة بَعْد فَرَاغ الْمُؤَذِّن مِنْهَا وَلَا يَنْتَظِر فَارِغه مِنْ كُلّ الْأَذَان. وَفيه أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يَقُول بَعْد قَوْله: وَأَنَا أَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه، رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا. وَفيه أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِمَنْ رَغَّبَ غَيْره فِي خَيْر أَنْ يَذْكُر لَهُ شَيْئًا مِنْ دَلَالَته لِيُنَشِّطهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّة صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا وَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَة حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَة» وَفيه أَنَّ الْأَعْمَال يُشْتَرَط لَهَا الْقَصْد وَالْإِخْلَاص لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ قَلْبه» وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبّ إِجَابَة الْمُؤَذِّن بِالْقَوْلِ مِثْل قَوْله لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ مُتَطَهِّر وَمُحْدِث وَجُنُب وَحَائِض وَغَيْرهمْ مِمَّنْ لَا مَانِع لَهُ مِنْ الْإِجَابَة فَمِنْ أَسْبَاب الْمَنْع أَنْ يَكُون فِي الْخَلَاء، أَوْ جِمَاع أَهْله، أَوْ نَحْوهمَا. وَمِنْهَا أَنْ يَكُون فِي صَلَاة فَمَنْ كَانَ فِي صَلَاة فَرِيضَة أَوْ نَافِلَة فَسَمِعَ الْمُؤَذِّن لَمْ يُوَافِقهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاة، فَإِذَا سَلَّمَ أَتَى بِمِثْلِهِ. فَلَوْ فَعَلَهُ فِي الصَّلَاة فَهَلْ يُكْرَه؟ فيه قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: أَظْهَرهُمَا أَنَّهُ يُكْرَه لِأَنَّهُ إِعْرَاض عَنْ الصَّلَاة لَكِنْ لَا تَبْطُل صَلَاته إِنْ قَالَ مَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّهَا أَذْكَار فَلَوْ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاة أَوْ الصَّلَاة خَيْر مِنْ النَّوْم بَطَلَتْ صَلَاته إِنْ كَانَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ لِأَنَّهُ كَلَام آدَمِيّ. وَلَوْ سَمِعَ الْأَذَان وَهُوَ فِي قِرَاءَة أَوْ تَسْبِيح أَوْ نَحْوهمَا قَطَعَ مَا هُوَ فيه وَأَتَى بِمُتَابَعَةِ الْمُؤَذِّن. وَيُتَابِعهُ فِي الْإِقَامَة كَالْأَذَانِ إِلَّا أَنَّهُ يَقُول فِي لَفْظ الْإِقَامَة: أَقَامَهَا اللَّه، وَأَدَامَهَا، وَإِذَا ثَوَّبَ الْمُؤَذِّن فِي صَلَاة الصُّبْح فَقَالَ: الصَّلَاة خَيْر مِنْ النَّوْم قَالَ سَامِعه: صَدَقْت، وَبَرَرْت. هَذَا تَفْصِيل مَذْهَبنَا.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه: اِخْتَلَفَ أَصْحَابنَا هَلْ يَحْكِي الْمُصَلِّي لَفْظ الْمُؤَذِّن فِي صَلَاة الْفَرِيضَة وَالنَّافِلَة. أَمْ لَا يَحْكِيه فيهمَا، أَمْ يَحْكِيه فِي النَّافِلَة دُون الْفَرِيضَة؟ عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَة فيهمَا. وَهَلْ هَذَا الْقَوْل مِثْل قَوْل الْمُؤَذِّن وَاجِب عَلَى مَنْ سَمِعَهُ فِي غَيْر الصَّلَاة أَمْ مَنْدُوب؟ فيه خِلَاف حَكَاهُ الطَّحَاوِيّ، الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّهُ مَنْدُوب.
