فصل: باب وَضْعِ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ تَحْتَ صَدْرِهِ فَوْقَ سُرَّتِهِ وَوَضْعِهِمَا فِي السُّجُودِ عَلَى الأَرْضِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المشهور بـ «شرح النووي على مسلم»



.باب إِثْبَاتِ التَّكْبِيرِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ فِي الصَّلاَةِ إِلاَّ رَفْعَهُ مِنَ الرُّكُوعِ:

فيه: «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فَيُكَبِّر كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَلَمَّا اِنْصَرَفَ قَالَ: وَاَللَّه إِنِّي لَأَشْبَهكُمْ صَلَاة بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» وَفِي رِوَايَة عَنْهُ: «كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاة يُكَبِّر حِين يَقُوم. ثُمَّ يُكَبِّر حِين يَرْكَع، ثُمَّ يَقُول: سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ حِين يَرْفَع صُلْبه مِنْ الرُّكُوع، ثُمَّ يَقُول وَهُوَ قَائِم: رَبّنَا لَك الْحَمْد، ثُمَّ يُكَبِّر حِين يَهْوَى سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّر حِين يَرْفَع رَأْسه، ثُمَّ يُكَبِّر حِين يَسْجُد ثُمَّ يُكَبِّر حِين يَرْفَع رَأْسه، ثُمَّ يَفْعَل ذَلِكَ فِي الصَّلَاة كُلّهَا حَتَّى يَقْضِيهَا، وَيُكَبِّر حِين يَقُوم مِنْ الْمَثْنَى بَعْد الْجُلُوس» فيه إِثْبَات التَّكْبِير فِي كُلّ خَفْض وَرَفْع إِلَّا فِي رَفْعه مِنْ الرُّكُوع فَإِنَّهُ يَقُول: سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ الْيَوْم وَمِنْ الْأَعْصَار الْمُتَقَدِّمَة، وَقَدْ كَانَ فيه خِلَاف فِي زَمَن أَبِي هُرَيْرَة، وَكَانَ بَعْضهمْ لَا يَرَى التَّكْبِير إِلَّا لِلْإِحْرَامِ، وَبَعْضهمْ يَزِيد عَلَيْهِ بَعْض مَا جَاءَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة، وَكَانَ هَؤُلَاءِ لَمْ يَبْلُغهُمْ فِعْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِهَذَا كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول: إِنِّي لَأَشْبَهكُمْ صَلَاة بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتَقَرَّ الْعَمَل عَلَى مَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هَذَا، فَفِي كُلّ صَلَاة ثُنَائِيَّة إِحْدَى عَشْرَة تَكْبِيرَة: وَهِيَ تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَخَمْس فِي كُلّ رَكْعَة. وَفِي الثُّلَاثِيَّة سَبْع عَشْرَة: وَهِيَ تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَتَكْبِيرَة الْقِيَام مِنْ التَّشَهُّد الْأَوَّل، وَخَمْس فِي كُلّ رَكْعَة. وَفِي الرُّبَاعِيَّة ثِنْتَانِ وَعِشْرُونَ فَفِي الْمَكْتُوبَات الْخَمْس أَرْبَع وَتِسْعُونَ تَكْبِيرَة. وَاعْلَمْ أَنَّ تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَاجِبَة، وَمَا عَدَاهَا سُنَّة، لَوْ تَرَكَهُ صَحَّتْ صَلَاته، لَكِنْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَة، وَمُوَافَقَة السُّنَّة. هَذَا مَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا أَحْمَد بْن حَنْبَل رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ أَنَّ جَمِيع التَّكْبِيرَات وَاجِبَة، وَدَلِيل الْجُمْهُور أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ الصَّلَاة فَعَلَّمَهُ وَاجِبَاتهَا فَذَكَرَ مِنْهَا تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَلَمْ يَذْكُر مَا زَادَ، وَهَذَا مَوْضِع الْبَيَان وَوَقْته، وَلَا يَجُوز التَّأْخِير عَنْهُ.
وَقَوْله: «يُكَبِّر حِين يَهْوِي سَاجِدًا. ثُمَّ يُكَبِّر حِين يَرْفَع، وَيُكَبِّر حِين يَقُوم، مِنْ الْمَثْنَى» هَذَا دَلِيل عَلَى مُقَارَنَة التَّكْبِير لِهَذِهِ الْحَرَكَات وَبَسْطه عَلَيْهَا فَيَبْدَأ بِالتَّكْبِيرِ حِين يَشْرَع فِي الِانْتِقَال إِلَى الرُّكُوع وَيَمُدّهُ حَتَّى يَصِل حَدَّ الرَّاكِعِينَ، ثُمَّ يَشْرَع فِي تَسْبِيح الرُّكُوع، وَيَبْدَأ بِالتَّكْبِيرِ حِين يَشْرَع فِي الْهُوِيّ إِلَى السُّجُود وَيَمُدّهُ حَتَّى يَضَع جَبْهَته عَلَى الْأَرْض، ثُمَّ يَشْرَع فِي تَسْبِيح السُّجُود وَيَبْدَأ فِي قَوْله سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ حِين يَشْرَع فِي الرَّفْع مِنْ الرُّكُوع وَيَمُدّهُ حَتَّى يَنْتَصِب قَائِمًا، ثُمَّ يَشْرَع فِي ذِكْر الِاعْتِدَال وَهُوَ رَبّنَا لَك الْحَمْد إِلَى آخِره، وَيَشْرَع فِي التَّكْبِير لِلْقِيَامِ مِنْ التَّشَهُّد الْأَوَّل حِين يَشْرَع فِي الِانْتِقَال وَيَمُدّهُ حَتَّى يَنْتَصِب قَائِمًا. هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَبِهِ قَالَ مَالِك أَنَّهُ لَا يُكَبِّر لِلْقِيَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَوِي قَائِمًا، وَدَلِيل الْجُمْهُور ظَاهِر الْحَدِيث. وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَطَائِفَة أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِكُلِّ مُصَلٍّ مِنْ إِمَام وَمَأْمُوم مُنْفَرِد أَنْ يَجْمَع بَيْن سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبّنَا لَك الْحَمْد فَيَقُول: سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ فِي حَال اِرْتِفَاعه، وَرَبّنَا لَك الْحَمْد فِي حَال اِسْتِوَائِهِ وَانْتِصَابه فِي الِاعْتِدَال؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُمَا جَمِيعًا وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَسَيَأْتِي بَسْط الْكَلَام فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَفُرُوعهَا وَشَرْح أَلْفَاظهَا وَمَعَانِيهَا حَيْثُ ذَكَرَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى بَعْد هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
590- سبق شرحه بالباب.
