فصل: باب كَرَاهَةِ غَمْسِ الْمُتَوَضِّئِ وَغَيْرِهِ يَدَهُ الْمَشْكُوكَ فِي نَجَاسَتِهَا فِي الإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المشهور بـ «شرح النووي على مسلم»



.باب الْمَسْحِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ:

410- قَوْله: (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بَزِيع قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيد يَعْنِي اِبْن زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيل قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْر بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيُّ عَنْ عُرْوَة بْن الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة عَنْ أَبِيهِ) قَالَ الْحَافِظ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ قَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ: هَكَذَا يَقُول مُسْلِم فِي حَدِيث اِبْن بَزِيع عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْعٍ عَنْ عُرْوَة بْن الْمُغِيرَة وَخَالَفَهُ النَّاس فَقَالُوا فيه: (حَمْزَة بْن الْمُغِيرَة) بَدَل (عُرْوَة)، وَأَمَّا أَبُو الْحَسَن الدَّارَقُطْنِيُّ فَنَسَبَ الْوَهْمَ فيه إِلَى مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بَزِيع لَا إِلَى مُسْلِم. هَذَا آخِر كَلَام الْغَسَّانِيّ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: حَمْزَة بْن الْمُغِيرَة هُوَ الصَّحِيح عِنْدهمْ فِي هَذَا الْحَدِيث، وَإِنَّمَا عُرْوَة بْن الْمُغِيرَة فِي الْأَحَادِيث الْأُخَر، وَحَمْزَة وَعُرْوَة اِبْنَانِ لِلْمُغِيرَةِ، وَالْحَدِيث مَرْوِيّ عَنْهُمَا جَمِيعًا، لَكِنْ رِوَايَة بَكْر بْن عَبْد اللَّه بْن الْمُزَنِيِّ إِنَّمَا هِيَ عَنْ حَمْزَة بْن الْمُغِيرَة وَعَنْ اِبْن الْمُغِيرَة غَيْر مُسَمًّى وَلَا يَقُول بَكْر: عُرْوَة، وَمَنْ قَالَ عُرْوَة عَنْهُ فَقَدْ وَهَمَ، وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ عَنْ بَكْر؛ فَرَوَاهُ مُعْتَمِر فِي أَحَد الْوَجْهَيْنِ عَنْهُ عَنْ بَكْر عَنْ الْحَسَن عَنْ اِبْن الْمُغِيرَة، وَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ التَّيْمِيِّ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا مُسْلِم، وَقَالَ غَيْرهمْ: عَنْ بَكْر عَنْ الْمُغِيرَة، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَهُوَ وَهْم. هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي عِيَاض. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (فَآتَيْته بِمِطْهَرَةِ) قَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ فيها لُغَتَيْنِ فَتْح الْمِيم وَكَسْرهَا، وَأَنَّهَا الْإِنَاء الَّذِي يُتَطَهَّر مِنْهُ، قَوْله: (ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِر عَنْ ذِرَاعَيْهِ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْر السِّين أَيْ: يَكْشِف. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَة) هَذَا مِمَّا اِحْتَجَّ بِهِ أَصْحَابنَا عَلَى أَنَّ مَسْح بَعْض الرَّأْس يَكْفِي، وَلَا يُشْتَرَط الْجَمِيع لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْجَمِيع لَمَا اِكْتَفَى بِالْعِمَامَةِ عَنْ الْبَاقِي، فَإِنَّ الْجَمْع بَيْن الْأَصْل وَالْبَدَل فِي عُضْو وَاحِد لَا يَجُوز، كَمَا لَوْ مَسَحَ عَلَى خُفّ وَاحِد وَغَسَلَ الرِّجْل الْأُخْرَى، وَأَمَّا التَّتْمِيم بِالْعِمَامَةِ فَهُوَ عِنْد الشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة عَلَى الِاسْتِحْبَاب لِتَكُونَ الطَّهَارَة عَلَى جَمِيع الرَّأْس، وَلَا فَرْق بَيْن أَنْ يَكُون لُبْس الْعِمَامَة عَلَى طُهْر أَوْ عَلَى حَدَثٍ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَى رَأْسه قَلَنْسُوَة وَلَمْ يَنْزِعهَا مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَيُسْتَحَبّ أَنْ يُتِمّ عَلَى الْقَلَنْسُوَة كَالْعِمَامَةِ، وَلَوْ اِقْتَصَرَ عَلَى الْعِمَامَة وَلَمْ يَمْسَح شَيْئًا مِنْ الرَّأْس لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ بِلَا خِلَاف، وَهُوَ مَذْهَب مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَأَكْثَر الْعُلَمَاء- رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى-. وَذَهَبَ أَحْمَد بْن حَنْبَل رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى إِلَى جَوَاز الِاقْتِصَار، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف. وَاللَّهُ أَعْلَم. و(النَّاصِيَة) هِيَ مُقَدَّم الرَّأْس.
قَوْله: «فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْم وَقَدْ قَامُوا فِي الصَّلَاة يُصَلِّي بِهِمْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَقَدْ رَكَعَ رَكْعَة بِهِمْ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ يَتَأَخَّر، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقُمْت فَرَكَعْنَا الرَّكْعَة الَّتِي سَبَقَتْنَا» اِعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث فيه فَوَائِد كَثِيرَة: مِنْهَا جَوَاز اِقْتِدَاء الْفَاضِل بِالْمَفْضُولِ، وَجَوَاز صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْف بَعْضَ أُمَّته، وَمِنْهَا: أَنَّ الْأَفْضَل تَقْدِيم الصَّلَاة فِي أَوَّل الْوَقْت فَإِنَّهُمْ فَعَلُوهَا أَوَّل الْوَقْت وَلَمْ يَنْتَظِرُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِمَام إِذَا تَأَخَّرَ عَنْ أَوَّل الْوَقْت اُسْتُحِبَّ لِلْجَمَاعَةِ أَنْ يُقَدِّمُوا أَحَدهمْ فَيُصَلِّي بِهِمْ إِذَا وَثَقُوا بِحُسْنِ خُلُق الْإِمَام وَأَنَّهُ لَا يَتَأَذَّى مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فِتْنَة، فَأَمَّا لَمْ يَأْمَنُوا أَذَاهُ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ فِي أَوَّل الْوَقْت فُرَادَى، ثُمَّ إِنْ أَدْرَكُوا الْجَمَاعَة بَعْدُ اُسْتُحِبَّ لَهُمْ إِعَادَتهَا مَعَهُمْ. وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ سَبَقَهُ الْإِمَام بِبَعْضِ الصَّلَاة أَتَى بِمَا أَدْرَكَ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَام أَتَى بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ وَلَا يَسْقُط ذَلِكَ عَنْهُ بِخِلَافِ قِرَاءَة الْفَاتِحَة فَإِنَّهَا تَسْقُط عَنْ الْمَسْبُوق إِذَا أَدْرَكَ الْإِمَام رَاكِعًا، وَمِنْهَا: اِتِّبَاع الْمَسْبُوق لِلْإِمَامِ فِي فِعْله فِي رُكُوعه وَسُجُوده وَجُلُوسه وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَوْضِع فِعْلِهِ لِلْمَأْمُومِ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَسْبُوق إِنَّمَا يُفَارِق الْإِمَام بَعْد سَلَام الْإِمَام. وَاللَّهُ أَعْلَم.
