فصل: باب صِحَّةِ حَجِّ الصَّبِيِّ وَأَجْرِ مَنْ حَجَّ بِهِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المشهور بـ «شرح النووي على مسلم»



.باب جَدْرِ الْكَعْبَةِ وَبَابِهَا:

2374- قَوْلهَا: «سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجَدْر» وَفِي آخِر الْحَدِيث: «لَنَظَرْت أَنْ أُدْخِل الْجَدْر فِي الْبَيْت» هُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَإِسْكَان الدَّال الْمُهْمَلَة وَهُوَ الْحِجْر، وَسَبَقَ بَيَان حُكْمه.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث سَعِيد بْن مَنْصُور: «وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمك حَدِيث عَهْدهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة» هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ: «فِي الْجَاهِلِيَّة»، هُوَ بِمَعْنَى: «بِالْجَاهِلِيَّةِ» كَمَا فِي سَائِر الرِّوَايَات. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب الْحَجِّ عَنِ الْعَاجِزِ لِزَمَانَةٍ وَهِرَمٍ وَنَحْوِهِمَا أَوْ لِلْمَوْتِ:

2375- قَوْله: «كَانَ الْفَضْل بْن عَبَّاس رَدِيف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَتْهُ اِمْرَأَة مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيه فَجَعَلَ الْفَضْل يَنْظُر إِلَيْهَا وَتَنْظُر إِلَيْهِ فَجَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِف وَجْه الْفَضْل إِلَى الشِّقّ الْآخَر. فَقَالَتْ يَا رَسُول اللَّه إِنَّ فَرِيضَة اللَّه عَلَى عِبَاده فِي الْحَجّ أَدْرَكَت أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَثْبُت عَلَى الرَّاحِلَة أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ فِي حَجَّة الْوَدَاع» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «فَحُجِّي عَنْهُ».
هَذَا الْحَدِيث فيه فَوَائِد مِنْهَا: جَوَاز الْإِرْدَاف عَلَى الدَّابَّة إِذَا كَانَتْ مُطِيقَة، وَجَوَاز سَمَاع صَوْت الْأَجْنَبِيَّة عِنْد الْحَاجَة فِي الِاسْتِفْتَاء وَالْمُعَامَلَة وَغَيْر ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: تَحْرِيم النَّظَر إِلَى الْأَجْنَبِيَّة، وَمِنْهَا: إِزَالَة الْمُنْكَر بِالْيَدِ لِمَنْ أَمْكَنَهُ.
وَمِنْهَا: النِّيَابَة فِي الْحَجّ عَنْ الْمَأْيُوس مِنْهُ بِهَرَم أَوْ زَمَانَة أَوْ مَوْت.
وَمِنْهَا: جَوَاز حَجّ الْمَرْأَة عَنْ الرَّجُل.
وَمِنْهَا: بِرّ الْوَالِدَيْنِ بِالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِمَا مِنْ قَضَاء دَيْن وَخِدْمَة وَنَفَقَة وَحَجّ عَنْهُمَا وَغَيْر ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: وُجُوب الْحَجّ عَلَى مَنّ هُوَ عَاجِز بِنَفْسِهِ مُسْتَطِيع بِغَيْرِهِ كَوَلَدِهِ، وَهَذَا مَذْهَبنَا لِأَنَّهَا قَالَتْ: أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَة الْحَجّ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَثْبُت عَلَى الرَّاحِلَة.
وَمِنْهَا: جَوَاز قَوْل: حَجَّة الْوَدَاع، وَأَنَّهُ لَا يُكْرَه ذَلِكَ، وَسَبَقَ بَيَان هَذَا مَرَّات.
وَمِنْهَا: جَوَاز حَجّ الْمَرْأَة بِلَا مَحْرَم إِذَا أَمِنَتْ عَلَى نَفْسهَا، وَهُوَ مَذْهَبنَا، وَمَذْهَب الْجُمْهُور جَوَاز الْحَجّ عَنْ الْعَاجِز بِمَوْتٍ أَوْ عَضْب وَهُوَ الزَّمَانَة وَالْهَرِم وَنَحْوهمَا.
وَقَالَ مَالِك وَاللَّيْث وَالْحَسَن بْن صَالِح: لَا يَحُجّ أَحَد عَنْ أَحَد إِلَّا عَنْ مَيِّت لَمْ يَحُجّ حَجَّة الْإِسْلَام، قَالَ الْقَاضِي: وَحُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ وَبَعْض السَّلَف لَا يَصِحّ الْحَجّ عَنْ مَيِّت وَلَا غَيْره، وَهِيَ رِوَايَة عَنْ مَالِك، وَإِنْ أَوْصَى بِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور: يَجُوز الْحَجّ عَنْ الْمَيِّت عَنْ فَرْضه وَنَذْره سَوَاء أَوْصَى بِهِ أَمْ لَا، وَيُجْزِي عَنْهُ. وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَغَيْره أَنَّ ذَلِكَ وَاجِب فِي تَرِكَته، وَعِنْدنَا يَجُوز لِلْعَاجِزِ الِاسْتِنَابَة فِي حَجّ التَّطَوُّع عَلَى أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز حَجّ الْمَرْأَة عَنْ الرَّجُل إِلَّا الْحَسَن بْن صَالِح فَمَنَعَهُ، وَكَذَا يَمْنَعهُ مَنْ مَنَع أَصْل الِاسْتِنَابَة مُطْلَقًا، وَاَللَّه أَعْلَم.
2376- سبق شرحه بالباب.

.باب صِحَّةِ حَجِّ الصَّبِيِّ وَأَجْرِ مَنْ حَجَّ بِهِ:

2377- قَوْله: «لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: مَنْ الْقَوْم؟ فَقَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: رَسُول اللَّه» صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الرَّكْب أَصْحَاب الْإِبِل خَاصَّة، وَأَصْله أَنْ يُسْتَعْمَل فِي عَشَرَة فَمَا دُونهَا، وَسَبَقَ فِي مُسْلِم فِي الْأَذَان أَنَّ (الرَّوْحَاء) مَكَان عَلَى سِتَّة وَثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْ الْمَدِينَة، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: يُحْتَمَل أَنَّ هَذَا اللِّقَاء كَانَ لَيْلًا فَلَمْ يَعْرِفُوهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيُحْتَمَل كَوْنه نَهَارًا، لَكِنْهُمْ لَمْ يَرَوْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل ذَلِكَ لِعَدَمِ هِجْرَتهمْ، فَأَسْلَمُوا فِي بُلْدَانهمْ وَلَمْ يُهَاجِرُوا قَبْل ذَلِكَ.