591- سبق شرحه بالباب.
594- قَوْله: (لَقَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فيه إِشَارَة إِلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ هَجَرَ اِسْتِعْمَال التَّكْبِير فِي الِانْتِقَالَات. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ:

فيه قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا صَلَاة لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب» وَفِي رِوَايَة: «مَنْ صَلَّى لَمْ يَقْرَأ فيها بِأُمِّ الْقُرْآن فَهِيَ خِدَاج ثَلَاثًا غَيْر تَمَام» فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَة: إِنَّا نَكُون وَرَاء الْإِمَام فَقَالَ: اِقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسك فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: «قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْت الصَّلَاة بَيْن وَبَيْن عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْد: الْحَمْد لِلَّهِ» إِلَى آخِره. وَفيه حَدِيث الْأَعْرَابِيّ الْمُسِيء صَلَاته.
وَأَمَّا الْأَحْكَام فَفيه وُجُوب قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَأَنَّهَا مُتَعَيِّنَة لَا يُجْزِي غَيْرهَا إِلَّا لِعَاجِزٍ عَنْهَا، وَهَذَا مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَجُمْهُور الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَطَائِفَة قَلِيلَة: لَا تَجِب الْفَاتِحَة بَلْ الْوَاجِب آيَة مِنْ الْقُرْآن لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اِقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ»، وَدَلِيل الْجُمْهُور قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا صَلَاة إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآن». فَإِنْ قَالُوا: الْمُرَاد لَا صَلَاة كَامِلَة قُلْنَا هَذَا خِلَاف ظَاهِر اللَّفْظ، وَمِمَّا يُؤَيِّدهُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُجْزِي صَلَاة لَا يُقْرَأ فيها بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب» رَوَاه أَبُو بَكْر بْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه بِإِسْنَادٍ صَحِيح، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بْن حِبَّان، وَأَمَّا حَدِيث: «اِقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ» فَمَحْمُول عَلَى الْفَاتِحَة فَإِنَّهَا مُتَيَسِّرَة، أَوْ عَلَى مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَة بَعْدهَا، أَوْ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ الْفَاتِحَة.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا صَلَاة لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب» فيه دَلِيل لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَاجِبَة عَلَى الْإِمَام وَالْمَأْمُوم وَالْمُنْفَرِد، وَمِمَّا يُؤَيِّد وُجُوبهَا عَلَى الْمَأْمُوم قَوْل أَبِي هُرَيْرَة: اِقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسك فَمَعْنَاهُ اِقْرَأْهَا سِرًّا بِحَيْثُ تُسْمِع نَفْسك، وَأَمَّا مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ بَعْض الْمَالِكِيَّة وَغَيْرهمْ أَنَّ الْمُرَاد تَدَبُّر ذَلِكَ وَتَذَكُّره فَلَا يُقْبَل لِأَنَّ الْقِرَاءَة لَا تُطْلَق إِلَّا عَلَى حَرَكَة اللِّسَان بِحَيْثُ يُسْمِع نَفْسه، وَلِهَذَا اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْجُنُب لَوْ تَدَبَّرَ الْقُرْآن بِقَلْبِهِ مِنْ غَيْر حَرَكَة لِسَانه لَا يَكُون قَارِئًا مُرْتَكِبًا لِقِرَاءَةِ الْجُنُب الْمُحَرَّمَة. وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ، وَرَبِيعَة وَمُحَمَّد بْن أَبِي صُفْرَة مِنْ أَصْحَاب مَالِك أَنَّهُ لَا يَجِب قِرَاءَة أَصْلًا وَهِيَ رِوَايَة شَاذَّة عَنْ مَالِك، وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ: لَا يَجِب الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بَلْ هُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ قَرَأَ، وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ، وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ، وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف وُجُوب الْفَاتِحَة فِي كُلّ رَكْعَة لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ: «ثُمَّ اِفْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتك كُلّهَا».
598- قَوْله: (فَالْخِدَاج) بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة قَالَ الْخَلِيل بْن أَحْمَد وَالْأَصْمَعِيّ وَأَبُو حَاتِم السِّجِسْتَانِيّ وَالْهَرَوِيّ وَآخَرُونَ: الْخِدَاج النُّقْصَان، يُقَال: خَدَجَتْ النَّاقَة إِذَا أَلْقَتْ وَلَدهَا قَبْل أَوَان النِّتَاج، وَإِنْ كَانَ تَامّ الْخَلْق، وَأَخْدَجَتْهُ إِذَا وَلَدَتْهُ نَاقِصًا وَإِنْ كَانَ لِتَمَامِ الْوِلَادَة، وَمِنْهُ قِيلَ لِذِي الْيَدَيْنِ: مُخْدِج الْيَد أَيْ نَاقِصهَا. قَالُوا فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خِدَاج» أَيْ ذَات خِدَاج.
وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل اللُّغَة: خَدَجَتْ وَأُخْدِجَتْ إِذَا وَلَدَتْ لِغَيْرِ تَمَام. وَأُمّ الْقُرْآن اِسْم الْفَاتِحَة وَسُمِّيَتْ أُمّ الْقُرْآن لِأَنَّهَا فَاتِحَته كَمَا سُمِّيَتْ مَكَّة أُمّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَصْلهَا.
قَوْله عَزَّ وَجَلَّ: «مَجَّدَنِي عَبْدِي» أَيْ عَظَّمَنِي.
قَوْله: (أَنَّ أَبَا السَّائِب أَخْبَرَهُ) أَبُو السَّائِب هَذَا لَا يَعْرِفُونَ لَهُ اِسْمًا وَهُوَ ثِقَة.
قَوْله: (حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن جَعْفَر الْمَعْقِرِيّ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَإِسْكَان الْعَيْن وَكَسْر الْقَاف مَنْسُوب إِلَى مَعْقِر وَهِيَ نَاحِيَة مِنْ الْيَمَن.
قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى: «قَسَمْت الصَّلَاة بَيْنِي وَبَيْن عَبْدِي نِصْفَيْنِ» الْحَدِيث قَالَ الْعُلَمَاء: الْمُرَاد بِالصَّلَاةِ هُنَا الْفَاتِحَة سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تَصِحّ إِلَّا بِهَا كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَجّ عَرَفَة» فَفيه دَلِيل عَلَى وُجُوبهَا بِعَيْنِهَا فِي الصَّلَاة قَالَ الْعُلَمَاء: وَالْمُرَاد قِسْمَتهَا مِنْ جِهَة الْمَعْنَى لِأَنَّ نِصْفهَا الْأَوَّل تَحْمِيد لِلَّهِ تَعَالَى. وَتَمْجِيد وَثَنَاء عَلَيْهِ، وَتَفْوِيض إِلَيْهِ، وَالنِّصْف الثَّانِي سُؤَال وَطَلَب وَتَضَرُّع وَافْتِقَار، وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْبَسْمَلَة لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَة بِهَذَا الْحَدِيث، وَهُوَ مِنْ أَوْضَح مَا اِحْتَجُّوا بِهِ قَالُوا: لِأَنَّهَا سَبْع آيَات بِالْإِجْمَاعِ، فَثَلَاث فِي أَوَّلهَا ثَنَاء أَوَّلهَا الْحَمْد لِلَّهِ، وَثَلَاث دُعَاء أَوَّلهَا اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم، وَالسَّابِعَة مُتَوَسِّطَة وَهِيَ إِيَّاكَ نَعْبُد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين. قَالُوا: وَلِأَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى قَالَ قَسَمْت الصَّلَاة بَيْنِي وَبَيْن عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَإِذَا قَالَ الْعَبْد: (الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ) فَلَمْ يَذْكُر الْبَسْمَلَة، وَلَوْ كَانَتْ مِنْهَا لَذَكَرَهَا، وَأَجَابَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِمَّنْ يَقُول إِنَّ الْبَسْمَلَة آيَة مِنْ الْفَاتِحَة بِأَجْوِبَةٍ أَحَدهَا أَنَّ التَّنْصِيف عَائِد إِلَى جُمْلَة الصَّلَاة لَا إِلَى الْفَاتِحَة، هَذَا حَقِيقَة اللَّفْظ، وَالثَّانِي أَنَّ التَّنْصِيف عَائِد إِلَى مَا يَخْتَصّ بِالْفَاتِحَةِ مِنْ الْآيَات الْكَامِلَة، وَالثَّالِث مَعْنَاهُ فَإِذَا اِنْتَهَى الْعَبْد فِي قِرَاءَته إِلَى الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ.
قَالَ الْعُلَمَاء: وَقَوْله تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي وَأَثْنَى عَلَيَّ وَمَجَّدَنِي إِنَّمَا قَالَهُ لِأَنَّ التَّحْمِيد الثَّنَاء بِجَمِيلِ الْفِعَال، وَالتَّمْجِيد الثَّنَاء بِصِفَاتِ الْجَلَال، وَيُقَال: أَثْنَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلّه، وَلِهَذَا جَاءَ جَوَابًا لِلرَّحْمَنِ الرَّحِيم، لِاشْتِمَالِ اللَّفْظَيْنِ عَلَى الصِّفَات الذَّاتِيَّة وَالْفِعْلِيَّة. وَقَوْله: وَرُبَّمَا قَالَ: (فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي) وَجْه مُطَابَقَة هَذَا لِقَوْلِهِ (مَالِك يَوْم الدِّين) أَنَّ اللَّه تَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِد بِالْمُلْكِ ذَلِكَ الْيَوْم وَبِجَزَاءِ الْعِبَاد وَحِسَابهمْ. وَالدِّين الْحِسَاب، وَقِيلَ: الْجَزَاء، وَلَا دَعْوَى لِأَحَدٍ ذَلِكَ الْيَوْم، وَلَا مَجَاز، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَلِبَعْضِ الْعِبَاد مُلْك مَجَازِيّ، وَيَدَّعِي بَعْضهمْ دَعْوَى بَاطِلَة، وَهَذَا كُلّه يَنْقَطِع فِي ذَلِكَ الْيَوْم، هَذَا مَعْنَاهُ، وَإِلَّا فَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى هُوَ الْمَالِك وَالْمُلْك عَلَى الْحَقِيقَة لِلدَّارَيْنِ وَمَا فيهمَا وَمَنْ فيهمَا، وَكُلّ مَنْ سِوَاهُ مَرْبُوب لَهُ عَبْد مُسَخَّر، ثُمَّ فِي هَذَا الِاعْتِرَاف مِنْ التَّعْظِيم وَالتَّمْجِيد وَتَفْوِيض الْأَمْر مَا لَا يَخْفَى.