وَأَمَّا بَقَاء عَبْد الرَّحْمَن فِي صَلَاته وَتَأَخُّر أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا لِيَتَقَدَّم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ فِي قَضِيَّة عَبْد الرَّحْمَن كَانَ قَدْ رَكَعَ رَكْعَة فَتَرَكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّقَدُّم لِئَلَّا يَخْتَلّ تَرْتِيب صَلَاة الْقَوْم بِخِلَافِ قَضِيَّة أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا قَوْله: (فَرَكَعْنَا الرَّكْعَة الَّتِي سَبَقَتْنَا) فَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول بِفَتْحِ السِّين وَالْبَاء وَالْقَاف وَبَعْدهَا مُثَنَّاة مِنْ فَوْق سَاكِنَة أَيْ: وُجِدَتْ قَبْل حُضُورنَا. وَاللَّهُ أَعْلَم.
411- قَوْله: (حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِر عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَكْر عَنْ الْحَسَن بْن الْمُغِيرَة عَنْ أَبِيهِ) هَذَا الْإِسْنَاد فيه أَرْبَعَة تَابِعِيُّونَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض وَهُمْ: أَبُو الْمُعْتَمِر سُلَيْمَان بْن طَرْخَان وَبَكْر بْن عَبْد اللَّه وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَابْن الْمُغِيرَة وَاسْمه حَمْزَة كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَؤُلَاءِ التَّابِعِيُّونَ الْأَرْبَعَة بَصْرِيُّونَ إِلَّا اِبْن الْمُغِيرَة فَإِنَّهُ كُوفِيّ.
412- قَوْله: (قَالَ بَكْر: وَقَدْ سَمِعْت مِنْ اِبْن الْمُغِيرَة) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ، وَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول بِبِلَادِنَا (سَمِعْت) بِالتَّاءِ فِي آخِره وَلَيْسَ بَعْدهَا هَاء، وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ عِنْد جَمِيع شُيُوخنَا (سَمِعْتُهُ) يَعْنِي بِالْهَاءِ فِي آخِره بَعْد التَّاء، قَالَ: وَكَذَا ذَكَرَهُ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرهمَا، قَالَ: وَوَقَعَ عِنْد بَعْضهمْ وَلَمْ أَرْوِهِ (وَقَدْ سَمِعْت مِنْ اِبْن الْمُغِيرَة) يَعْنِي بِحَذْفِ الْهَاء وَقَدْ تَقَدَّمَ سَمَاعه الْحَدِيث مِنْهُ. هَذَا كَلَام الْقَاضِي.
413- قَوْله فِي حَدِيث بِلَال: «أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَار» يَعْنِي بِالْخِمَارِ الْعِمَامَة لِأَنَّهَا تُخَمِّر الرَّأْس أَيْ تُغَطِّيه قَوْله: (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَمُحَمَّد بْن الْعَلَاء قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة. وَحَدَّثَنَا إِسْحَاق أَخْبَرَنَا عِيسَى بْن يُونُس كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَش عَنْ الْحَكَم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة عَنْ بِلَال رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: «أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَار») فِي حَدِيث عِيسَى (حَدَّثَنِي الْحَكَم حَدَّثَنِي بِلَال) وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي الْأَخِير مِنْ دَقِيق عِلْم الْإِسْنَاد أَعْنِي قَوْله: وَفِي حَدِيث إِلَخْ، وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْأَعْمَش يَرْوِي عَنْهُ هُنَا اِثْنَانِ: أَبُو مُعَاوِيَة وَعِيسَى بْن يُونُس فَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَة فِي رِوَايَة: عَنْ الْأَعْمَش عَنْ الْحَكَم، وَقَالَ عِيسَى بْن أَبِي لَيْلَى فِي رِوَايَته عَنْ الْأَعْمَش قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَم، فَأَتَى بـ: (حَدَّثَنِي) بَدَل (عَنْ) وَلَا شَكّ أَنَّ (حَدَّثَنَا) أَقْوَى لاسيما مِنْ الْأَعْمَش الَّذِي هُوَ مَعْرُوف بِالتَّدْلِيسِ، وَقَالَ أَيْضًا أَبُو مُعَاوِيَة فِي رِوَايَته عَنْ الْأَعْمَش عَنْ الْحَكَم عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة، وَقَالَ عِيسَى فِي رِوَايَته عَنْ الْأَعْمَش حَدَّثَنِي الْحَكَم عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْب بْن عُجْرَة قَالَ حَدَّثَنِي بِلَال، فَأَتَى بـ: (حَدَّثَنِي بِلَال) مَوْضِع (عَنْ بِلَال). ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْإِسْنَاد الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى مِمَّا تَكَلَّمَ عَلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَاب الْعِلَل وَذَكَرَ الْخِلَاف فِي طَرِيقه وَالْخِلَاف عَنْ الْأَعْمَش فيه، وَأَنَّ (بِلَال) سَقَطَ مِنْهُ عِنْد بَعْض الرُّوَاة وَاقْتَصَرَ عَلَى (كَعْب بْن عُجْرَة)، وَأَنَّ بَعْضهمْ عَكَسَهُ فَأَسْقَطَ (كَعْبًا) وَاقْتَصَرَ عَلَى (بِلَال)، وَأَنَّ بَعْضهمْ زَادَ (الْبَرَاء) بَيْن بِلَال وَابْن أَبِي لَيْلَى، وَأَكْثَر مَنْ رَوَاهُ رَوَوْهُ كَمَا هُوَ فِي مُسْلِم، وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضهمْ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ بِلَال. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب التَّوْقِيتِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ:

414- عَمْرو بْن قَيْس الْمُلَائِيّ عَنْ الْحَكَم بْن عُتَيْبَة عَنْ الْقَاسِم بْن مُخَيْمَرَة عَنْ شُرَيْحٍ بْن هَانِئ قَالَ: أَتَيْت عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَسْأَلهَا عَنْ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ: عَلَيْك بِابْنِ أَبِي طَالِب فَاسْأَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِر مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: «جَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَة أَيَّام وَلَيَالِيهنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَة لِلْمُقِيمِ» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «عَنْ الْأَعْمَش عَنْ الْحَكَم عَنْ الْقَاسِم بْن مُخَيْمَرَة عَنْ شُرَيْحٍ عَنْ عَائِشَة» أَمَّا أَسَانِيده: (فَالْمُلَائِيّ) بِضَمِّ الْمِيم وَبِالْمَدِّ كَانَ يَبِيع الْمُلَاء، وَهُوَ نَوْع مِنْ الثِّيَاب مَعْرُوف الْوَاحِدَة مُلَاءَة بِالْمَدِّ وَكَانَ مِنْ الْأَخْيَار. (وَعُتَيْبَة) بِضَمِّ الْعَيْن وَبَعْدهَا مُثَنَّاة مِنْ فَوْق ثُمَّ مُثَنَّاة مِنْ تَحْت ثُمَّ مُوَحَّدَة، (وَمُخَيْمَرَة) بِضَمِّ الْمِيم وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، (وَشُرَيْح) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَبِالْحَاءِ. (وَهَانِئ) بِهَمْزَةٍ آخِرَه. و(الْأَعْمَش وَالْحَكَمُ وَالْقَاسِم وَشُرَيْح)، تَابِعِيُّونَ كُوفِيُّونَ.