قَالَ: وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَقُولهُ عِنْد سَمَاع كُلّ مُؤَذِّن أَمْ لِأَوَّلِ مُؤَذِّن فَقَطْ قَالَ: وَاخْتَلَفَ قَوْل مَالِك هَلْ يُتَابَع الْمُؤَذِّن فِي كُلّ كَلِمَات الْأَذَان أَمْ إِلَى آخِر الشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُ ذِكْر، وَمَا بَعْده بَعْضه لَيْسَ بِذِكْرٍ، وَبَعْضه تَكْرَار لِمَا سَبَقَ. وَاَللَّه أَعْلَم.

.فَصْل: قوله: «إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّن اللَّه أَكْبَر اللَّه أَكْبَر فَقَالَ أَحَدكُمْ اللَّه أَكْبَر اللَّه أَكْبَر»:

قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه: قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّن اللَّه أَكْبَر اللَّه أَكْبَر فَقَالَ أَحَدكُمْ اللَّه أَكْبَر اللَّه أَكْبَر» إِلَى آخِره ثُمَّ قَالَ فِي آخِره: «مِنْ قَلْبه دَخَلَ الْجَنَّة» إِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ تَوْحِيد، وَثَنَاء عَلَى اللَّه تَعَالَى، وَانْقِيَاد لِطَاعَتِهِ، وَتَفْوِيض إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ فَمَنْ حَصَلَ هَذَا فَقَدْ حَازَ حَقِيقَة الْإِيمَان وَكَمَال الْإِسْلَام، وَاسْتَحَقَّ الْجَنَّة بِفَضْلِ اللَّه تَعَالَى، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا» قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَذَان كَلِمَة جَامِعَة لِعَقِيدَةِ الْإِيمَان مُشْتَمِلَة عَلَى نَوْعَيْهِ مِنْ الْعَقْلِيَّات وَالسَّمْعِيَّات، فَأَوَّله إِثْبَات الذَّات، وَمَا يَسْتَحِقّهُ مِنْ الْكَمَال وَالتَّنْزِيه عَنْ أَضْدَادهَا وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (اللَّه أَكْبَر)، وَهَذِهِ اللَّفْظَة مَعَ اِخْتِصَار لَفْظهَا دَالَّة عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ صَرَّحَ بِإِثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّة وَنَفْي ضِدّهَا مِنْ الشَّرِكَة الْمُسْتَحِيلَة فِي حَقّه سُبْحَانه وَتَعَالَى، وَهَذِهِ عُمْدَة الْإِيمَان وَالتَّوْحِيد الْمُقَدَّمَة عَلَى كُلّ وَظَائِف الدِّين، ثُمَّ صَرَّحَ بِإِثْبَاتِ النُّبُوَّة وَالشَّهَادَة بِالرِّسَالَةِ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ قَاعِدَة عَظِيمَة بَعْد الشَّهَادَة بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَمَوْضِعهَا بَعْد التَّوْحِيد؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَاب الْأَفْعَال الْجَائِزَة الْوُقُوع، وَتِلْكَ الْمُقَدِّمَات مِنْ بَاب الْوَاجِبَات، وَبَعْد هَذِهِ الْقَوَاعِد كَمُلَتْ الْعَقَائِد الْعَقْلِيَّات فِيمَا يَجِب وَيَسْتَحِيل وَيَجُوز فِي حَقّه سُبْحَانه وَتَعَالَى، ثُمَّ دَعَا إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ الْعِبَادَات فَدَعَاهُمْ إِلَى الصَّلَاة وَعَقَّبَهَا بَعْد إِثْبَات النُّبُوَّة لِأَنَّ مَعْرِفَة وُجُوبهَا مِنْ جِهَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا مِنْ جِهَة الْعَقْل، ثُمَّ دَعَا إِلَى الْفَلَاح وَهُوَ الْفَوْز وَالْبَقَاء فِي النَّعِيم الْمُقِيم، وَفيه إِشْعَار بِأُمُورِ الْآخِرَة مِنْ الْبَعْث وَالْجَزَاء، وَهِيَ آخِر تَرَاجِم عَقَائِد الْإِسْلَام، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ بِإِقَامَةِ الصَّلَاة لِلْإِعْلَامِ بِالشُّرُوعِ فيها، وَهُوَ مُتَضَمِّن لِتَأْكِيدِ الْإِيمَان وَتَكْرَار ذِكْره عِنْد الشُّرُوع فِي الْعِبَادَة بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان، وَلِيَدْخُل الْمُصَلِّي فيها عَلَى بَيِّنَة مِنْ أَمْره وَبَصِيرَة مِنْ إِيمَانه، وَيَسْتَشْعِر عَظِيم مَا دَخَلَ فيه وَعَظَمَة حَقّ مَنْ يَعْبُدهُ، وَجَزِيل ثَوَابه. هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي وَهُوَ مِنْ النَّفَائِس الْجَلِيلَة. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق.