قَوْله: «فَرَفَعَتْ اِمْرَأَة صَبِيًّا لَهَا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَك أَجْر» فيه حُجَّة لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِك وَأَحْمَد وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء أَنَّ حَجّ الصَّبِيّ مُنْعَقِد صَحِيح يُثَاب عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُجْزِيه عَنْ حَجَّة الْإِسْلَام، بَلْ يَقَع تَطَوُّعًا، وَهَذَا الْحَدِيث صَرِيح فيه، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: لَا يَصِحّ حَجّه.
قَالَ أَصْحَابه: وَإِنَّمَا فَعَلُوهُ تَمْرِينًا لَهُ لِيَعْتَادَهُ فَيَقَع إِذَا بَلَغَ، وَهَذَا الْحَدِيث يَرُدّ عَلَيْهِمْ، قَالَ الْقَاضِي: لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء فِي جَوَاز الْحَجّ بِالصِّبْيَانِ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْبِدَع، وَلَا يَلْتَفِت إِلَى قَوْلهمْ، بَلْ هُوَ مَرْدُود بِفِعْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه، وَإِجْمَاع الْأُمَّة، وَإِنَّمَا خِلَاف أَبِي حَنِيفَة فِي أَنَّهُ هَلْ يَنْعَقِد حَجّه وَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَام الْحَجّ، وَتَجِبْ فيه الْفِدْيَة وَدَم الْجُبْرَانِ وَسَائِر أَحْكَام الْبَالِغ؟ فَأَبُو حَنِيفَة يَمْنَع ذَلِكَ كُلّه وَيَقُول: إِنَّمَا يَجِب ذَلِكَ تَمْرِينًا عَلَى التَّعْلِيم، وَالْجُمْهُور يَقُولُونَ: تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَام الْحَجّ فِي ذَلِكَ وَيَقُولُونَ: حَجّه مُنْعَقِد يَقَع نَفْلًا، لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لَهُ حَجًّا قَالَ الْقَاضِي: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئهُ إِذَا بَلَغَ عَنْ فَرِيضَة الْإِسْلَام إِلَّا فِرْقَة شَذَّتْ فَقَالَتْ: يُجْزِئهُ، وَلَمْ تَلْتَفِت الْعُلَمَاء إِلَى قَوْلهَا.
2378- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَك أَجْر» مَعْنَاهُ بِسَبَبِ حَمْلهَا وَتَجْنِيبهَا إِيَّاهُ مَا يَجْتَنِبهُ الْمُحْرِم وَفِعْل مَا يَفْعَلهُ الْمُحْرِم. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا الْوَلِيّ الَّذِي يُحْرِم عَنْ الصَّبِيّ فَالصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا أَنَّهُ الَّذِي يَلِي مَاله، وَهُوَ أَبُوهُ أَوْ جَدّه، أَوْ الْوَصِيّ أَوْ الْقَيِّم مِنْ جِهَة الْقَاضِي، أَوْ الْقَاضِي أَوْ الْإِمَام، وَأَمَّا الْأُمّ فَلَا يَصِحّ إِحْرَامهَا عَنْهُ إِلَّا أَنْ تَكُون وَصِيَّة أَوْ قَيِّمَة مِنْ جِهَة الْقَاضِي، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَصِحّ إِحْرَامهَا وَإِحْرَام الْعَصَبَة وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وِلَايَة الْمَال، هَذَا كُلّه إِذَا كَانَ صَغِيرًا لَا يُمَيِّز، فَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا أَذِنَ لَهُ الْوَلِيّ فَأَحْرَمَ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذْن الْوَلِيّ أَوْ أَحْرَمَ الْوَلِيّ عَنْهُ لَمْ يَنْعَقِد عَلَى الْأَصَحّ، وَصِفَة إِحْرَام الْوَلِيّ عَنْ غَيْر الْمُمَيِّز أَنْ يَقُول بِقَلْبِهِ: جَعَلْتهُ مُحْرِمًا. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب فَرْضِ الْحَجِّ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ:

2380- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيّهَا النَّاس قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُل أَكُلّ عَام يَا رَسُول اللَّه؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اِسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالهمْ وَاخْتِلَافهمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اِسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْء فَدَعُوهُ» هَذَا الرَّجُل السَّائِل هُو: (الْأَقْرَع بْن حَابِس) كَذَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة، وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الْأَمْر هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَار؟ وَالصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا لَا يَقْتَضِيه. وَالثَّانِي يَقْتَضِيه.