وَأَمَّا أَحْكَامه: فَفيه الْحُجَّة الْبَيِّنَة وَالدَّلَالَة الْوَاضِحَة لِمَذْهَبِ الْجُمْهُور: أَنَّ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ مُوَقَّت بِثَلَاثَةِ أَيَّام فِي السَّفَر وَبِيَوْمٍ وَلَيْلَة فِي الْحَضَر، وَهَذَا مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ.
وَقَالَ مَالِك فِي الْمَشْهُور عَنْهُ: يَمْسَح بِلَا تَوْقِيت، وَهُوَ قَوْل قَدِيم ضَعِيف عَنْ الشَّافِعِيّ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ اِبْن أَبِي عِمَارَة بِكَسْرِ الْعَيْن فِي تَرْك التَّوْقِيت رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف بِاتِّفَاقِ أَهْل الْحَدِيث، وَأَوْجُه الدَّلَالَة مِنْ الْحَدِيث عَلَى مَذْهَب مَنْ يَقُول بِالْمَفْهُومِ ظَاهِرَة، وَعَلَى مَذْهَب مَنْ لَا يَقُول بِهِ يُقَال: الْأَصْل مَنْعُ الْمَسْح فِيمَا زَادَ، وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَكَثِيرِينَ: أَنَّ اِبْتِدَاء الْمُدَّة مِنْ حِين الْحَدَث بَعْد لُبْس الْخُفّ لَا مِنْ حِين اللُّبْس وَلَا مِنْ حِين الْمَسْح، ثُمَّ إِنَّ الْحَدَث عَامّ مَخْصُوص بِحَدِيثِ صَفْوَان بْن غَسَّال رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ أَوْ سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِع خِفَافنَا ثَلَاثَة أَيَّام وَلِيَالِيهنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَة».
قَالَ أَصْحَابنَا: فَإِذَا أَجْنَبَ قَبْل اِنْقِضَاء الْمُدَّة لَمْ يَجُزْ الْمَسْح عَلَى الْخُفّ، فَلَوْ اِغْتَسَلَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفّ اِرْتَفَعَتْ جَنَابَته وَجَازَتْ صَلَاته، فَلَوْ أَحْدَثَ بَعْد ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْح عَلَى الْخُفّ بَلْ لابد مِنْ خَلْعِهِ وَلُبْسِهِ عَلَى طَهَارَة، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَنَجَّسَتْ رِجْله فِي الْخُفّ فَغَسَلَهَا فيه، فَإِنَّ لَهُ الْمَسْح عَلَى الْخُفّ بَعْد ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَم.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْأَدَب مَا قَالَهُ الْعُلَمَاء: إِنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْمُحَدِّثِ وَلِلْمُعَلِّمِ وَالْمُفْتِي إِذَا طُلِبَ مِنْهُ مَا يَعْلَمهُ عِنْد أَجَل مِنْهُ أَنْ يُرْشِد إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفهُ قَالَ اِسْأَلْ عَنْهُ فُلَانًا، قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ: وَاخْتَلَفَ الرُّوَاة فِي رَفْع هَذَا الْحَدِيث وَوَقْفِهِ عَلَى عَلِيّ، قَالَ: وَمَنْ رَفَعَهُ أَحْفَظ وَأَضْبَط. وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم.
415- (بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: «أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الصَّلَوَات يَوْم الْفَتْح بِوُضُوءٍ وَاحِد وَمَسَحَ عَلَى خُفيه فَقَالَ لَهُ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: لَقَدْ صَنَعْت الْيَوْم شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ، قَالَ: عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَر») فِي هَذَا الْحَدِيث أَنْوَاع مِنْ الْعِلْم مِنْهَا: جَوَاز الْمَسْح عَلَى الْخُفّ، وَجَوَاز الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَات وَالنَّوَافِل بِوُضُوءٍ وَاحِد مَا لَمْ يُحْدِث، وَهَذَا جَائِز بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدّ بِهِ، وَحَكَى أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيُّ وَأَبُو الْحَسَن بْن بَطَّال فِي شَرْح صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّهُمْ قَالُوا: يَجِب الْوُضُوء لِكُلِّ صَلَاة وَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ} الْآيَة وَمَا أَظُنُّ هَذَا الْمَذْهَب يَصِحّ عَنْ أَحَد، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا اِسْتِحْبَاب تَجْدِيد الْوُضُوء عِنْد كُلّ صَلَاة وَدَلِيل الْجُمْهُور الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مِنْهَا هَذَا الْحَدِيث، وَحَدِيث أَنَس فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ: «كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأ عِنْد كُلّ صَلَاة وَكَانَ أَحَدنَا يَكْفيه الْوُضُوء مَا لَمْ يُحْدِث» وَحَدِيث سُوَيْد بْن النُّعْمَان فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ أَيْضًا: «أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعَصْر ثُمَّ أَكْل سَوِيقًا، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِب وَلَمْ يَتَوَضَّأ» وَفِي مَعْنَاهُ أَحَادِيث كَثِيرَة كَحَدِيثِ الْجَمْع بَيْن الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَة وَالْمُزْدَلِفَة وَسَائِر الْأَسْفَار وَالْجَمْع بَيْن الصَّلَوَات الْفَائِتَات يَوْم الْخَنْدَق وَغَيْر ذَلِكَ، وَأَمَّا الْآيَة الْكَرِيمَة فَالْمُرَاد بِهَا- وَاللَّهُ أَعْلَم- إِذَا قُمْتُمْ مُحْدِثِينَ، وَقِيلَ إِنَّهَا مَنْسُوخَة بِفِعْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا الْقَوْل ضَعِيف. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَالَ أَصْحَابنَا: وَيُسْتَحَبّ تَجْدِيد الْوُضُوء، وَهُوَ أَنْ يَكُون عَلَى طَهَارَة ثُمَّ يَتَطَهَّر ثَانِيًا مِنْ غَيْر حَدَث، وَفِي شَرْط اِسْتِحْبَاب التَّجْدِيد أَوْجُه أَحَدهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِمَنْ صَلَّى بِهِ صَلَاة سَوَاء كَانَتْ فَرِيضَة أَوْ نَافِلَة.