579- سبق شرحه بالباب.

.باب فَضْلِ الأَذَانِ وَهَرَبِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِهِ:

فيه قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَل النَّاس أَعْنَاقًا يَوْم الْقِيَامَة» وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّيْطَان إِذَا سَمِعَ النِّدَاء بِالصَّلَاةِ ذَهَبَ حَتَّى يَكُون مَكَان الرَّوْحَاء» قَالَ الرَّاوِي هِيَ مِنْ الْمَدِينَة سِتَّة وَثَلَاثُونَ مِيلًا وَفِي رِوَايَة: «إِنَّ الشَّيْطَان إِذَا سَمِعَ النِّدَاء بِالصَّلَاةِ أَحَالَ لَهُ ضُرَاط حَتَّى لَا يُسْمَع صَوْته فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ فَإِذَا سَمِعَ الْإِقَامَة ذَهَبَ حَتَّى لَا يَسْمَع صَوْته فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ» وَفِي رِوَايَة: «إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّن أَدْبَرَ الشَّيْطَان وَلَهُ حُصَاص» وَفِي رِوَايَة: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَان لَهُ ضُرَاط حَتَّى لَا يَسْمَع التَّأْذِين فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِين أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا ثَوَّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيب أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِر بَيْن الْمَرْء وَنَفْسه يَقُول: اُذْكُرْ كَذَا وَاذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يُذْكَر مِنْ قَبْل، حَتَّى يَظَلّ الرَّجُل مَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى».
أَمَّا أَسْمَاء الرِّجَال فَفيه طَلْحَة بْن يَحْيَى عَنْ عَمّه، هَذَا الْعَمّ هُوَ عِيسَى بْن طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه كَمَا بَيَّنَهُ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَقَوْله: (الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان) اِسْم أَبِي سُفْيَان طَلْحَة بْن نَافِع سَبَقَ بَيَانه مَرَّات وَقَوْله: (قَالَ سُلَيْمَان فَسَأَلْته عَنْ الرَّوْحَاء) سُلَيْمَان هُوَ الْأَعْمَش سُلَيْمَان بْن مِهْرَانَ، وَالْمَسْئُول أَبُو سُفْيَان طَلْحَة بْن نَافِع، وَفيه أُمَيَّة بْن بِسْطَام بِكَسْرِ الْبَاء وَفَتْحهَا مَصْرُوف وَغَيْر مَصْرُوف وَسَبَقَ بَيَانه فِي أَوَّل الْكِتَاب مَرَّات. قَوْله: (أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى بَنِي حَارِثَة) هُوَ بِالْحَاءِ. قَوْله: (الْحَزَامِيّ) هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالزَّاي.