وَقَوْله تَعَالَى: «فَإِذَا قَالَ الْعَبْد اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم إِلَى آخِر السُّورَة فَهَذَا لِعَبْدِي» هَكَذَا هُوَ فِي صَحِيح مُسْلِم، وَفِي غَيْره فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَة دَلِيل عَلَى أَنَّ اِهْدِنَا وَمَا بَعْده إِلَى آخِر السُّورَة ثَلَاث آيَات لَا آيَتَانِ، وَفِي الْمَسْأَلَة خِلَاف مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَة مِنْ الْفَاتِحَة أَمْ لَا؛ فَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْأَكْثَرِينَ أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَة، وَأَنَّهَا آيَة، وَاهْدِنَا وَمَا بَعْده آيَتَانِ، وَمَذْهَب مَالِك وَغَيْره مِمَّنْ يَقُول إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَة يَقُول: اِهْدِنَا وَمَا بَعْده ثَلَاث آيَات، وَلِلْأَكْثَرِينَ أَنْ يَقُولُوا قَوْله هَؤُلَاءِ الْمُرَاد بِهِ الْكَلِمَات لَا الْآيَات. بِدَلِيلِ رِوَايَة مُسْلِم: فَهَذَا لِعَبْدِي وَهَذَا أَحْسَن مِنْ الْجَوَاب بِأَنَّ الْجَمْع مَحْمُول عَلَى الِاثْنَيْنِ لِأَنَّ هَذَا مَجَاز عِنْد الْأَكْثَرِينَ فَيَحْتَاج إِلَى دَلِيل عَلَى صَرْفه عَنْ الْحَقِيقَة إِلَى الْمَجَاز وَاَللَّه أَعْلَم.
599- وَقَوْل أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: «إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا صَلَاة إِلَّا بِقِرَاءَةٍ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَمَا أَعْلَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَنَّاهُ لَكُمْ، وَمَا أَخْفَاهُ أَخْفَيْنَاهُ لَكُمْ» مَعْنَاهُ مَا جَهَرَ فيه بِالْقِرَاءَةِ جَهَرْنَا بِهِ، وَمَا أَسَرَّ أَسْرَرْنَا بِهِ، وَقَدْ اِجْتَمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَتَيْ الصُّبْح وَالْجُمْعَة وَالْأُولَيَيْنِ مِنْ الْمَغْرِب وَالْعِشَاء، وَعَلَى الْإِسْرَار فِي الظُّهْر وَالْعَصْر وَثَالِثَة الْمَغْرِب وَالْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْعِشَاء، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِيد وَالِاسْتِسْقَاء، وَمَذْهَبنَا الْجَهْر فيهمَا. وَفِي نَوَافِل اللَّيْل قِيلَ: يَجْهَر فيها، وَقِيلَ: بَيْن الْجَهْر وَالْإِسْرَار. وَنَوَافِل النَّهَار يُسِرّ بِهَا، وَالْكُسُوف يُسِرّ بِهَا نَهَارًا وَيَجْهَر لَيْلًا. وَالْجِنَازَة يُسِرّ بِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا وَقِيلَ: يَجْهَر لَيْلًا. وَلَوْ فَاتَهُ صَلَاة لَيْلَة كَالْعِشَاءِ فَقَضَاهَا فِي لَيْلَة أُخْرَى جَهَرَ، وَإِنْ قَضَاهَا نَهَارًا فَوَجْهَانِ: الْأَصَحّ يُسِرّ، وَالثَّانِي يَجْهَر. وَإِنْ فَاتَهُ نَهَارِيَّة كَالظُّهْرِ فَقَضَاهَا نَهَارًا أَسَرَّ، إِنْ قَضَاهَا لَيْلًا فَوَجْهَانِ: الْأَصَحّ يَجْهَر، وَالثَّانِي يُسِرّ. وَحَيْثُ قُلْنَا يَجْهَر أَوْ يُسِرّ فَهُوَ سُنَّة فَلَوْ تَرَكَهُ صَحَّتْ صَلَاته، وَلَا يَسْجُد لِلسَّهْوِ عِنْدنَا.
601- قَوْله: «وَمَنْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَاب أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَمَنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَل» فيه دَلِيل لِوُجُوبِ الْفَاتِحَة وَأَنَّهُ لَا يُجْزِي غَيْرهَا، وَفيه اِسْتِحْبَاب السُّورَة بَعْدهَا، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ فِي الصُّبْح وَالْجُمْعَة وَالْأُولَيَيْنِ مِنْ كُلّ الصَّلَوَات، وَهُوَ سُنَّة عِنْد جَمِيع الْعُلَمَاء. وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى عَنْ بَعْض أَصْحَاب مَالِك وُجُوب السُّورَة وَهُوَ شَاذّ مَرْدُود.