وَالثَّانِي: لَا يُسْتَحَبّ إِلَّا لِمَنْ صَلَّى فَرِيضَة.
وَالثَّالِث: يُسْتَحَبّ لِمَنْ فَعَلَ بِهِ مَا لَا يَجُوز إِلَّا بِطَهَارَةٍ كَمَسِّ الْمُصْحَف وَسُجُود التِّلَاوَة، وَالرَّابِع يُسْتَحَبّ وَإِنْ لَمْ يَفْعَل بِهِ شَيْئًا أَصْلًا بِشَرْطِ أَنْ يَتَخَلَّل بَيْن التَّجْدِيد وَالْوُضُوء زَمَن يَقَع بِمِثْلِهِ تَفْرِيق، وَلَا يُسْتَحَبّ تَجْدِيد الْغُسْل عَلَى الْمَذْهَب الصَّحِيح الْمَشْهُور. وَحَكَى إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَجْهًا: أَنَّهُ يُسْتَحَبّ. وَفِي اِسْتِحْبَاب تَجْدِيد التَّيَمُّم وَجْهَانِ: أَشْهَرهمَا: لَا يُسْتَحَبّ وَصُورَته فِي الْجَرِيح وَالْمَرِيض وَنَحْوهمَا مِمَّنْ يَتَيَمَّم مَعَ وُجُود الْمَاء، وَيُتَصَوَّر فِي غَيْره إِذَا قُلْنَا لَا يَجِب الطَّلَب لِمَنْ تَيَمَّمَ ثَانِيًا فِي مَوْضِعه وَاللَّهُ أَعْلَم.
وَأَمَّا قَوْل عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: صَنَعْت الْيَوْم شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعهُ؟ فَفيه تَصْرِيح بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوَاظِب عَلَى الْوُضُوء لِكُلِّ صَلَاة عَمَلًا بِالْأَفْضَلِ، وَصَلَّى الصَّلَوَات فِي هَذَا الْيَوْم بِوُضُوءٍ وَاحِد بَيَانًا لِلْجَوَازِ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَمْدًا صَنَعْته يَا عُمَر». وَفِي هَذَا الْحَدِيث: جَوَاز سُؤَال الْمَفْضُول الْفَاضِل عَنْ بَعْض أَعْمَاله الَّتِي فِي ظَاهِرهَا مُخَالَفَة لِلْعَادَةِ، لِأَنَّهَا قَدْ تَكُون عَنْ نِسْيَان فَيَرْجِع عَنْهَا، وَقَدْ تَكُون تَعَمُّدًا لِمَعْنًى خَفِيّ عَلَى الْمَفْضُول فَيَسْتَفِيدهُ. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا إِسْنَاد الْبَاب فَفيه (اِبْن نُمَيْر قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَلْقَمَة بْن مَرْثَد)، وَفِي الطَّرِيق الْآخَر (يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سُفْيَان قَالَ حَدَّثَنِي عَلْقَمَة بْن مَرْثَد)، إِنَّمَا فَعَلَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى هَذَا وَأَعَادَ ذِكْر سُفْيَان وَعَلْقَمَة لِفَوَائِد مِنْهَا: أَنَّ سُفْيَان رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى مِنْ الْمُدَلِّسِينَ، وَقَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى: عَنْ عَلْقَمَة، وَالْمُدَلِّس لَا يَحْتَجّ بِعَنْعَنَتِهِ بِالِاتِّفَاقِ إِلَّا إِنْ ثَبَتَ سَمَاعه مِنْ طَرِيق آخَرَ، فَذَكَرَ مُسْلِم الطَّرِيق الثَّانِي الْمُصَرِّح بِسَمَاعِ سُفْيَان مِنْ عَلْقَمَة فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَلْقَمَة، وَالْفَائِدَة الْأُخْرَى: أَنَّ اِبْن نُمَيْر قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَان، وَيَحْيَى بْن سَعِيد قَالَ: (عَنْ سُفْيَان) فَلَمْ يَسْتَجِزْ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى الرِّوَايَة عَنْ الِاثْنَيْنِ بِصِيغَةِ أَحَدهمَا فَإِنَّ (حَدَّثَنَا) مُتَّفَق عَلَى حَمْلِهِ عَلَى الِاتِّصَال و(عَنْ) مُخْتَلَف فيه كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي شَرْح الْمُقَدِّمَة.

.باب كَرَاهَةِ غَمْسِ الْمُتَوَضِّئِ وَغَيْرِهِ يَدَهُ الْمَشْكُوكَ فِي نَجَاسَتِهَا فِي الإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا:

416- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا اِسْتَيْقَظَ أَحَدكُمْ مِنْ نَوْمه فَلَا يَغْمِس يَده فِي الْإِنَاء حَتَّى يَغْسِلهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَده» قَالَ الشَّافِعِيّ وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء- رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى- فِي مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَده»: أَنَّ أَهْل الْحِجَاز كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْأَحْجَارِ وَبِلَادهمْ حَارَّة، فَإِذَا نَامَ أَحَدهمْ عَرِقَ فَلَا يَأْمَن النَّائِم أَنْ يُطَوِّف يَده عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِع النَّجِس أَوْ عَلَى بَثْرَة أَوْ قَمْلَة أَوْ قَذَرٍ غَيْر ذَلِكَ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث: دَلَالَة لِمَسَائِل كَثِيرَة فِي مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور مِنْهَا: أَنَّ الْمَاء الْقَلِيل إِذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَة نَجَّسَتْهُ، وَإِنْ قَلَّتْ وَلَمْ تُغَيِّرهُ فَإِنَّهَا تُنَجِّسهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي تَعَلَّقَ بِالْيَدِ وَلَا يُرَى قَلِيل جِدًّا، وَكَانَتْ عَادَتهمْ اِسْتِعْمَال الْأَوَانِي الصَّغِيرَة الَّتِي تَقْصُر عَنْ قُلَّتَيْنِ بَلْ لَا تُقَارِبهُمَا، وَمِنْهَا الْفَرْق بَيْن وُرُود الْمَاء عَلَى النَّجَاسَة وَوُرُودهَا عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا إِذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ نَجَّسَتْهُ وَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهَا أَزَالَهَا، وَمِنْهَا أَنَّ الْغَسْل سَبْعًا لَيْسَ عَامًّا فِي جَمِيع النَّجَاسَات وَإِنَّمَا وَرَدَ الشَّرْع بِهِ فِي وُلُوغ الْكَلْب خَاصَّة. وَمِنْهَا: أَنَّ مَوْضِع الِاسْتِنْجَاء لَا يَطْهُر بِالْأَحْجَارِ بَلْ يَبْقَى نَجِسًا مَعْفُوًّا عَنْهُ فِي حَقّ الصَّلَاة. وَمِنْهَا: اِسْتِحْبَاب غَسْل النَّجَاسَة ثَلَاثًا لِأَنَّهُ إِذَا أَمَرَ بِهِ فِي الْمُتَوَهَّمَة فَفِي الْمُحَقَّقَة أَوْلَى.