وَأَمَّا لُغَاته وَأَلْفَاظه فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَل النَّاس أَعْنَاقًا» هُوَ بِفَتْحِ هَمْزَة أَعْنَاقًا جَمْع عُنُق، وَاخْتَلَفَ السَّلَف وَالْخَلَف فِي مَعْنَاهُ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَكْثَر النَّاس تَشَوُّفًا إِلَى رَحْمَة اللَّه تَعَالَى، لِأَنَّ الْمُتَشَوِّف يُطِيل عُنُقه إِلَى مَا يَتَطَلَّع إِلَيْهِ. فَمَعْنَاهُ كَثْرَة مَا يَرَوْنَهُ مِنْ الثَّوَاب.
وَقَالَ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ: إِذَا أَلْجَمَ النَّاسَ الْعَرَقُ يَوْم الْقِيَامَة طَالَتْ أَعْنَاقهمْ لِئَلَّا يَنَالهُمْ ذَلِكَ الْكَرْب وَالْعَرَق.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ سَادَة وَرُؤَسَاء، وَالْعَرَب نِصْف السَّادَة بِطُولِ الْعُنُق.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَكْثَر أَتْبَاعًا.
وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ: مَعْنَاهُ أَكْثَر النَّاس أَعْمَالًا.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره: وَرَوَاهُ بَعْضهمْ (إِعْنَاقًا) بِكَسْرِ الْهَمْزَة أَيْ إِسْرَاعًا إِلَى الْجَنَّة، وَهُوَ مِنْ سَيْر الْعُنُق. قَوْله: (مَكَان الرَّوْحَاء) هِيَ بِفَتْحِ الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَبِالْمَدِّ. قَوْله: (إِذَا سَمِعَ الشَّيْطَان الْأَذَان أَحَالَ) هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة أَيْ ذَهَبَ هَارِبًا. قَوْله: (وَلَهُ حُصَاص) هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَة مَضْمُومَة وَصَادَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ أَيْ ضُرَاط كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى.
وَقِيلَ: (الْحُصَاص) شِدَّة الْعَدْو، قَالَهُمَا أَبُو عُبَيْد وَالْأَئِمَّة مِنْ بَعْده.
قَالَ الْعُلَمَاء: وَإِنَّمَا أَدْبَرَ الشَّيْطَان عِنْد الْأَذَان لِئَلَّا يَسْمَعهُ فَيُضْطَرّ إِلَى أَنْ يَشْهَد لَهُ بِذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَسْمَع صَوْت الْمُؤَذِّن جِنّ وَلَا إِنْس وَلَا شَيْء إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْم الْقِيَامَة» قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَقِيلَ: إِنَّمَا يَشْهَد لَهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس، فَأَمَّا الْكَافِر فَلَا شَهَادَة لَهُ.
قَالَ: وَلَا يُقْبَل هَذَا مِنْ قَائِله لِمَا جَاءَ فِي الْآثَار مِنْ خِلَافه قَالَ: وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا فِيمَنْ يَصِحّ مِنْهُ الشَّهَادَة مِمَّنْ يَسْمَع، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ عَامّ فِي الْحَيَوَان وَالْجَمَاد، وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى يَخْلُق لَهَا وَلِمَا لَا يَعْقِل مِنْ الْحَيَوَان إِدْرَاكًا لِلْأَذَانِ وَعَقْلًا وَمَعْرِفَة، وَقِيلَ: إِنَّمَا يُدْبِر الشَّيْطَان لِعَظْمِ أَمْر الْأَذَان لِمَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ قَوَاعِد التَّوْحِيد، وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام، وَإِعْلَانه.