وَالثَّالِث: يَتَوَقَّف فِيمَا زَادَ عَلَى مَرَّة عَلَى الْبَيَان فَلَا يُحْكَم بِاقْتِضَائِهِ وَلَا بِمَنْعِهِ، وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ يَسْتَدِلّ بِهِ مَنْ يَقُول بِالتَّوَقُّفِ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَ فَقَالَ أَكُلّ عَام؟ وَلَوْ كَانَ مُطْلَقه يَقْتَضِي التَّكْرَار أَوْ عَدَمه لَمْ يَسْأَل وَلَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا حَاجَة إِلَى السُّؤَال، بَلْ مُطْلَقه مَحْمُول عَلَى كَذَا، وَقَدْ يُجِيب الْآخَرُونَ عَنْهُ بِأَنَّهُ سَأَلَ اِسْتِظْهَارًا وَاحْتِيَاطًا. وَقَوْله: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ» ظَاهِر فِي أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَار، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيُحْتَمَل أَنَّهُ إِنَّمَا اِحْتَمَلَ التَّكْرَار عِنْده مِنْ وَجْه آخَر، لِأَنَّ الْحَجّ فِي اللُّغَة قُصِدَ فيه تَكَرُّر، فَاحْتَمَلَ عِنْده التَّكْرَار مِنْ جِهَة الِاشْتِقَاق لَا مِنْ مُطْلَق الْأَمْر، قَالَ: وَقَدْ تَعَلَّقَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَهْل اللُّغَة هَا هُنَا مَنْ قَالَ بِإِيجَابِ الْعُمْرَة، وَقَالَ: لَمَّا كَانَ قَوْله تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاس حِجُّ الْبَيْت} يَقْتَضِي تَكْرَار قَصْد الْبَيْت بِحُكْمِ اللُّغَة وَالِاشْتِقَاق، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحَجّ لَا يَجِب إِلَّا مَرَّة كَانَتْ الْعَوْدَة الْأُخْرَى إِلَى الْبَيْت تَقْتَضِي كَوْنَهَا عُمْرَة؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِب قَصْده لِغَيْرِ حَجّ وَعُمْرَة بِأَصْلِ الشَّرْع، وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ. فَفيه دَلِيل لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيح أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِد فِي الْأَحْكَام، وَلَا يُشْتَرَط فِي حُكْمه أَنْ يَكُون بِوَحْيٍ، وَقِيلَ: يُشْتَرَط، وَهَذَا الْقَائِل يُجِيب عَنْ هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ ذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ» دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَصْل عَدَم الْوُجُوب، وَأَنَّهُ لَا حُكْم قَبْل وُرُود الشَّرْع، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد مُحَقِّقِي الْأُصُولِيِّينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَث رَسُولًا}.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اِسْتَطَعْتُمْ» هَذَا مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام الْمُهِمَّة، وَمِنْ جَوَامِع الْكَلِم الَّتِي أُعْطِيهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَدْخُل فيه مَا لَا يُحْصَى مِنْ الْأَحْكَام كَالصَّلَاةِ بِأَنْوَاعِهَا، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ بَعْض أَرْكَانهَا أَوْ بَعْض شُرُوطهَا أَتَى بِالْبَاقِي، وَإِذَا عَجَزَ عَنْ بَعْض أَعْضَاء الْوُضُوء أَوْ الْغُسْل غَسَلَ الْمُمْكِن، وَإِذَا وَجَدَ بَعْض مَا يَكْفيه مِنْ الْمَاء لِطَهَارَتِهِ أَوْ لِغَسْلِ النَّجَاسَة فَعَلَ الْمُمْكِن، وَإِذَا وَجَبَتْ إِزَالَة مُنْكَرَات أَوْ فِطْرَة جَمَاعَة مِمَّنْ تَلْزَمهُ نَفَقَتهمْ أَوْ نَحْو ذَلِكَ، وَأَمْكَنَهُ الْبَعْض فَعَلَ الْمُمْكِن، وَإِذَا وَجَدَ مَا يَسْتُر بَعْض عَوْرَته أَوْ حَفِظَ بَعْض الْفَاتِحَة أَتَى بِالْمُمْكِنِ؛ وَأَشْبَاه هَذَا غَيْر مُنْحَصِرَة، وَهِيَ مَشْهُورَة فِي كُتُبِ الْفِقْه، وَالْمَقْصُود التَّنْبِيه عَلَى أَصْل ذَلِكَ، وَهَذَا الْحَدِيث مُوَافِق لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّه مَا اِسْتَطَعْتُمْ} وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {اِتَّقُوا اللَّه حَقّ تُقَاته} فَفيها مَذْهَبَانِ أَحَدهمَا: أَنَّهَا مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّه مَا اِسْتَطَعْتُمْ} وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيح أَوْ الصَّوَاب وَبِهِ جَزَمَ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْسُوخَة، بَلْ قَوْله تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّه مَا اِسْتَطَعْتُمْ} مُفَسِّرَة لَهَا وَمُبَيِّنَة لِلْمُرَادِ بِهَا، قَالُوا: {وَحَقّ تُقَاته} هُوَ اِمْتِثَال أَمْرِهِ وَاجْتِنَاب نَهْيه، وَلَمْ يَأْمُر سُبْحَانه وَتَعَالَى إِلَّا بِالْمُسْتَطَاعِ، قَالَ اللَّه تَعَالَى: {لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا}.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج} وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْء فَدَعُوهُ» فَهُوَ عَلَى إِطْلَاقه، فَإِنْ وَجَدَ عُذْر يُبِيحهُ كَأَكْلِ الْمَيْتَة عِنْد الضَّرُورَة، أَوْ شُرْب الْخَمْر عِنْد الْإِكْرَاه، أَوْ التَّلَفُّظ بِكَلِمَةِ الْكُفْر إِذَا أُكْرِهَ، وَنَحْو ذَلِكَ، فَهَذَا لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي هَذَا الْحَال. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّ الْحَجّ لَا يَجِب فِي الْعُمْر إِلَّا مَرَّة وَاحِدَة بِأَصْلِ الشَّرْع، وَقَدْ يَجِب زِيَادَة بِالنَّذْرِ، وَكَذَا إِذَا أَرَادَ دُخُول الْحَرَم لِحَاجَةٍ لَا تُكَرَّر، كَزِيَارَةٍ وَتِجَارَة عَلَى مَذْهَب مَنْ أَوْجَبَ الْإِحْرَام لِذَلِكَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَة، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي أَوَّل كِتَاب الْحَجّ. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجٍّ وَغَيْرِهِ:

2381- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُسَافِر الْمَرْأَة ثَلَاثًا إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم» وَفِي رِوَايَة: «فَوْق ثَلَاث» وَفِي رِوَايَة: «ثَلَاثَة» وَفِي رِوَايَة: «لَا يَحِلّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر تُسَافِر مَسِيرَة ثَلَاث لَيَالٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم» وَفِي رِوَايَة: «لَا تُسَافِر الْمَرْأَة يَوْمَيْنِ مِنْ الدَّهْر إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم مِنْهَا أَوْ زَوْجهَا» وَفِي رِوَايَة: «نَهَى أَنْ تُسَافِر الْمَرْأَة مَسِيرَة يَوْمَيْنِ» وَفِي رِوَايَة: «لَا يَحِلّ لِامْرَأَةِ مُسْلِمَة تُسَافِر مَسِيرَة لَيْلَة إِلَّا وَمَعَهَا ذُو حُرْمَة مِنْهَا» وَفِي رِوَايَة: «لَا يَحِلّ لِامْرَأَةِ تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر تُسَافِر مَسِيرَة يَوْم إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم» وَفِي رِوَايَة: «مَسِيرَة يَوْم وَلَيْلَة» وَفِي رِوَايَة: «لَا تُسَافِر اِمْرَأَة إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم».