وَمِنْهَا اِسْتِحْبَاب الْغَسْل ثَلَاثًا فِي الْمُتَوَهَّمَةِ. وَمِنْهَا: أَنَّ النَّجَاسَة الْمُتَوَهَّمَةَ يُسْتَحَبّ فيها الْغَسْل وَلَا يُؤَثِّر فيها الرَّشّ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: حَتَّى يَغْسِلهَا، وَلَمْ يَقُلْ حَتَّى يَغْسِلهَا أَوْ يَرُشّهَا. وَمِنْهَا: اِسْتِحْبَاب الْأَخْذ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَات وَغَيْرهَا مَا لَمْ يَخْرُج عَنْ حَدّ الِاحْتِيَاط إِلَى حَدّ الْوَسْوَسَة، وَفِي الْفَرْق بَيْن الِاحْتِيَاط وَالْوَسْوَسَة كَلَام طَوِيل أَوْضَحْته فِي بَاب الْآنِيَّة مِنْ شَرْح الْمُهَذَّب. وَمِنْهَا: اِسْتِحْبَاب اِسْتِعْمَال أَلْفَاظ الْكِنَايَات فِيمَا يَتَحَاشَى مِنْ التَّصْرِيح بِهِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَده، وَلَمْ يَقُلْ فَلَعَلَّ يَده وَقَعَتْ عَلَى دُبُره أَوْ ذَكَرِهِ أَوْ نَجَاسَة أَوْ نَحْو ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ هَذَا مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلِهَذَا نَظَائِر كَثِيرَة فِي الْقُرْآن الْعَزِيز وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، وَهَذَا إِذَا عَلِمَ أَنَّ السَّامِع يَفْهَم بِالْكِنَايَةِ الْمَقْصُود، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فلابد مِنْ التَّصْرِيح لِيَنْفِيَ اللُّبْس وَالْوُقُوع فِي خِلَاف الْمَطْلُوب، وَعَلَى ذَا يُحْمَل مَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَم.
هَذِهِ فَوَائِد مِنْ الْحَدِيث غَيْر الْفَائِدَة الْمَقْصُودَة هُنَا، وَهِيَ النَّهْي عَنْ غَمْسِ الْيَد فِي الْإِنَاء قَبْل غَسْلِهَا، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْجَمَاهِير مِنْ الْعُلَمَاء الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى أَنَّهُ نَهْي تَنْزِيه لَا تَحْرِيم، فَلَوْ خَالَفَ وَغَمَسَ لَمْ يَفْسُد الْمَاء وَلَمْ يَأْثَم الْغَامِس، وَحَكَى أَصْحَابنَا عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ يَنْجُس إِنْ كَانَ قَامَ مِنْ نَوْم اللَّيْل. وَحَكَوْهُ أَيْضًا عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْهِ وَمُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيِّ وَهُوَ ضَعِيف جِدًّا، فَإِنَّ الْأَصْل فِي الْمَاء وَالْيَد الطَّهَارَة فَلَا يَنْجُس بِالشَّكِّ، وَقَوَاعِد الشَّرْع مُتَظَاهِرَة عَلَى هَذَا وَلَا يُمْكِن أَنْ يُقَال الظَّاهِر فِي الْيَد النَّجَاسَة، وَأَمَّا الْحَدِيث فَمَحْمُول عَلَى التَّنْزِيه، ثُمَّ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْمُحَقِّقِينَ: أَنَّ هَذَا الْحُكْم لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالْقِيَامِ مِنْ النَّوْم؛ بَلْ الْمُعْتَبَر فيه الشَّكّ فِي نَجَاسَة الْيَد فَمَتَى شَكَّ فِي نَجَاسَتهَا كُرِهَ لَهُ غَمْسُهَا فِي الْإِنَاء قَبْل غَسْلِهَا وَسَوَاء قَامَ مِنْ نَوْم اللَّيْل أَوْ النَّهَار، أَوْ شَكّ فِي نَجَاسَتهَا مِنْ غَيْر نَوْم، وَهَذَا مَذْهَب جُمْهُور الْعُلَمَاء. وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى رِوَايَة: أَنَّهُ إِنْ قَامَ مِنْ نَوْم اللَّيْل كُرِهَ كَرَاهَة تَحْرِيم، وَإِنْ قَامَ مِنْ نَوْم النَّهَار كُرِهَ كَرَاهَة تَنْزِيه. وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ دَاوُدَ الظَّاهِرِيّ اِعْتِمَادًا عَلَى لَفْظ الْمَبِيت فِي الْحَدِيث، وَهَذَا مَذْهَب ضَعِيف جِدًّا، فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبَّهَ عَلَى الْعِلَّة بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَده»، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَا يَأْمَن النَّجَاسَة عَلَى يَده، وَهَذَا عَامّ لِوُجُودِ اِحْتِمَال النَّجَاسَة فِي نَوْم اللَّيْل وَالنَّهَار وَفِي الْيَقَظَة، وَذَكَرَ اللَّيْل أَوَّلًا لِكَوْنِهِ الْغَالِب، وَلَمْ يَقْتَصِر عَلَيْهِ خَوْفًا مِنْ تَوَهُّم أَنَّهُ مَخْصُوص بِهِ، بَلْ ذَكَرَ الْعِلَّة بَعْده. وَاللَّهُ أَعْلَم.
هَذَا كُلّه إِذَا شَكّ فِي نَجَاسَة الْيَد، أَمَّا إِذَا تَيَقَّنَ طَهَارَتهَا وَأَرَادَ غَمْسهَا قَبْل غَسْلهَا فَقَدْ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا: حُكْمه حُكْم الشَّكّ؛ لِأَنَّ أَسْبَاب النَّجَاسَة قَدْ تَخْفَى فِي حَقّ مُعْظَم النَّاس فَسَدَّ الْبَاب لِئَلَّا يَتَسَاهَل فيه مَنْ لَا يَعْرِف، وَالْأَصَحّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجَمَاهِير مِنْ أَصْحَابنَا: أَنَّهُ لَا كَرَاهَة فيه؛ بَلْ هُوَ فِي خِيَار بَيْن الْغَمْس أَوَّلًا وَالْغَسْل؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ النَّوْم وَنَبَّهَ عَلَى الْعِلَّة وَهِيَ الشَّكّ، فَإِذَا اِنْتَفَتْ الْعِلَّة اِنْتَفَتْ الْكَرَاهَة، وَلَوْ كَانَ النَّهْي عَامًّا لَقَالَ: إِذَا أَرَادَ أَحَدكُمْ اِسْتِعْمَال الْمَاء فَلَا يَغْمِس يَده حَتَّى يَغْسِلهَا وَكَانَ أَعَمّ وَأَحْسَن. وَاللَّهُ أَعْلَم.