وَأَمَّا السُّورَة فِي الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ تُسْتَحَبّ أَمْ لَا؟ وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَاسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي قَوْله الْجَدِيد دُون الْقَدِيم، وَالْقَدِيم هُنَا أَصَحّ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مُخَيَّر إِنْ شَاءَ قَرَأَ وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ، وَهَذَا ضَعِيف، وَتُسْتَحَبّ السُّورَة فِي صَلَاة النَّافِلَة وَلَا تُسْتَحَبّ فِي الْجِنَازَة عَلَى الْأَصَحّ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّة عَلَى التَّخْفِيف، وَلَا يُزَاد عَلَى الْفَاتِحَة إِلَّا التَّأْمِين عَقِبهَا، وَيُسْتَحَبّ أَنْ تَكُون السُّورَة فِي الصُّبْح وَالْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْر مِنْ طِوَال الْمُفَصَّل، وَفِي الْعَصْر وَالْعِشَاء مِنْ أَوْسَاطه، وَفِي الْمَغْرِب مِنْ قِصَاره، وَاخْتَلَفُوا فِي تَطْوِيل الْقِرَاءَة فِي الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَة وَالْأَشْهَر عِنْدنَا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبّ بَلْ يُسَوِّي بَيْنهمَا، وَالْأَصَحّ أَنْ يُطَوِّل الْأُولَى لِلْحَدِيثِ الصَّحِيح: وَكَانَ يُطَوِّل فِي الْأُولَى مَا لَا يُطَوِّل فِي الثَّانِيَة وَمَنْ قَالَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّة يَقُول: هِيَ أَخَفّ مِنْ الْأُولَيَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْصِير الرَّابِعَة عَلَى الثَّالِثَة. وَاَللَّه أَعْلَم. وَحَيْثُ شُرِعَتْ السُّورَة فَمَنْ تَرَكَهَا فَاتَتْهُ الْفَضِيلَة، وَلَا يَسْجُد لِلسَّهْوِ، وَقِرَاءَة سُورَة قَصِيرَة أَفْضَل مِنْ قِرَاءَة قَدْرهَا مِنْ طَوِيلَة، وَيَقْرَأ عَلَى تَرْتِيب الْمُصْحَف، وَيُكْرَه عَكْسه، وَلَا تَبْطُل بِهِ الصَّلَاة، وَيَجُوز الْقِرَاءَة بِالْقِرَاءَاتِ السَّبْع، وَلَا يَجُوز بِالشَّوَاذِّ، وَإِذَا لَحَنَ فِي الْفَاتِحَة لَحْنًا يُخِلّ الْمَعْنَى كَضَمِّ تَاء (أَنْعَمْت) أَوْ كَسْرهَا أَوْ كَسْر كَاف (إِيَّاكَ) بَطَلَتْ صَلَاته. وَإِنْ لَمْ يُخِلّ الْمَعْنَى كَفَتْحِ الْبَاء مِنْ (الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ) وَنَحْوه كُرِهَ وَلَمْ تَبْطُل صَلَاته، وَيَجِب تَرْتِيب قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَمُوَالَاتهَا، وَيَجِب قِرَاءَتهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيَحْرُم بِالْعَجَمِيَّةِ، وَلَا تَصِحّ الصَّلَاة بِهَا، سَوَاء عَرَفَ الْعَرَبِيَّة أَمْ لَا، وَيُشْتَرَط فِي الْقِرَاءَة وَفِي كُلّ الْأَذْكَار إِسْمَاع نَفْسه، وَالْأَخْرَس وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ يُحَرِّك لِسَانه وَشَفَتَيْهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَان وَيُجْزِئهُ. وَاَللَّه أَعْلَم.
602- قَوْله: «دَخَلَ رَجُل فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَام فَقَالَ: اِرْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ، فَرَجَعَ الرَّجُل فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَعَلَيْك السَّلَام ثُمَّ قَالَ: اِرْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاث مَرَّات، فَقَالَ الرَّجُل: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أُحْسِن غَيْر هَذَا عَلِّمْنِي قَالَ: إِذَا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَكَبِّرْ، ثُمَّ اِقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآن، ثُمَّ اِرْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنّ رَاكِعًا، ثُمَّ اِرْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِل قَائِمًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنّ سَاجِدًا، ثُمَّ اِرْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنّ جَالِسًا، ثُمَّ اِفْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتك كُلّهَا» وَفِي رِوَايَة: «إِذَا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَأَسْبِغْ الْوُضُوء ثُمَّ اِسْتَقْبِلْ الْقِبْلَة فَكَبِّرْ» هَذَا الْحَدِيث مُشْتَمِل عَلَى فَوَائِد كَثِيرَة وَلْيُعْلَم أَوَّلًا أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى بَيَان الْوَاجِبَات دُون السُّنَن فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَذْكُر فيه كُلّ الْوَاجِبَات فَقَدْ بَقِيَ وَاجِبَات مُجْمَع عَلَيْهَا وَمُخْتَلَف فيها فَمِنْ الْمُجْمَع عَلَيْهِ النِّيَّة، وَالْقُعُود فِي التَّشَهُّد الْأَخِير، وَتَرْتِيب أَرْكَان الصَّلَاة. وَمِنْ الْمُخْتَلَف فيه: التَّشَهُّد الْأَخِيرَة وَالصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذِهِ الثَّلَاثَة وَاجِبَة عِنْد الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى، وَقَالَ بِوُجُوبِ السَّلَام الْجُمْهُور، وَأَوْجَبَ التَّشَهُّد كَثِيرُونَ، وَأَوْجَبَ الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الشَّافِعِيّ الشَّعْبِيّ وَأَحْمَد بْن حَنْبَل وَأَصْحَابهمَا، وَأَوْجَبَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ نِيَّة الْخُرُوج مِنْ الصَّلَاة، وَأَوْجَبَ أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى التَّشَهُّد الْأَوَّل، وَكَذَلِكَ التَّسْبِيح وَتَكْبِيرَات الِانْتِقَالَات، فَالْجَوَاب أَنَّ الْوَاجِبَات الثَّلَاثَة الْمُجْمَع عَلَيْهَا كَانَتْ مَعْلُومَة عِنْد السَّائِل فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى بَيَانهَا، وَكَذَا الْمُخْتَلَف فيه عِنْد مَنْ يُوجِبهُ يَحْمِلهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْده، وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ إِقَامَة الصَّلَاة لَيْسَتْ وَاجِبَة، وَفيه وُجُوب الطَّهَارَة، وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَة، وَتَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَالْقِرَاءَة، وَفيه أَنَّ التَّعَوُّذ، وَدُعَاء الِافْتِتَاح، وَرَفْع الْيَدَيْنِ فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَوَضْع الْيَد الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى. وَتَكْبِيرَات الِانْتِقَالَات، وَتَسْبِيحَات الرُّكُوع وَالسُّجُود، وَهَيْئَات الْجُلُوس، وَوَضْع الْيَد عَلَى الْفَخِذ، وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَذْكُرهُ فِي الْحَدِيث لَيْسَ بِوَاجِبٍ إِلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمُجْمَع عَلَيْهِ وَالْمُخْتَلَف فيه. وَفيه دَلِيل عَلَى وُجُوب الِاعْتِدَال عَنْ الرُّكُوع، وَالْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ. وَوُجُوب الطُّمَأْنِينَة فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود، وَالْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ، وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور، وَلَمْ يُوجِبهَا أَبُو حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى، وَطَائِفَة يَسِيرَة، وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ عَنْهُ جَوَاب صَحِيح.