هَذِهِ رِوَايَات مُسْلِم وَفِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ: «وَلَا تُسَافِر بَرِيدًا» وَالْبَرِيد مَسِيرَة نِصْف يَوْم، قَالَ الْعُلَمَاء: اِخْتِلَاف هَذِهِ الْأَلْفَاظ لِاخْتِلَافِ السَّائِلِينَ، وَاخْتِلَاف الْمَوَاطِن، وَلَيْسَ فِي النَّهْي عَنْ الثَّلَاثَة تَصْرِيح بِإِبَاحَةٍ وَاللَّيْلَة أَوْ الْبَرِيد، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: كَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَة تُسَافِر ثَلَاثًا بِغَيْرِ مَحْرَم، فَقَالَ: لَا، وَسُئِلَ عَنْ سَفَرهَا يَوْمَيْنِ بِغَيْرِ مَحْرَم: فَقَالَ: لَا، وَسُئِلَ عَنْ سَفَرهَا يَوْمًا فَقَالَ: لَا. وَكَذَلِكَ الْبَرِيد، فَأَدَّى كُلّ مِنْهُمْ مَا سَمِعَهُ، وَمَا جَاءَ مِنْهَا مُخْتَلِفًا عَنْ رِوَايَة وَاحِد فَسَمِعَهُ فِي مَوَاطِن، فَرَوَى تَارَة هَذَا، وَتَارَة هَذَا، وَكُلّه صَحِيح، وَلَيْسَ فِي هَذَا كُلّه تَحْدِيد لِأَقَلّ مَا يَقَع عَلَيْهِ اِسْم السَّفَر، وَلَمْ يُرِدْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْدِيد أَقَلّ مَا يُسَمَّى سَفَرًا، فَالْحَاصِل أَنَّ كُلّ مَا يُسَمَّى سَفَرًا تُنْهَى عَنْهُ الْمَرْأَة بِغَيْرِ زَوْج أَوْ مَحْرَم، سَوَاء كَانَ ثَلَاثَة أَيَّام أَوْ يَوْمَيْنِ أَوَيَوْمًا أَوْ بَرِيدًا أَوْ غَيْر ذَلِكَ؛ لِرِوَايَةِ اِبْن عَبَّاس الْمُطْلَقَة، وَهِيَ آخِر رِوَايَات مُسْلِم السَّابِقَة: «لَا تُسَافِر اِمْرَأَة إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم» وَهَذَا يَتَنَاوَل جَمِيع مَا يُسَمَّى سَفَرًا. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة يَلْزَمهَا حَجَّة الْإِسْلَام إِذَا اِسْتَطَاعَتْ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاس حَجّ الْبَيْت}.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بُنِيَ الْإِسْلَام عَلَى خَمْس» الْحَدِيث. وَاسْتِطَاعَتهَا كَاسْتِطَاعَةِ الرَّجُل، لَكِنْ اِخْتَلَفُوا فِي اِشْتِرَاط الْمَحْرَم لَهَا، فَأَبُو حَنِيفَة يَشْتَرِطهُ لِوُجُوبِ الْحَجّ عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ يَكُون بَيْنهَا وَبَيْن مَكَّة دُون ثَلَاث مَرَاحِل، وَوَافَقَهُ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب الْحَدِيث وَأَصْحَاب الرَّأْي، وَحُكِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَالَ عَطَاء وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَابْن سِيرِينَ وَمَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيّ فِي الْمَشْهُور عَنْهُ: لَا يُشْتَرَط الْمَحْرَم، بَلْ يُشْتَرَط الْأَمْن عَلَى نَفْسهَا، قَالَ أَصْحَابنَا: يَحْصُل الْأَمْن بِزَوْجِ أَوْ مَحْرَم أَوْ نِسْوَة ثِقَات، وَلَا يَلْزَمهَا الْحَجّ عِنْدنَا إِلَّا بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَشْيَاء، فَلَوْ وُجِدَتْ اِمْرَأَة وَاحِدَة ثِقَة لَمْ يَلْزَمهَا، لَكِنْ يَجُوز لَهَا الْحَجّ مَعَهَا، هَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا: يَلْزَمهَا بِوُجُودِ نِسْوَة أَوْ اِمْرَأَة وَاحِدَة، وَقَدْ يَكْثُر الْأَمْن وَلَا تَحْتَاج إِلَى أَحَد، بَلْ تَسِير وَحْدهَا فِي جُمْلَة الْقَافِلَة وَتَكُون آمِنَة، وَالْمَشْهُور مِنْ نُصُوص الشَّافِعِيّ وَجَمَاهِير أَصْحَابه هُوَ الْأَوَّل، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِي خُرُوجهَا لِحَجِّ التَّطَوُّع وَسَفَر الزِّيَارَة وَالتِّجَارَة وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأَسْفَار الَّتِي لَيْسَتْ وَاجِبَة، فَقَالَ بَعْضهمْ: يَجُوز لَهَا الْخُرُوج فيها مَعَ نِسْوَة ثِقَات كَحَجَّةِ الْإِسْلَام، وَقَالَ الْجُمْهُور: لَا يَجُوز إِلَّا مَعَ زَوْج أَوْ مَحْرَم، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح؛ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُج فِي غَيْر الْحَجّ وَالْعُمْرَة إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم إِلَّا الْهِجْرَة مِنْ دَار الْحَرْب، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تُهَاجِر مِنْهَا إِلَى دَار الْإِسْلَام وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَحْرَم، وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ إِقَامَتهَا فِي دَار الْكُفْر حَرَام إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ إِظْهَار الدِّين، وَتَخْشَى عَلَى دِينهَا وَنَفْسهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ التَّأَخُّر عَنْ الْحَجّ، فَإِنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي الْحَجّ هَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْر أَمْ عَلَى التَّرَاخِي؟ قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: قَالَ الْبَاجِيّ: هَذَا عِنْدِي فِي الشَّابَّة، وَأَمَّا الْكَبِيرَة غَيْر الْمُشْتَهَاة فَتُسَافِر كَيْف شَاءَتْ فِي كُلّ الْأَسْفَار بِلَا زَوْج وَلَا مَحْرَم، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَاجِيّ لَا يُوَافَق عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَة مَظِنَّة الطَّمَع فيها، وَمَظِنَّة الشَّهْوَة وَلَوْ كَانَتْ كَبِيرَة، وَقَدْ قَالُوا: لِكُلِّ سَاقِطَة لَاقِطَة. وَيَجْتَمِع فِي الْأَسْفَار مِنْ سُفَهَاء النَّاس وَسَقَطهمْ مَنْ لَا يَرْتَفِع عَنْ الْفَاحِشَة بِالْعَجُوزِ وَغَيْرهَا لِغَلَبَةِ شَهْوَته وَقِلَّة دِينه وَمُرُوءَته وَخِيَانَته وَنَحْو ذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَاسْتَدَلَّ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة بِرِوَايَةِ ثَلَاثَة أَيَّام لِمَذْهَبِهِمْ أَنَّ قَصْر الصَّلَاة فِي السَّفَر لَا يَجُوز إِلَّا فِي سَفَر يَبْلُغ ثَلَاثَة أَيَّام، وَهَذَا اِسْتِدْلَال فَاسِد، وَقَدْ جَاءَتْ الْأَحَادِيث بِرِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَة كَمَا سَبَقَ، وَبَيَّنَّا مَقْصُودهَا، وَأَنَّ السَّفَر يُطْلَق عَلَى يَوْم وَعَلَى بَرِيد وَعَلَى دُون ذَلِكَ، وَقَدْ أَوْضَحْت الْجَوَاب عَنْ شُبْهَتهمْ إِيضَاحًا بَلِيغًا فِي بَاب صَلَاة الْمُسَافِر مِنْ شَرْح الْمُهَذَّب. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم» فيه دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور أَنَّ جَمِيع الْمَحَارِم سَوَاء فِي ذَلِكَ، فَيَجُوز لَهَا الْمُسَافَرَة مَعَ مَحْرَمهَا بِالنَّسَبِ كَابْنِهَا وَأَخِيهَا وَابْن أَخِيهَا وَابْن أُخْتهَا وَخَالهَا وَعَمّهَا، وَمَعَ مَحْرَمهَا بِالرَّضَاعِ كَأَخِيهَا مِنْ الرَّضَاع وَابْن أَخِيهَا وَابْن أُخْتهَا مِنْهُ وَنَحْوهمْ، وَمَعَ مَحْرَمهَا مِنْ الْمُصَاهَرَة كَأَبِي زَوْجهَا وَابْن زَوْجهَا، وَلَا كَرَاهَة فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا يَجُوز لِكُلِّ هَؤُلَاءِ الْخَلْوَة بِهَا وَالنَّظَر إِلَيْهَا مِنْ غَيْر حَاجَة، وَلَكِنْ لَا يَحِلّ النَّظَر بِشَهْوَةِ لِأَحَدِ مِنْهُمْ، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور، وَوَافَقَ مَالِك عَلَى ذَلِكَ كُلّه إِلَّا اِبْن زَوْجهَا، فَكَرِهَ سَفَرهَا مَعَهُ لِفَسَادِ النَّاس بَعْد الْعَصْر الْأَوَّل، وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاس لَا يَنْفِرُونَ مِنْ زَوْجَة الْأَب نَفْرَتهمْ مِنْ مَحَارِم النَّسَب، قَالَ: وَالْمَرْأَة فِتْنَة إِلَّا فِيمَا جَبَلَ اللَّه تَعَالَى النُّفُوس عَلَيْهِ مِنْ النَّفْرَة عَنْ مَحَارِم النَّسَب، وَعُمُوم هَذَا الْحَدِيث يَرُدّ عَلَى مَالِك، وَاَللَّه أَعْلَم.
وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَة الْمَحْرَم مِنْ النِّسَاء الَّتِي يَجُوز النَّظَر إِلَيْهَا وَالْخَلْوَة بِهَا وَالْمُسَافَرَة بِهَا كُلّ مَنْ حَرُمَ نِكَاحهَا عَلَى التَّأْبِيد بِسَبَبٍ مُبَاح لِحُرْمَتِهَا، فَقَوْلنَا: (عَلَى التَّأْبِيد) اِحْتِرَاز مِنْ أُخْت الْمَرْأَة وَعَمَّتهَا وَخَالَتهَا وَنَحْوهنَّ، وَقَوْلنَا: (بِسَبَبٍ مُبَاح) اِحْتِرَاز مِنْ أُمّ الْمَوْطُوءَة بِشُبْهَةٍ وَبِنْتهَا، فَإِنَّهُمَا تَحْرُمَانِ عَلَى التَّأْبِيد وَلَيْسَتَا مَحْرَمَيْنِ لِأَنَّ وَطْء الشُّبْهَة لَا يُوصَف بِالْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلِ مُكَلَّف، وَقَوْلنَا: (لِحُرْمَتِهَا) اِحْتِرَاز مِنْ الْمُلَاعَنَة فَإِنَّهَا مُحَرَّمَة عَلَى التَّأْبِيد بِسَبَبٍ مُبَاح، وَلَيْسَتْ مَحْرَمًا، لِأَنَّ تَحْرِيمهَا لَيْسَ لِحُرْمَتِهَا بَلْ عُقُوبَة وَتَغْلِيظًا. وَاَللَّه أَعْلَم.
2382- سبق شرحه بالباب.
2383- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَشُدُّوا الرِّحَال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد: مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى» فيه بَيَان عَظِيم فَضِيلَة هَذِهِ الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة وَمَزِيَّتهَا عَلَى غَيْرهَا لِكَوْنِهَا مَسَاجِد الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ، وَلِفَضْلِ الصَّلَاة فيها، وَلَوْ نَذَرَ الذَّهَاب إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام لَزِمَهُ قَصْده لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَة، وَلَوْ نَذَرَهُ إِلَى الْمَسْجِدَيْنِ الْآخَرَيْنِ فَقَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ: أَصَحّهمَا عِنْد أَصْحَابه يُسْتَحَبّ قَصْدهمَا، وَلَا يَجِب، وَالثَّانِي: يَجِب، وَبِهِ قَالَ كَثِيرُونَ مِنْ الْعُلَمَاء.