وَقِيلَ: لِيَأْسِهِ مِنْ وَسْوَسَة الْإِنْسَان عِنْد الْإِعْلَان بِالتَّوْحِيدِ.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَتَّى إِذَا ثَوَّبَ بِالصَّلَاةِ» الْمُرَاد بِالتَّثْوِيبِ الْإِقَامَة، وَأَصْله مِنْ ثَابَ إِذَا رَجَعَ، وَمُقِيم الصَّلَاة رَاجِع إِلَى الدُّعَاء إِلَيْهَا، فَإِنَّ الْأَذَان دُعَاء إِلَى الصَّلَاة، وَالْإِقَامَة دُعَاء إِلَيْهَا. قَوْله: (حَتَّى يَخْطُر بَيْن الْمَرْء وَنَفْسه) هُوَ بِضَمِّ الطَّاء وَكَسْرهَا حَكَاهُمَا الْقَاضِي عِيَاض فِي الْمَشَارِق، قَالَ: ضَبَطْنَاهُ عَنْ الْمُتْقِنِينَ بِالْكَسْرِ، وَسَمِعْنَاهُ مِنْ أَكْثَر الرُّوَاة بِالضَّمِّ، قَالَ: وَالْكَسْر هُوَ الْوَجْه، وَمَعْنَاهُ يُوَسْوِس، وَهُوَ مِنْ قَوْلهمْ خَطَرَ الْفَحْل بِذَنَبِهِ إِذَا حَرَّكَهُ فَضَرَبَ بِهِ فَخِذَيْهِ، وَأَمَّا بِالضَّمِّ فَمَنْ السُّلُوك وَالْمُرُور رَأْي يَدْنُو مِنْهُ فَيَمُرّ بَيْنه وَبَيْن قَلْبه فَيُشْغِلهُ عَمَّا هُوَ فيه، وَبِهَذَا فَسَّرَهُ الشَّارِحُونَ لِلْمُوَطَّأِ، وَبِالْأَوَّلِ فَسَّرَهُ الْخَلِيل. قَوْله: (حَتَّى يَظَلّ الرَّجُل إِنْ يَدْرِي كَيْف صَلَّى) (إِنْ) بِمَعْنَى (مَا) كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُولَى هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي قَوْله (إِنْ يَدْرِي) إِنَّهُ بِكَسْرِ هَمْزَة (إِنْ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض وَرُوِيَ بِفَتْحِهَا، قَالَ: وَهِيَ رِوَايَة اِبْن عَبْد الْبَرّ، وَادَّعَى أَنَّهَا رِوَايَة أَكْثَرهمْ، وَكَذَا ضَبَطَهُ الْأَصِيلِيّ فِي كِتَاب الْبُخَارِيّ، وَالصَّحِيح الْكَسْر.
أَمَّا فِقْه الْبَاب فَضِيلَة الْأَذَان وَالْمُؤَذِّن، وَقَدْ جَاءَتْ فيه أَحَادِيث كَثِيرَة فِي الصَّحِيحَيْنِ مُصَرِّحَة بِعِظَمِ فَضْله، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا هَلْ الْأَفْضَل لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَرْصُد نَفْسه لِلْأَذَانِ أَمْ لِلْإِمَامَةِ عَلَى أَوْجُه أَصَحّهَا الْأَذَان أَفْضَل، وَهُوَ نَصَّ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي الْأُمّ، وَقَوْل أَكْثَر أَصْحَابنَا، وَالثَّانِي الْإِمَامَة أَفْضَل وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيّ أَيْضًا، وَالثَّالِث هُمَا سَوَاء، وَالرَّابِع إِنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسه الْقِيَام بِحُقُوقِ الْإِمَامَة وَجَمِيع خِصَالهَا فَهِيَ أَفْضَل، وَإِلَّا فَالْأَذَان، قَالَهُ أَبُو عَلِيّ الطَّبَرِيّ، وَأَبُو الْقَاسِم بْن كَجّ، وَالْمَسْعُودِيّ، وَالْقَاضِي حُسَيْن مِنْ أَصْحَابنَا.
وَأَمَّا جَمْع الرَّجُل بَيْن الْإِمَامَة وَالْأَذَان فَإِنَّ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا يُسْتَحَبّ أَلَّا يَفْعَلهُ.
وَقَالَ بَعْضهمْ: يُكْرَه، وَقَالَ مُحَقِّقُوهُمْ. وَأَكْثَرهمْ: أَنَّهُ لَا بَأْس بِهِ، بَلْ يُسْتَحَبّ، وَهَذَا أَصَحّ. وَاَللَّه أَعْلَم.
580- سبق شرحه بالباب.
581- سبق شرحه بالباب.
582- سبق شرحه بالباب.
583- سبق شرحه بالباب.
585- سبق شرحه بالباب.

.باب اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ وَفِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ:

فيه (اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا) قَالَ: رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا اِفْتَتَحَ الصَّلَاة رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِي مَنْكِبَيْهِ، وَقَبْل أَنْ يَرْكَع، وَإِذَا رَفَعَ مِنْ الرُّكُوع، وَلَا يَرْفَعهُمَا بَيْن السَّجْدَتَيْنِ» وَفِي رِوَايَة: «وَلَا يَفْعَلهُ حِين يَرْفَع رَأْسه مِنْ السُّجُود» وَفِي رِوَايَة: «إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاة رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْو مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ» وَفِي رِوَايَة مَالِك بْن الْحُوَيْرِث: «إِذَا صَلَّى كَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِي بِهِمَا أُذُنَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِي بِهِمَا أُذُنَيْهِ» وَفِي رِوَايَة: «حَتَّى يُحَاذِي بِهِمَا فُرُوع أُذُنَيْهِ» أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى اِسْتِحْبَاب رَفْع الْيَدَيْنِ عِنْد تَكْبِير الْإِحْرَام، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهَا، فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فَمَنْ بَعْدهمْ: يُسْتَحَبّ رَفْعهمَا أَيْضًا عِنْد الرُّكُوع وَعِنْد الرَّفْع مِنْهُ، وَهُوَ رِوَايَة عَنْ مَالِك وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْل أَنَّهُ يُسْتَحَبّ رَفْعهمَا فِي مَوْضِع آخَر رَابِع وَهُوَ إِذَا قَامَ مِنْ التَّشَهُّد الْأَوَّل، وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الصَّوَاب، فَقَدْ صَحَّ فيه حَدِيث اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلهُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَصَحَّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيّ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ بِأَسَانِيد صَحِيحَة، وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن الْمُنْذِر، وَأَبُو عَلِيّ الطَّبَرِيّ مِنْ أَصْحَابنَا، وَبَعْض أَهْل الْحَدِيث: يُسْتَحَبّ أَيْضًا فِي السُّجُود، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَجَمَاعَة مِنْ أَهْل الْكُوفَة: لَا يُسْتَحَبّ فِي غَيْر تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَهُوَ أَشْهَر الرِّوَايَات عَنْ مَالِك، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِب شَيْء مِنْ الرَّفْع، وَحُكِيَ عَنْ دَاوُدَ إِيجَابه عِنْد تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَبِهَذَا قَالَ الْإِمَام أَبُو الْحَسَن أَحْمَد بْن سَيَّار السَّيَّارِيّ مِنْ أَصْحَابنَا أَصْحَاب الْوُجُوه، وَقَدْ حَكَيْته عَنْهُ فِي شَرْح الْمُهَذَّب، وَفِي تَهْذِيب اللُّغَات.