وَأَمَّا الِاعْتِدَال فَالْمَشْهُور مِنْ مَذْهَبنَا وَمَذَاهِب الْعُلَمَاء يَجِب الطُّمَأْنِينَة فيه كَمَا يَجِب فِي الْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ، وَتَوَقَّفَ فِي إِيجَابهَا بَعْض أَصْحَابنَا. وَاحْتَجَّ هَذَا الْقَائِل بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيث: «ثُمَّ اِرْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِل قَائِمًا» فَاكْتَفَى بِالِاعْتِدَالِ وَلَمْ يَذْكُر الطُّمَأْنِينَة كَمَا ذَكَرَهَا فِي الْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ، وَفِي الرُّكُوع وَالسُّجُود. وَفيه وُجُوب الْقِرَاءَة فِي الرَّكَعَات كُلّهَا وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور كَمَا سَبَقَ. وَفيه أَنَّ الْمُفْتِي إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْء وَكَانَ هُنَاكَ شَيْء آخَر يَحْتَاج إِلَيْهِ السَّائِل وَلَمْ يَسْأَلهُ عَنْهُ يُسْتَحَبّ لَهُ أَنْ يَذْكُرهُ لَهُ وَيَكُون هَذَا مِنْ النَّصِيحَة لَا مِنْ الْكَلَام فِيمَا لَا يَعْنِي، وَمَوْضِع الدَّلَالَة أَنَّهُ قَالَ: عَلِّمْنِي يَا رَسُول اللَّه أَيْ عَلِّمْنِي الصَّلَاة فَعَلَّمَهُ الصَّلَاة، وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَة، وَالْوُضُوء، وَلَيْسَا مِنْ الصَّلَاة لَكِنَّهُمَا شَرْطَانِ لَهَا. وَفيه الرِّفْق بِالْمُتَعَلِّمِ وَالْجَاهِل وَمُلَاطَفَته وَإِيضَاح الْمَسْأَلَة وَتَلْخِيص الْمَقَاصِد وَالِاقْتِصَار فِي حَقّه عَلَى الْمُهِمّ دُون الْمُكَمِّلَات الَّتِي لَا يَحْتَمِل حَاله حِفْظهَا وَالْقِيَام بِهَا. وَفيه اِسْتِحْبَاب السَّلَام عِنْد اللِّقَاء، وَوُجُوب رَدّه، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبّ تَكْرَاره إِذَا تَكَرَّرَ اللِّقَاء، وَإِنْ قَرُبَ الْعَهْد، وَأَنَّهُ يَجِب رَدّه فِي كُلّ مَرَّة، وَأَنَّ صِيغَة الْجَوَاب وَعَلَيْكُمْ السَّلَام أَوْ وَعَلَيْك بِالْوَاوِ، وَهَذِهِ الْوَاو مُسْتَحَبَّة عِنْد الْجُمْهُور، وَأَوْجَبَهَا بَعْض أَصْحَابنَا. وَلَيْسَ بِشَيْءٍ بَلْ الصَّوَاب أَنَّهَا سُنَّة.
قَالَ اللَّه تَعَالَى: {قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَام} وَفيه أَنَّ مَنْ أَخَلَّ بِبَعْضِ وَاجِبَات الصَّلَاة لَا تَصِحّ صَلَاته، وَلَا يُسَمَّى مُصَلِّيًا بَلْ يُقَال: لَمْ تُصَلِّ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَرَكَهُ مِرَارًا يُصَلِّي صَلَاة فَاسِدَة فَالْجَوَاب أَنَّهُ لَمْ يُؤْذِن لَهُ فِي صَلَاة فَاسِدَة، وَلَا عَلِمَ مِنْ حَاله أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي الْمَرَّة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة فَاسِدَة، بَلْ هُوَ مُحْتَمَل أَنْ يَأْتِي بِهَا صَحِيحَة وَإِنَّمَا لَمْ يُعَلِّمْهُ أَوَّلًا لِيَكُونَ أَبْلَغ فِي تَعْرِيفه وَتَعْرِيف غَيْره بِصِفَةِ الصَّلَاة الْمُجْزِئَة كَمَا أَمَرَهُمْ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ ثُمَّ بِفَسْخِهِ إِلَى الْعُمْرَة لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي تَقْرِير ذَلِكَ عِنْدهمْ. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث فِي مُسْلِم عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عُبَيْد اللَّه قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي اِسْتِدْرَاكَاته: خَالَفَ يَحْيَى بْن سَعِيد فِي هَذَا جَمِيع أَصْحَاب عُبَيْد اللَّه فَكُلّهمْ رَوَوْهُ عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ سَعِيد عَنْ أَبَى هُرَيْرَة ثُمَّ يَذْكُرُوا أَبَاهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَيَحْيَى حَافِظ فَيَعْتَمِد مَا رَوَاهُ فَحَصَلَ أَنَّ الْحَدِيث صَحِيح لَا عِلَّة فيه، وَلَوْ كَانَ الصَّحِيح مَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ لَمْ يَضُرّ فِي صِحَّة الْمَتْن، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان مِثْل هَذَا مَرَّات فِي أَوَّل الْكِتَاب وَمَقْصُودِي بِذِكْرِ هَذَا أَلَّا يَغْتَرّ بِذِكْرِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَوْ غَيْره لَهُ فِي الِاسْتِدْرَاكَات. وَاَللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَم.