وَأَمَّا بَاقِي الْمَسَاجِد سِوَى الثَّلَاثَة فَلَا يَجِب قَصْدهَا بِالنَّذْرِ، وَلَا يَنْعَقِد نَذْر قَصْدِهَا، هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة الْمَالِكِيّ فَقَالَ: إِذَا نَذَرَ قَصْد مَسْجِد قُبَاء لَزِمَهُ قَصْده؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْتِيه كُلّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَقَالَ اللَّيْث بْن سَعْد: يَلْزَمهُ قَصْد ذَلِكَ الْمَسْجِد أَيّ مَسْجِد كَانَ وَعَلَى مَذْهَب الْجَمَاهِير لَا يَنْعَقِد نَذْره، وَلَا يَلْزَمهُ شَيْء، وَقَالَ أَحْمَد: يَلْزَمهُ كَفَّارَة يَمِين، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي شَدّ الرِّحَال وَإِعْمَال الْمَطِيّ إِلَى غَيْر الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة كَالذَّهَابِ إِلَى قُبُور الصَّالِحِينَ، وَإِلَى الْمَوَاضِع الْفَاضِلَة وَنَحْو ذَلِكَ، فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ مِنْ أَصْحَابنَا: هُوَ حَرَام، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ الْقَاضِي عِيَاض إِلَى اِخْتِيَاره، وَالصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا وَهُوَ الَّذِي اِخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ لَا يَحْرُم وَلَا يُكْرَه قَالُوا: وَالْمُرَاد أَنَّ الْفَضِيلَة التَّامَّة إِنَّمَا هِيَ فِي شَدّ الرِّحَال إِلَى هَذِهِ الثَّلَاثَة خَاصَّة. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (فَأَعْجَبْنَنِي وآنَقْنَنِي) قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَى (آنَقْنَنِي) أَعْجَبْنَنِي، وَإِنَّمَا كَرَّرَ الْمَعْنَى لِاخْتِلَافِ اللَّفْظ، وَالْعَرَب تَفْعَل ذَلِكَ كَثِيرًا لِلْبَيَانِ وَالتَّوْكِيد، قَالَ اللَّه تَعَالَى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَات مِنْ رَبّهمْ وَرَحْمَة} وَالصَّلَاة مِنْ اللَّه الرَّحْمَة، وَقَالَ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} وَالطَّيِّب هُوَ الْحَلَال. وَمِنْهُ قَوْل الْحُطَيْئَة. أَلَا حَبَّذَا هِنْد وَأَرْض بِهَا هِنْد وَهِنْد أَتَى مِنْ دُونهَا النَّأْي وَالْبُعْد وَالنَّأْي هُوَ الْبُعْد.
2388- قَوْله: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَحْيَى قَالَ: قَرَأْت عَلَى مَالِك عَنْ سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَحِلّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر تُسَافِر مَسِيرَة يَوْم وَلَيْلَة إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم مِنْهَا»، هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْحَدِيث فِي نُسَخ بِلَادنَا عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخ عَنْ الْجُلُودِيّ وَأَبِي الْعَلَاء وَالْكِسَائِيّ، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم فِي الْإِسْنَاد السَّابِق قَبْل هَذَا عَنْ قُتَيْبَة عَنْ اللَّيْث عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ، وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: وَاسْتَدْرَكَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَيْهِمْ إِخْرَاجهمَا هَذَا عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب، وَعَلَى مُسْلِم إِخْرَاجه إِيَّاهُ عَنْ اللَّيْث عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ: الصَّوَاب عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، مِنْ غَيْر ذِكْر (أَبِيهِ)، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ مَالِكًا وَيَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَسُهَيْلًا قَالُوا: عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَمْ يَذْكُرُوا (عَنْ أَبِيهِ) قَالَ: وَالصَّحِيح عَنْ مُسْلِم فِي حَدِيثه هَذَا عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ غَيْر ذِكْر (أَبِيهِ) وَكَذَا ذَكَره أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ، وَكَذَا رَوَاهُ مُعْظَم رُوَاة الْمُوَطَّأ عَنْ مَالِك، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَرَوَاهُ الزَّهْرَانِيّ وَالْقَرَوِيّ عَنْ مَالِك فَقَالَا: عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ، هَذَا كَلَام الْقَاضِي. قُلْت: وَذَكَرَ خَلَف الْوَاسِطِيُّ فِي الْأَطْرَاف أَنَّ مُسْلِمًا رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَاب الْحَجّ مِنْ سُنَنه وَالتِّرْمِذِيّ فِي النِّكَاح عَنْ الْحَسَن بْن عَلِيّ عَنْ بِشْر بْن عُمَر عَنْ مَالِك عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حَسَن صَحِيح، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْحَجّ أَيْضًا عَنْ الْقَعْنَبِيّ وَالْعَلَاء عَنْ مَالِك عَنْ يُوسُف بْن مُوسَى عَنْ جَرِير كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْل عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، فَحَصَلَ اِخْتِلَاف ظَاهِر بَيْن الْحُفَّاظ فِي ذِكْر أَبِيهِ، فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة نَفْسه، فَرَوَاهُ تَارَة كَذَا وَتَارَة كَذَا، وَسَمَاعه مِنْ أَبِي هُرَيْرَة صَحِيح مَعْرُوف. وَاَللَّه أَعْلَم.