قَالَ أَصْحَابنَا وَإِذَا كَانَ الْمَاء فِي إِنَاء كَبِير أَوْ صَخْرَة بِحَيْثُ لَا يُمْكِن الصَّبّ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنَاء صَغِير يَغْتَرِف بِهِ؛ فَطَرِيقه: أَنْ يَأْخُذ الْمَاء بِفَمِهِ ثُمَّ يَغْسِل بِهِ كَفيه أَوْ يَأْخُذ بِطَرَفِ ثَوْبه النَّظِيف أَوْ يَسْتَعِين بِغَيْرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَم.
وَأَمَّا أَسَانِيد الْبَاب فيه: (الْجَهْضَمِيُّ) بِفَتْحِ الْجِيم وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْمُقَدِّمَة. وَفيه: (حَامِد بْن عُمَر الْبَكْرَاوِيّ) بِفَتْحِ الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَإِسْكَان الْكَاف وَهُوَ حَامِد بْن عُمَر بْن حَفْص بْن عُمَر بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْرَة نُفَيْع بْن الْحَارِث الصَّحَابِيّ؛ فَنَسَبَ حَامِد إِلَى جَدّه. وَفيه (أَبُو رَزِين) اِسْمه: مَسْعُود بْن مَالِك الْكُوفِيّ كَانَ عَالِمًا فيها، وَهُوَ مَوْلَى أَبِي وَائِل شَقِيق بْن سَلَمَة. وَفيه: قَوْل مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى فِي حَدِيث أَبِي مُعَاوِيَة: (قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَفِي حَدِيث وَكِيع: (يَرْفَعهُ)، وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى مِنْ اِحْتِيَاطه وَدَقِيق نَظَرِهِ وَغَزِير عِلْمِهِ وَثُبُوت فَهْمِهِ؛ فَإِنَّ أَبَا مُعَاوِيَة وَوَكِيعًا اِخْتَلَفَتْ رِوَايَتهمَا؛ فَقَالَ أَحَدهمَا: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الْآخَر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَة يَرْفَعهُ وَهَذَا بِمَعْنَى ذَلِكَ عِنْد أَهْل الْعِلْم كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْفُصُول، وَلَكِنْ أَرَادَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى أَلَّا يَرْوِيَ بِالْمَعْنَى فَإِنَّ الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى حَرَام عِنْد جَمَاعَات مِنْ الْعُلَمَاء وَجَائِزَة عِنْد الْأَكْثَرِينَ، إِلَّا أَنَّ الْأَوْلَى اِجْتِنَابهَا. وَاللَّهُ أَعْلَم.
وَفيه: (مَعْقِل عَنْ أَبِي الزُّبَيْر) هُو: (مَعْقِل) بِفَتْحِ الْمِيم وَكَسْر الْقَاف، و(أَبُو الزُّبَيْر) هُوَ مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن تَدْرُس تَقَدَّمَ بَيَانه فِي مَوَاضِع. وَفيه: (الْمُغِيرَة الْحِزَامِيّ) بِالزَّايِ وَالْمُغِيرَة بِضَمِّ الْمِيم عَلَى الْمَشْهُور، وَيُقَال بِكَسْرِهَا، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا فِي الْمُقَدِّمَة. وَاللَّهُ أَعْلَم.

.(بَاب حُكْم وُلُوغ الْكَلْب):

فيه قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْب فِي إِنَاء أَحَدكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلهُ سَبْع مَرَّات» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «طَهُور إِنَاء أَحَدكُمْ إِذَا وَلَغَ الْكَلْب فيه أَنْ يَغْسِلهُ سَبْع مَرَّات أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «طَهُور إِنَاء أَحَدكُمْ إِذَا وَلَغَ الْكَلْب فيه أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْع مَرَّات».
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «أَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَاب، ثُمَّ قَالَ مَا بَالهمْ وَبَال الْكِلَاب ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْب الصَّيْد وَكَلْب الْغَنَم، وَقَالَ: إِذَا وَلَغَ الْكَلْب فِي الْإِنَاء فَاغْسِلُوهُ سَبْع مَرَّات وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَة فِي التُّرَاب» وَفِي رِوَايَة: «وَرَخَّصَ فِي كَلْب الْغَنَم وَالصَّيْد وَالزَّرْع».
أَمَّا أَسَانِيد الْبَاب وَلُغَاته: فَفيه (أَبُو رَزِين) تَقَدَّمَ ذِكْره فِي الْبَاب قَبْله. وَفيه: (وَلَغَ الْكَلْب) قَالَ أَهْل اللُّغَة: يُقَال: وَلَغَ الْكَلْب فِي الْإِنَاء يَلَغ بِفَتْحِ اللَّام فيهمَا وُلُوغًا: شَرِبَ بِطَرَفِ لِسَانه، قَالَ أَبُو زَيْد: يُقَال: وَلَغَ الْكَلْب بِشَرَابِنَا وَفِي شَرَابنَا وَمِنْ شَرَابنَا.
وَفيه: «طُهُور إِنَاء أَحَدكُمْ» الْأَشْهَر فيه ضَمّ الطَّاء وَيُقَال بِفَتْحِهَا لُغَتَانِ تَقَدَّمَتَا فِي أَوَّل كِتَاب الْوُضُوء.
وَفيه: قَوْله فِي صَحِيفَة هَمَّام: (فَذَكَرَ أَحَادِيث مِنْهَا) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفُصُول وَغَيْرهَا بَيَان فَائِدَة هَذِهِ الْعِبَارَة.
وَفيه قَوْله فِي آخِر الْبَاب: (وَلَيْسَ ذَكَرَ الزَّرْع فِي الرِّوَايَة غَيْر يَحْيَى) هَكَذَا فِي الْأُصُول وَهُوَ صَحِيح، وَذَكَرَ بِفَتْحِ الذَّال وَالْكَاف، وَالزَّرْع مَنْصُوب وَغَيْر مَرْفُوع، مَعْنَاهُ: لَمْ يَذْكُر هَذِهِ الرِّوَايَة إِلَّا يَحْيَى.
وَفيه: (أَبُو التَّيَّاح) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة فَوْق وَبَعْدهَا مُثَنَّاة تَحْت مُشَدَّدَة وَآخِره حَاء مُهْمَلَة، وَاسْمه: يَزِيد بْن حُمَيْدِ الضُّبَعِيِّ الْبَصْرِيّ الْعَبْد الصَّالِح، قَالَ شُعْبَة: كُنَّا نُكَنِّيه بِأَبِي حَمَّاد قَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُكَنَّى بِأَبِي التَّيَّاح وَهُوَ غُلَام.