.باب نَهْيِ الْمَأْمُومِ عَنْ جَهْرِهِ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ إِمَامِهِ:

فيه قَوْله: «صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة الظُّهْر أَوْ الْعَصْر فَقَالَ أَيّكُمْ قَرَأَ خَلْفِي سَبِّحْ اِسْم رَبّك الْأَعْلَى فَقَالَ رَجُل: أَنَا وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا الْخَيْر قَالَ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ بَعْضكُمْ خَالَجَنِيهَا» وَفِي الرِّوَايَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ أَنَّهُ كَانَ فِي صَلَاة الظُّهْر بِلَا شَكٍّ. «خَالَجَنِيهَا» أَيْ نَازَعَنِيهَا وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَام الْإِنْكَار عَلَيْهِ، وَالْإِنْكَار فِي جَهْره أَوْ رَفْع صَوْته بِحَيْثُ أَسْمَع غَيْره لَا عَنْ أَصْل الْقِرَاءَة، بَلْ فيه أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ بِالسُّورَةِ فِي الصَّلَاة السِّرِّيَّة، وَفيه إِثْبَات قِرَاءَة السُّورَة فِي الظُّهْر لِلْإِمَامِ وَلِلْمَأْمُومِ، وَهَذَا الْحُكْم عِنْدنَا وَلَنَا وَجْه شَاذّ ضَعِيف أَنَّهُ لَا يَقْرَأ الْمَأْمُوم السُّورَة فِي السِّرِّيَّة كَمَا لَا يَقْرَؤُهَا فِي الْجَهْرِيَّة، وَهَذَا غَلَط لِأَنَّهُ فِي الْجَهْرِيَّة يُؤْمَر بِالْإِنْصَاتِ، وَهُنَا لَا يَسْمَع فَلَا مَعْنَى لِسُكُوتِهِ مِنْ غَيْر اِسْتِمَاع وَلَوْ كَانَ فِي الْجَهْرِيَّة بَعِيدًا عَنْ الْإِمَام لَا يَسْمَع قِرَاءَته فَالْأَصَحّ أَنَّهُ يَقْرَأ السُّورَة لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (عَنْ قَتَادَة عَنْ زُرَارَة) وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة (عَنْ قَتَادَة قَالَ: سَمِعْت زُرَارَة) فيه فَائِدَة وَهِيَ أَنَّ قَتَادَة رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى مُدَلِّس وَقَدْ قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى (عَنْ) الْمُدَلِّس لَا يُحْتَجّ بِعَنْعَنَتِهِ إِلَّا أَنْ يَثْبُت سَمَاعه لِذَلِكَ الْحَدِيث مِمَّنْ عَنْعَنَ عَنْهُ فِي طَرِيق آخَر وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيه عَلَى هَذَا فِي مَوَاطِن كَثِيرَة. وَاَللَّه أَعْلَم.
603- سبق شرحه بالباب.
604- سبق شرحه بالباب.

.باب حُجَّةِ مَنْ قَالَ لاَ يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ:

فيه قَوْل أَنَس: «صَلَّيْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فَلَمْ أَسْمَع أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأ: بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم» وَفِي رِوَايَة: «وَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي أَوَّل قِرَاءَة وَلَا فِي آخِرهَا» فِي إِسْنَاده قَتَادَة عَنْ أَنَس وَفِي الطَّرِيق الثَّانِي قِيلَ لِقَتَادَةَ: أَسَمِعْته مِنْ أَنَس؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا تَصْرِيح بِسَمَاعِهِ فَيَنْتَفِي مَا يَخَاف مِنْ إِرْسَاله لِتَدْلِيسِهِ، وَقَدْ سَبَقَ مِثْله فِي آخِر الْبَاب قَبْله.

.باب حُجَّةِ مَنْ قَالَ الْبَسْمَلَةُ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ سِوَى بَرَاءَةَ:

607- فيه أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: «بَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَظْهُرنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَة، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه مُتَبَسِّمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَك يَا رَسُول اللَّه؟ قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَة فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم {إِنَّا أَعْطَيْنَاك الْكَوْثَر فَصَلِّ لِرَبِّك وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَك هُوَ الْأَبْتَر} ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَر؟ فَقُلْنَا: اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم، قَالَ: فَإِنَّهُ نَهْر وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، عَلَيْهِ خَيْر كَثِير، هُوَ حَوْض يَرِد عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْم الْقِيَامَة، آنِيَته عَدَد النُّجُوم، فَيَخْتَلِج الْعَبْد مِنْهُمْ فَأَقُول: رَبّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي فَيُقَال: مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدك» وَفِي رِوَايَة: «مَا أَحْدَث» وَفيها بَيْن أَظْهُرنَا فِي الْمَسْجِد.