2391- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُل بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم» هَذَا اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ مَعَهَا مَحْرَم لَمْ تَبْقَ خَلْوَة، فَتَقْدِير الْحَدِيث: لَا يَقْعُدَنَّ رَجُل مَعَ اِمْرَأَة إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَم.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم» يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد مَحْرَمًا لَهَا، وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد مَحْرَمًا لَهَا أَوْ لَهُ، وَهَذَا الِاحْتِمَال الثَّانِي هُوَ الْجَارِي عَلَى قَوَاعِد الْفُقَهَاء، فَإِنَّهُ لَا فَرْق بَيْن أَنْ يَكُون مَعَهَا مَحْرَم لَهَا كَابْنِهَا وَأَخِيهَا وَأُمّهَا وَأُخْتهَا، أَوْ يَكُون مَحْرَمًا لَهُ كَأُخْتِهِ وَبِنْته وَعَمَّته وَخَالَته، فَيَجُوز الْقُعُود مَعَهَا فِي هَذِهِ الْأَحْوَال، ثُمَّ إِنَّ الْحَدِيث مَخْصُوص أَيْضًا بِالزَّوْجِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهَا زَوْجهَا كَانَ كَالْمَحْرَمِ وَأَوْلَى بِالْجَوَازِ، وَأَمَّا إِذَا خَلَا الْأَجْنَبِيّ بِالْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غَيْر ثَالِث مَعَهُمَا فَهُوَ حَرَام بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُمَا مَنْ لَا يُسْتَحَى مِنْهُ لِصِغَرِهِ كَابْنِ سَنَتَيْنِ وَثَلَاث وَنَحْو ذَلِكَ، فَإِنَّ وُجُوده كَالْعَدَمِ، وَكَذَا لَوْ اِجْتَمَعَ رِجَال بِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّة فَهُوَ حَرَام، بِخِلَافِ مَا لَوْ اِجْتَمَعَ رَجُل بِنِسْوَةٍ أَجَانِب، فَإِنَّ الصَّحِيح جَوَازه، وَقَدْ أَوْضَحْت الْمَسْأَلَة فِي شَرْح الْمُهَذَّب فِي بَاب صِفَة الْأَئِمَّة فِي أَوَائِل كِتَاب الْحَجّ، وَالْمُخْتَار أَنَّ الْخَلْوَة بِالْأَمْرَدِ الْأَجْنَبِيّ الْحَسَن كَالْمَرْأَةِ، فَتَحْرُم الْخَلْوَة بِهِ، حَيْثُ حَرُمَتْ بِالْمَرْأَةِ، إِلَّا إِذَا كَانَ فِي جَمْع مِنْ الرِّجَال الْمَصُونِينَ، قَالَ أَصْحَابنَا: وَلَا فَرْق فِي تَحْرِيم الْخَلْوَة حَيْثُ حَرَّمْنَاهَا بَيْن الْخَلْوَة فِي صَلَاة أَوْ غَيْرهَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا كُلّه مَوَاضِع الضَّرُورَة، بِأَنْ يَجِد اِمْرَأَة أَجْنَبِيَّة مُنْقَطِعَة فِي الطَّرِيق أَوْ نَحْو ذَلِكَ، فَيُبَاح لَهُ اِسْتِصْحَابهَا، بَلْ يَلْزَمهُ ذَلِكَ إِذَا خَافَ عَلَيْهَا لَوْ تَرَكَهَا، وَهَذَا لَا اِخْتِلَاف فيه، وَيَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الْإِفْك. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: «فَقَالَ رَجُل يَا رَسُول اللَّه إِنَّ اِمْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّة وَإِنِّي اُكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَة كَذَا وَكَذَا، قَالَ: اِنْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ اِمْرَأَتك» فيه تَقْدِيم الْأَهَمّ مِنْ الْأُمُور الْمُتَعَارِضَة؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ سَفَره فِي الْغَزْو وَفِي الْحَجّ مَعَهَا رَجَحَ الْحَجّ مَعَهَا؛ لِأَنَّ الْغَزْو يَقُوم غَيْره فِي مَقَامه عَنْهُ بِخِلَافِ الْحَجّ مَعَهَا.
قَوْله: وَحَدَّثَنَا اِبْن أَبِي عُمَر حَدَّثَنَا هِشَام يَعْنِي اِبْن سُلَيْمَان الْمَخْزُومِيّ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَاد نَحْوه وَلَمْ يَذْكُر: «وَلَا يَخْلُوَنَّ رَجُل بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم» هَذَا آخِر الْفَوَات الَّذِي لَمْ يَسْمَعهُ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن سُفْيَان مِنْ مُسْلِم، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان أَوَّله عِنْد أَحَادِيث: رَحِم اللَّه الْمُحَلِّقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ، وَمِنْ هُنَا قَالَ أَبُو إِسْحَاق: حَدَّثَنَا مُسْلِم بْن الْحَجَّاج، قَالَ وَحَدَّثَنِي هَارُون بْن عَبْد اللَّه قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ: اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر الْحَدِيث. وَهُوَ أَوَّل الْبَاب الَّذِي ذَكَرَهُ مُتَّصِلًا بِهَذَا. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب مَا يَقُولُ إِذَا رَكِبَ إِلَى سَفَرٍ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ:

2392- قَوْله: «كَانَ إِذَا اِسْتَوَى عَلَى بَعِيره خَارِجًا إِلَى سَفَر كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: سُبْحَان الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ... إِلَى آخِره» مَعْنَى (مُقْرِنِينَ) مُطِيقِينَ أَيْ مَا كُنَّا نُطِيق قَهْرَهُ وَاسْتِعْمَاله لَوْلَا تَسْخِير اللَّه تَعَالَى إِيَّاهُ لَنَا، وَفِي هَذَا الْحَدِيث: اِسْتِحْبَاب هَذَا الذِّكْر عِنْد اِبْتِدَاء الْأَسْفَار كُلّهَا، وَقَدْ جَاءَتْ فيه أَذْكَار كَثِيرَة جَمَعْتهَا فِي كِتَاب الْأَذْكَار.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ وَعْثَاء السَّفَر وَكَآبَة الْمَنْظَر وَسُوء الْمُنْقَلَب فِي الْمَال وَالْأَهْل» الْوَعْثَاء بِفَتْحِ الْوَاو وَإِسْكَان الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة وَبِالْمَدِّ وَهِيَ الْمَشَقَّة وَالشِّدَّة و(الْكَآبَة) بِفَتْحِ الْكَاف وَبِالْمَدِّ وَهِيَ تَغَيُّر النَّفْس مِنْ حُزْن وَنَحْوه، و(الْمُنْقَلَب) بِفَتْحِ اللَّام: الْمَرْجِع.