وَفيه: (اِبْن الْمُغَفَّل) بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالْفَاء، وَهُوَ: عَبْد اللَّه بْن الْمُغَفَّل الْمُزَنِيِّ، وَقَوْل مُسْلِم: (حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُعَاذ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ أَبِي التَّيَّاح سَمِعَ مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِي الْمُغَفَّل) قَالَ مُسْلِم: (وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْن حَبِيب الْحَارِثِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِد يَعْنِي اِبْن الْحَارِث ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن حَاتِم قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْوَلِيد قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر كُلّهمْ عَنْ شُعْبَة فِي هَذَا الْإِسْنَاد بِمِثْلِهِ) هَذِهِ الْأَسَانِيد مِنْ جَمِيع هَذِهِ الطُّرُق رِجَالهَا بَصْرِيُّونَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَرَّات أَنَّ شُعْبَة وَاسِطِيّ ثُمَّ بَصْرِيّ، وَيَحْيَى بْن سَعِيد الْمَذْكُور هُوَ الْقَطَّان. وَاللَّهُ أَعْلَم.
أَمَّا أَحْكَام الْبَاب: فَفيه دَلَالَة ظَاهِرَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَغَيْره رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِمَّنْ يَقُول بِنَجَاسَةِ الْكَلْب لِأَنَّ الطَّهَارَة تَكُون عَنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَسٍ وَلَيْسَ هُنَا حَدَثٌ؛ فَتَعَيَّنَ النَّجَس، فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَاد الطَّهَارَة اللُّغَوِيَّة، فَالْجَوَاب: أَنَّ حَمْلَ اللَّفْظ عَلَى حَقِيقَته الشَّرْعِيَّة مُقَدَّم عَلَى اللُّغَوِيَّة. وَفيه أَيْضًا: نَجَاسَة مَا وَلَغَ فيه وَأَنَّهُ إِنْ كَانَ طَعَامًا مَائِعًا حَرُمَ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّ إِرَاقَته إِضَاعَة لَهُ فَلَوْ كَانَ طَاهِرًا لَمْ يَأْمُرنَا بِإِرَاقَتِهِ بَلْ قَدْ نُهِينَا عَنْ إِضَاعَة الْمَال، وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجَمَاهِير أَنَّهُ يَنْجُس مَا وَلَغَ فيه، وَلَا فَرْقَ بَيْن الْكَلْب الْمَأْذُون فِي اِقْتِنَائِهِ وَغَيْره وَلَا بَيْن كَلْب الْبَدَوِيّ وَالْحَضَرِيّ لِعُمُومِ اللَّفْظ.
وَفِي مَذْهَب مَالِك أَرْبَعَة أَقْوَال: طَهَارَته وَنَجَاسَته وَطَهَارَة سُؤْر الْمَأْذُون فِي اِتِّخَاذه دُون غَيْره، وَهَذِهِ الثَّلَاثَة عَنْ مَالِك، وَالرَّابِع عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن الْمَاجِشُونِ الْمَالِكِيّ أَنَّهُ يُفَرَّق بَيْن الْبَدَوِيّ وَالْحَضَرِيّ. وَفيه: الْأَمْر بِإِرَاقَتِهِ وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ عِنْدنَا، وَلَكِنْ هَلْ الْإِرَاقَة وَاجِبَة لِعَيْنِهَا أَمْ لَا تَجِب إِلَّا إِذَا أَرَادَ اِسْتِعْمَال الْإِنَاء أَرَاقَهُ؟ فيه خِلَاف؛ ذَكَرَ أَكْثَر أَصْحَابنَا أَنَّ الْإِرَاقَة لَا تَجِب لِعَيْنِهَا بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّة فَإِنْ أَرَادَ اِسْتِعْمَال الْإِنَاء أَرَاقَهُ، وَذَهَبَ بَعْض أَصْحَابنَا إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَة عَلَى الْفَوْر وَلَوْ لَمْ يُرِدْ اِسْتِعْمَاله، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا فِي كِتَابه الْحَاوِي وَيَحْتَجّ لَهُ بِمُطْلَقِ الْأَمْر وَهُوَ يَقْتَضِي الْوُجُوب عَلَى الْمُخْتَار وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الْفُقَهَاء، وَيَحْتَجّ لِلْأَوَّلِ بِالْقِيَاسِ عَلَى بَاقِي الْمِيَاه النَّجِسَة، فَإِنَّهُ لَا تَجِب إِرَاقَتهَا بِلَا خِلَاف، وَيُمْكِن أَنْ يُجَاب عَنْهَا بِأَنَّ الْمُرَاد فِي مَسْأَلَة الْوُلُوغ الزَّجْر وَالتَّغْلِيظ وَالْمُبَالَغَة فِي التَّنْفِير عَنْ الْكِلَاب. وَاللَّهُ أَعْلَم.
وَفيه: وُجُوب غَسْلِ نَجَاسَة وُلُوغ الْكَلْب سَبْع مَرَّات، وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب مَالِك وَأَحْمَد وَالْجَمَاهِير.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: يَكْفِي غَسْله ثَلَاث مَرَّات. وَاللَّهُ أَعْلَم.
وَأَمَّا الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَات فَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة: «سَبْع مَرَّات»، وَفِي رِوَايَة: «سَبْع مَرَّات أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»، وَفِي رِوَايَة: «أُخْرَاهُنَّ أَوْ أُولَاهُنَّ»، وَفِي رِوَايَة: «سَبْع مَرَّات السَّابِعَة بِالتُّرَابِ»، وَفِي رِوَايَة: «سَبْع مَرَّات وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَة بِالتُّرَابِ».
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْره هَذِهِ الرِّوَايَات كُلّهَا وَفيها دَلِيل عَلَى أَنَّ التَّقْيِيد بِالْأُولَى وَبِغَيْرِهَا لَيْسَ عَلَى الِاشْتِرَاط بَلْ الْمُرَاد إِحْدَاهُنَّ، وَأَمَّا رِوَايَة: «وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَة بِالتُّرَابِ» فَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجَمَاهِير: أَنَّ الْمُرَاد اِغْسِلُوهُ سَبْعًا وَاحِدَة مِنْهُنَّ بِالتُّرَابِ مَعَ الْمَاء، فَكَأَنَّ التُّرَاب قَائِم مَقَام غَسْلَة فَسُمِّيَتْ ثَامِنَة لِهَذَا. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدنَا بَيْن وُلُوغ الْكَلْب وَغَيْره مِنْ أَجْزَائِهِ فَإِذَا أَصَابَ بَوْله أَوْ رَوْثه أَوْ دَمه أَوْ عَرَقه أَوْ شَعْره أَوْ لُعَابه أَوْ عُضْو مِنْ أَعْضَائِهِ شَيْئًا طَاهِرًا فِي حَال رُطُوبَة أَحَدهمَا وَجَبَ غَسْله سَبْع مَرَّات إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَلَوْ وَلَغَ كَلْبَانِ أَوْ كَلْب وَاحِد مَرَّات فِي إِنَاء فَفيه ثَلَاثَة أَوْجُه لِأَصْحَابِنَا: الصَّحِيح أَنَّهُ يَكْفيه لِلْجَمِيعِ سَبْع مَرَّات.
وَالثَّانِي: يَجِب لِكُلِّ وَلْغَة سَبْع.