وَأَمَّا صِفَة الرَّفْع فَالْمَشْهُور مِنْ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجَمَاهِير أَنَّهُ يَرْفَع يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْهِ بِحَيْثُ تُحَاذِي أَطْرَاف أَصَابِعه فُرُوع أُذُنَيْهِ أَيْ أَعْلَى أُذُنَيْهِ، وَإِبْهَامَاهُ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ، وَرَاحَتَاهُ مَنْكِبَيْهِ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلهمْ: حَذْو مَنْكِبَيْهِ، وَبِهَذَا جَمَعَ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بَيْن رِوَايَات الْأَحَادِيث فَاسْتَحْسَنَ النَّاس ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَمَّا وَقْت الرَّفْع فَفِي الرِّوَايَة الْأُولَى رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ، وَفِي الثَّانِيَة كَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَفِي الثَّالِثَة إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَلِأَصْحَابِنَا فيه أَوْجُه أَحَدهَا يَرْفَع غَيْر مُكَبِّر، ثُمَّ يَبْتَدِئ التَّكْبِير مَعَ إِرْسَال الْيَدَيْنِ. وَيُنْهِيه مَعَ اِنْتِهَائِهِ. وَالثَّانِي يَرْفَع غَيْر مُكَبِّر، ثُمَّ يُكَبِّر وَيَدَاهُ قَارَّتَانِ، ثُمَّ يُرْسِلهُمَا. وَالثَّالِث يَبْتَدِئ الرَّفْع مِنْ اِبْتِدَائِهِ التَّكْبِير، وَيُنْهِيهِمَا مَعًا. وَالرَّابِع يَبْتَدِئ بِهِمَا مَعًا وَيُنْهِي التَّكْبِير مَعَ اِنْتِهَاء الْإِرْسَال. وَالْخَامِس وَهُوَ الْأَصَحّ يَبْتَدِئ الرَّفْع مَعَ اِبْتِدَاء التَّكْبِير، وَلَا اِسْتِحْبَاب فِي الِانْتِهَاء. فَإِنْ فَرَغَ مِنْ التَّكْبِير قَبْل تَمَام الرَّفْع أَوْ بِالْعَكْسِ تَمَّمَ الْبَاقِي، وَإِنْ فَرَغَ مِنْهُمَا حَطَّ يَدَيْهِ وَلَمْ يَسْتَدِمْ الرَّفْع. وَلَوْ كَانَ أَقْطَع الْيَدَيْنِ مِنْ الْمِعْصَم أَوْ إِحْدَاهُمَا رَفَعَ السَّاعِد، وَإِنْ قُطِعَ مِنْ السَّاعِد رَفَعَ الْعَضُد عَلَى الْأَصَحّ، وَقِيلَ: لَا يَرْفَعهُ لَوْ لَمْ يَقْدِر عَلَى الرَّفْع إِلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى الْمَشْرُوع أَوْ نَقْص مِنْهُ فَعَلَ الْمُمْكِن، فَإِنْ أَمْكَنَ فَعَلَ الزَّائِد، وَيُسْتَحَبّ أَنْ يَكُون كَفَّاهُ إِلَى الْقِبْلَة عِنْد الرَّفْع، وَأَنْ يَكْشِفهُمَا وَأَنْ يُفَرِّق بَيْن أَصَابِعهمَا تَفْرِيقًا وَسَطًا، وَلَوْ تَرَكَ الرَّفْع حَتَّى أَتَى بِبَعْضِ التَّكْبِير رَفَعَهُمَا فِي الْبَاقِي، فَلَوْ تَرَكَهُ حَتَّى أَتَمَّهُ لَمْ يَرْفَعهُمَا بَعْده، وَلَا يُقَصِّر التَّكْبِير بِحَيْثُ لَا يَفْهَم، وَلَا يُبَالِغ فِي مَدّه بِالتَّمْطِيطِ، بَلْ يَأْتِي بِهِ مُبَيَّنًا. وَهَلْ يَمُدّهُ أَوْ يُخَفِّفهُ؟ فيه وَجْهَانِ أَصَحّهمَا يُخَفِّفهُ، وَإِذَا وَضَعَ يَدَيْهِ حَطَّهُمَا تَحْت صَدْره فَوْق سُرَّته هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَبَعْض أَصْحَاب الشَّافِعِيّ تَحْت سُرَّتِهِ وَالْأَصَحّ أَنَّهُ إِذَا أَرْسَلَهُمَا أَرْسَلَهُمَا إِرْسَالًا خَفِيفًا إِلَى تَحْت صَدْره فَقَطْ. ثُمَّ يَضَع الْيَمِين عَلَى الْيَسَار، وَقِيلَ: يُرْسِلهُمَا إِرْسَالًا بَلِيغًا ثُمَّ يَسْتَأْنِف رَفْعهمَا إِلَى تَحْت صَدْره وَاَللَّه أَعْلَم.
وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَات الْعُلَمَاء فِي الْحِكْمَة فِي رَفْع الْيَدَيْنِ فَقَالَ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: فَعَلْته إِعْظَامًا لِلَّهِ تَعَالَى وَاتِّبَاعًا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ غَيْره: هُوَ اِسْتِكَانَة وَاسْتِسْلَام وَانْقِيَاد، وَكَانَ الْأَسِير إِذَا غُلِبَ مَدَّ يَدَيْهِ عَلَامَة لِلِاسْتِسْلَامِ، وَقِيلَ: هُوَ إِشَارَة إِلَى اِسْتِعْظَام مَا دَخَلَ فيه، وَقِيلَ: إِشَارَة إِلَى طَرْح أُمُور الدُّنْيَا وَالْإِقْبَال بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى الصَّلَاة وَمُنَاجَاة رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى كَمَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَوْله (اللَّه أَكْبَر)، فَيُطَابِق فِعْله قَوْله، وَقِيلَ: إِشَارَة إِلَى دُخُوله فِي الصَّلَاة وَهَذَا الْأَخِير مُخْتَصّ بِالرَّفْعِ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَام، وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ، وَفِي أَكْثَرهَا نَظَر. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَقَوْله: «إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاة رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ» فيه إِثْبَات تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» رَوَاه الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَة مَالِك بْن الْحُوَيْرِث وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي عَلَّمَهُ الصَّلَاة: «إِذَا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَكَبِّرْ». وَتَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَاجِبَة عِنْد مَالِك وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَالْعُلَمَاء كَافَّة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه وَجَمَاعَة عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب وَالْحَسَن وَالزُّهْرِيّ وَقَتَادَة وَالْحَكَم وَالْأَوْزَاعِيّ أَنَّهُ سُنَّة لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَأَنَّ الدُّخُول فِي الصَّلَاة يَكْفِي فيه النِّيَّة، وَلَا أَظُنّ هَذَا يَصِحّ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَعْلَام مَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مَعَ حَدِيث عَلِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مِفْتَاح الصَّلَاة الطَّهُور وَتَحْرِيمهَا التَّكْبِير وَتَحْلِيلهَا التَّسْلِيم» وَلَفْظَة التَّكْبِير (اللَّه أَكْبَر)، فَهَذَا يُجْزِي بِالْإِجْمَاعِ، قَالَ الشَّافِعِيّ: وَيُجْزِي اللَّه الْأَكْبَر لَا يُجْزِي غَيْرهمَا، وَقَالَ مَالِك: لَا يُجْزِي إِلَّا اللَّه أَكْبَر، وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولهُ، وَهَذَا قَوْل مَنْقُول عَنْ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم، وَأَجَازَ أَبُو يُوسُف (اللَّه الْكَبِير). وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَة الِاقْتِصَار فيه عَلَى كُلّ لَفْظ فيه تَعْظِيم اللَّه تَعَالَى كَقَوْلِهِ الرَّحْمَن أَكْبَر، أَوْ اللَّه أَجَلُّ أَوْ أَعْظَم، وَخَالَفَهُ جُمْهُور الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف، وَالْحِكْمَة فِي اِبْتِدَاء الصَّلَاة بِالتَّكْبِيرِ اِفْتِتَاحهَا بِالتَّنْزِيهِ وَالتَّعْظِيم لِلَّهِ تَعَالَى وَنَعْته بِصِفَاتِ الْكَمَال وَاَللَّه أَعْلَم.
586- سبق شرحه بالباب.
587- سبق شرحه بالباب.
588- سبق شرحه بالباب.
589- سبق شرحه بالباب.