2393- قَوْله: «وَالْحَوْر بَعْد الْكَوْن» هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ مِنْ صَحِيح مُسْلِم: «بَعْد الْكَوْن» بِالنُّونِ بَلْ لَا يَكَاد يُوجَد فِي نُسَخ بِلَادنَا إِلَّا بِالنُّونِ، وَكَذَا ضَبَطَهُ الْحُفَّاظ الْمُتْقِنُونَ فِي صَحِيح مُسْلِم، قَالَ الْقَاضِي: وَهَكَذَا رَوَاهُ الْفَارِسِيّ وَغَيْره مِنْ رُوَاة صَحِيح مُسْلِم قَالَ: وَرَوَاهُ الْعُذْرِيّ: «بَعْد الْكَوْر» بِالرَّاءِ، قَالَ: وَالْمَعْرُوف فِي رِوَايَة عَاصِم الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِم عَنْهُ بِالنُّونِ، قَالَ الْقَاضِي: قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ يُقَال: إِنَّ عَاصِمًا وَهَمَ فيه، وَأَنَّ صَوَابه (الْكَوْر) بِالرَّاءِ. قُلْت: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْحَرْبِيّ بَلْ كِلَاهُمَا رِوَايَتَانِ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا التِّرْمِذِيّ فِي جَامِعه وَخَلَائِق مِنْ الْمُحَدِّثِينَ، وَذَكَرَهمَا أَبُو عُبَيْد وَخَلَائِق مِنْ أَهْل اللُّغَة وَغَرِيب الْحَدِيث، قَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْد أَنْ رَوَاهُ بِالنُّونِ: وَيُرْوَى بِالرَّاءِ أَيْضًا، ثُمَّ قَالَ: وَكِلَاهُمَا لَهُ وَجْه، قَالَ وَيُقَال: هُوَ الرُّجُوع مِنْ الْإِيمَان إِلَى الْكُفْر، أَوْ مِنْ الطَّاعَة إِلَى الْمَعْصِيَة، وَمَعْنَاهُ الرُّجُوع مِنْ شَيْء إِلَى شَيْء مِنْ الشَّرّ، هَذَا كَلَام التِّرْمِذِيّ، وَكَذَا قَالَ غَيْره مِنْ الْعُلَمَاء مَعْنَاهُ: بِالرَّاءِ وَالنُّون جَمِيعًا: الرُّجُوع مِنْ الِاسْتِقَامَة أَوْ الزِّيَادَة إِلَى النَّقْص، قَالُوا: وَرِوَايَة الرَّاء مَأْخُوذَة مِنْ تَكْوِير الْعِمَامَة وَهُوَ لَفّهَا وَجَمْعهَا، وَرِوَايَة النُّون مَأْخُوذَة مِنْ الْكَوْن مَصْدَر كَانَ يَكُون كَوْنًا إِذَا وُجِدَ وَاسْتَقَرَّ، قَالَ الْمَازِرِيّ فِي رِوَايَة الرَّاء: قِيلَ أَيْضًا: إِنَّ مَعْنَاهُ: أَعُوذ بِك مِنْ الرُّجُوع عَنْ الْجَمَاعَة بَعْد أَنْ كُنَّا فيها، يُقَال: كَارَ عِمَامَته إِذَا لَفَّهَا، وَحَارَهَا إِذَا نَقَضَهَا، وَقِيلَ: نَعُوذ بِك مِنْ أَنْ تُفْسَد أَمُورنَا بَعْد صَلَاحهَا كَفَسَادِ الْعِمَامَة بَعْد اِسْتِقَامَتهَا عَلَى الرَّأْس، وَعَلَى رِوَايَة النُّون قَالَ أَبُو عُبَيْد: سُئِلَ عَاصِم عَنْ مَعْنَاهُ فَقَالَ: أَلَم تَسْمَع قَوْلهمْ حَارَ بَعْد مَا كَانَ؟ أَيْ أَنَّهُ كَانَ عَلَى حَالَة جَمِيلَة فَرَجَعَ عَنْهَا. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَدَعْوَة الْمَظْلُوم» أَيْ أَعُوذ بِك مِنْ الظُّلْم فَإِنَّهُ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ دُعَاء الْمَظْلُوم. وَدَعْوَة الْمَظْلُوم لَيْسَ بَيْنهَا وَبَيْن اللَّه حِجَاب. فَفيه التَّحْذِير مِنْ الظُّلْم وَمَنْ التَّعَرُّض لِأَسْبَابِهِ.

.باب مَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرٍ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ:

2394- قَوْله: «قَفَلَ مِنْ الْجُيُوش» أَيْ رَجَعَ مِنْ الْغَزْو.
قَوْله: «إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّة أَوْفَدْفَد كَبَّرَ» مَعْنَى (أَوْفَى) اِرْتَفَعَ وَعَلَا، (الْفَدْفَد) بِفَائَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنهمَا دَال مُهْمَلَة سَاكِنَة وَهُوَ الْمَوْضِع الَّذِي فيه غِلَظ وَارْتِفَاع، وَقِيلَ: هُوَ الْفَلَاة الَّتِي لَا شَيْء فيها، وَقِيلَ: غَلِيظ الْأَرْض ذَات الْحَصَى، وَقِيلَ: الْجَلْد مِنْ الْأَرْض فِي اِرْتِفَاع، وَجَمْعه فَدَافِد.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «آيِبُونَ» أَيْ رَاجِعُونَ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَدَقَ اللَّه وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْده وَهَزَمَ الْأَحْزَاب وَحْده» أَيْ صَدَقَ وَعْدَهُ فِي إِظْهَار الدِّين، وَكَوْن الْعَاقِبَة لِلْمُتَّقِينَ، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ وَعْده سُبْحَانه إِنَّ اللَّه لَا يُخْلِف الْمِيعَاد، وَهَزَمَ الْأَحْزَاب وَحْده؛ أَيْ مِنْ غَيْر قِتَال مِنْ الْآدَمِيِّينَ، وَالْمُرَاد الْأَحْزَاب الَّذِينَ اِجْتَمَعُوا يَوْم الْخَنْدَق وَتَحَزَّبُوا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَرْسَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا، وَبِهَذَا يَرْتَبِط قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَدَقَ اللَّه» تَكْذِيبًا لِقَوْلِ الْمُنَافِقِينَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض: {مَا وَعَدَنَا اللَّه وَرَسُوله إِلَّا غُرُورًا} هَذَا هُوَ الْمَشْهُور أَنَّ الْمُرَاد أَحْزَاب يَوْم الْخَنْدَق، قَالَ الْقَاضِي: وَقِيلَ: يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد أَحْزَاب الْكُفْر فِي جَمِيع الْأَيَّام وَالْمَوَاطِن. وَاَللَّه أَعْلَم.