وَالثَّالِث: يَكْفِي لِوَلَغَاتِ الْكَلْب الْوَاحِد سَبْع، وَيَجِب لِكُلِّ كَلْب سَبْع، وَلَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَة أُخْرَى فِي الْإِنَاء الَّذِي وَلَغَ فيه الْكَلْب كَفَى عَنْ الْجَمِيع سَبْع، وَلَا تَقُوم الْغَسْلَة الثَّامِنَة بِالْمَاءِ وَحْده وَلَا غَمْس الْإِنَاء فِي مَاء كَثِير وَمُكْثه فيه قَدْر سَبْع غَسَلَات مَقَام التُّرَاب عَلَى الْأَصَحّ.
وَقِيلَ: يَقُوم الصَّابُون وَالْأُشْنَان وَمَا أَشْبَهَهُمَا مَقَام التُّرَاب عَلَى الْأَصَحّ، وَلَا فَرْقَ بَيْن وُجُود التُّرَاب وَعَدَمه عَلَى الْأَصَحّ، وَلَا يَحْصُل الْغَسْل بِالتُّرَابِ النَّجَس عَلَى الْأَصَحّ، وَلَوْ كَانَتْ نَجَاسَة الْكَلْب دَمه أَوْ رَوْثه فَلَمْ يَزُلْ عَيْنه إِلَّا بِسِتِّ غَسَلَات مَثَلًا فَهَلْ يُحْسَب ذَلِكَ غَسَلَات أَمْ غَسْلَة وَاحِدَة؟ أَمْ لَا يُحْسَب مِنْ السَّبْع أَصْلًا؟ فيه ثَلَاثَة أَوْجُه أَصَحّهَا: وَاحِدَة.
وَأَمَّا الْخِنْزِير فَحُكْمه حُكْم الْكَلْب فِي هَذَا كُلّه.
هَذَا مَذْهَبنَا. وَذَهَبَ أَكْثَر الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ الْخِنْزِير لَا يَفْتَقِر إِلَى غَسْله سَبْعًا وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَهُوَ قَوِيّ فِي الدَّلِيل، قَالَ أَصْحَابنَا: وَمَعْنَى الْغَسْلِ بِالتُّرَابِ: أَنْ يُخْلَط التُّرَاب فِي الْمَاء حَتَّى يَتَكَدَّر، وَلَا فَرْقَ بَيْن أَنْ يَطْرَحَ الْمَاء عَلَى التُّرَاب أَوْ التُّرَاب عَلَى الْمَاء أَوْ يَأْخُذ الْمَاء الْكَدِر مِنْ مَوْضِع فَيَغْسِل بِهِ، فَأَمَّا مَسْح مَوْضِع النَّجَاسَة بِالتُّرَابِ فَلَا يُجْزِي، وَلَا إِدْخَال الْيَد فِي الْإِنَاء؛ بَلْ يَكْفِي أَنْ يُلْقِيه فِي الْإِنَاء وَيُحَرِّكهُ، وَيُسْتَحَبّ أَنْ يَكُون التُّرَاب فِي غَيْر الْغَسْلَة الْأَخِيرَة لِيَأْتِيَ عَلَيْهِ مَا يُنَظِّفهُ، وَالْأَفْضَل أَنْ يَكُون فِي الْأُولَى. وَلَوْ وَلَغَ الْكَلْب فِي مَاء كَثِير بِحَيْثُ لَمْ يَنْقُص وَلُوغه عَنْ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسهُ، وَلَوْ وَلَغَ فِي مَاء قَلِيل أَوْ طَعَام فَأَصَابَ ذَلِكَ الْمَاء أَوْ الطَّعَام ثَوْبًا أَوْ بَدَنًا أَوْ إِنَاء آخَر وَجَبَ غَسْله سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَلَوْ وَلَغَ فِي إِنَاء فيه طَعَام جَامِد أُلْقِي مَا أَصَابَهُ وَمَا حَوْله وَانْتُفِعَ بِالْبَاقِي عَلَى طَهَارَته السَّابِقَة كَمَا فِي الْفَأْرَة تَمُوت فِي السَّمْن الْجَامِد. وَاللَّهُ أَعْلَم.
وَأَمَّا قَوْله: «أَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَاب، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالهمْ وَبَال الْكِلَاب؟ ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْب الصَّيْد وَكَلْب الْغَنَم»، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «وَكَلْب الزَّرْع» فَهَذَا نَهْي عَنْ اِقْتِنَائِهَا، وَقَدْ اِتَّفَقَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُم اِقْتِنَاء الْكَلْب لِغَيْرِ حَاجَة مِثْل أَنْ يَقْتَنِي كَلْبًا إِعْجَابًا بِصُورَتِهِ أَوْ لِلْمُفَاخَرَةِ بِهِ فَهَذَا حَرَام بِلَا خِلَاف.
وَأَمَّا الْحَاجَة الَّتِي يَجُوز الِاقْتِنَاء لَهَا فَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْحَدِيث بِالتَّرْخِيصِ لِأَحَدِ ثَلَاثَة أَشْيَاء وَهِيَ: الزَّرْع وَالْمَاشِيَة وَالصَّيْد، وَهَذَا جَائِز بِلَا خِلَاف، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِي اِقْتِنَائِهِ لِحِرَاسَةِ الدُّور وَالدُّرُوب وَفِي اِقْتِنَاء الْجَرْو لِيُعَلَّم؛ فَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَهُ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَة إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي الثَّلَاثَة الْمُتَقَدِّمَة؛ وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَهُ وَهُوَ الْأَصَحّ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهَا، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَنْ اِقْتَنَى كَلْب صَيْد وَهُوَ رَجُل لَا يَصِيد. وَاللَّهُ أَعْلَم.
وَأَمَّا الْأَمْر بِقَتْلِ الْكَلْب؛ فَقَالَ أَصْحَابنَا: إِنْ كَانَ الْكَلْب عَقُورًا قُتِلَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَقُورًا لَمْ يَجُزْ قَتْله، سَوَاء كَانَ فيه مَنْفَعَة مِنْ الْمَنَافِع الْمَذْكُورَة أَوْ لَمْ يَكُنْ.
قَالَ الْإِمَام أَبُو الْمَعَالِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْأَمْر بِقَتْلِ الْكِلَاب مَنْسُوخ قَالَ: وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَاب مَرَّة، ثُمَّ صَحَّ أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِهَا، قَالَ: وَاسْتَقَرَّ الشَّرْع عَلَيْهِ عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
قَالَ: وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَد الْبَهِيم، وَكَانَ هَذَا فِي الِابْتِدَاء وَهُوَ الْآن مَنْسُوخ. هَذَا كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَلَا مَزِيد عَلَى تَحْقِيقه. وَاللَّهُ أَعْلَم.
418- سبق شرحه بالباب.
419- سبق شرحه بالباب.
420- سبق شرحه بالباب.
421- سبق شرحه بالباب.
422- سبق شرحه بالباب.