قَوْله: (بَيْنَا) قَالَ الْجَوْهَرِيّ: (بَيْنَا) فِعْل أُشْبِعَتْ الْفَتْحَة فَصَارَتْ أَلِفًا وَاصِلَة، وَمَنْ قَالَ: وَبَيْنَمَا بِمَعْنَاهُ زِيدَتْ فيه (مَا) يَقُول: بَيْنَا نَحْنُ نَرْقُبهُ أَتَانَا أَيْ أَتَانَا بَيْن أَوْقَات رَقَبَتنَا إِيَّاهُ، ثُمَّ حَذَفَ الْمُضَاف الَّذِي هُوَ أَوْقَات قَالَ: وَكَانَ الْأَصْمَعِيّ يَخْفِض مَا بَعْد (بَيْنَا) إِذَا صَلَحَ فِي مَوْضِعه (بَيْن)، وَغَيْره مَا بَعْد بَيْنَا وَبَيْنَمَا عَلَى الِابْتِدَاء، وَالْخَبَر قَوْله: بَيْنَا أَظُهْرنَا أَيْ بَيْننَا. قَوْله: (أَغْفَى إِغْفَاءَة) أَيْ نَامَ. وَقَوْله: (آنِفًا) أَيْ قَرِيبًا وَهُوَ بِالْمَدِّ، وَيَجُوز الْقَصْر فِي لُغَة قَلِيلَة، وَقَدْ قُرِئَ بِهِ فِي السَّبْع. (وَالشَّانِئ) الْمُبْغِض، و(الْأَبْتَر) هُوَ الْمُنْقَطِع الْعَقِب، وَقِيلَ: الْمُنْقَطِع عَنْ كُلّ خَبَر قَالُوا: أُنْزِلَتْ فِي الْعَاصِ بْن وَائِل، و(الْكَوْثَر) هُنَا نَهْر فِي الْجَنَّة كَمَا فَسَّرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ فِي مَوْضِع آخَر عِبَارَة عَنْ الْخَيْر الْكَثِير، وَقَوْله: (يَخْتَلِج) أَيْ يَنْتَزِع وَيَقْتَطِع.
فِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا أَنَّ الْبَسْمَلَة فِي أَوَائِل السُّوَر مِنْ الْقُرْآن، وَهُوَ مَقْصُود مُسْلِم بِإِدْخَالِ الْحَدِيث هُنَا. وَفيه جَوَاز النَّوْم فِي الْمَسْجِد، وَجَوَاز نَوْم الْإِنْسَان بِحَضْرَةِ أَصْحَابه، وَأَنَّهُ إِذَا رَأَى التَّابِع مِنْ مَتْبُوعه تَبَسُّمًا أَوْ غَيْره مِمَّا يَقْتَضِي حُدُوث أَمْر يُسْتَحَبّ لَهُ أَنْ يَسْأَل عَنْ سَبَبه. وَفيه إِثْبَات الْحَوْض، وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب. وَسَيَأْتِي بَسْطه حَيْثُ ذَكَرَ مُسْلِم أَحَادِيثه فِي آخِر الْكِتَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
وَقَوْله: (لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدك) تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَّل كِتَاب الطَّهَارَة. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب وَضْعِ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ تَحْتَ صَدْرِهِ فَوْقَ سُرَّتِهِ وَوَضْعِهِمَا فِي السُّجُودِ عَلَى الأَرْضِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ:

608- فيه وَائِل بْن حُجْرٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَفَعَ يَدَيْهِ حِين دَخَلَ فِي الصَّلَاة كَبَّرَ حِيَال أُذُنَيْهِ، ثُمَّ اِلْتَحَفَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَده الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَع أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ الثَّوْب، ثُمَّ رَفَعَهُمَا، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ، فَلَمَّا قَالَ: سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ، رَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمَّا سَجَدَ، سَجَدَ بَيْن كَفيه» فيه (مُحَمَّد بْن جُحَادَة) بِجِيمٍ مَضْمُومَة ثُمَّ حَاء مُهْمَلَة مُخَفَّفَة ثُمَّ أَلِف ثُمَّ دَال مُهْمَلَة ثُمَّ هَاء.
قَوْله: (حِيَال أُذُنَيْهِ) بِكَسْرِ الْحَاء أَيْ قُبَالَتهمَا وَقَدْ سَبَقَ بَيَان كَيْفِيَّة رَفْعهمَا. فَفيه فَوَائِد مِنْهَا أَنَّ الْعَمَل الْقَلِيل فِي الصَّلَاة لَا يُبْطِلهَا لِقَوْلِهِ: كَبَّرَ ثُمَّ اِلْتَحَفَ، وَفيه اِسْتِحْبَاب رَفْع يَدَيْهِ عِنْد الدُّخُول فِي الصَّلَاة، وَعِنْد الرُّكُوع، وَعِنْد الرَّفْع مِنْهُ، وَفيه اِسْتِحْبَاب كَشْف الْيَدَيْنِ عِنْد الرَّفْع وَوَضْعهمَا فِي السُّجُود عَلَى الْأَرْض حَذْو مَنْكِبَيْهِ، وَاسْتِحْبَاب وَضْع الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى بَعْد تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَيَجْعَلهُمَا تَحْت صَدْره فَوْق سُرَّته، هَذَا مَذْهَبنَا الْمَشْهُور، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُور، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَأَبُو إِسْحَاق الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا: يَجْعَلهُمَا تَحْت سُرَّته، وَعَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ، وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ، وَرِوَايَة ثَالِثَة أَنَّهُ مُخَيَّر بَيْنهمَا وَلَا تَرْجِيح، وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَابْن الْمُنْذِر، وَعَنْ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا يَضَعهُمَا تَحْت صَدْره، وَالثَّانِيَة يُرْسِلهُمَا وَلَا يَضَع إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَهَذِهِ رِوَايَة جُمْهُور أَصْحَابه وَهِيَ الْأَشْهَر عِنْدهمْ، وَهِيَ مَذْهَب اللَّيْث بْن سَعْد، وَعَنْ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه أَيْضًا اِسْتِحْبَاب الْوَضْع فِي النَّفْل، وَالْإِرْسَال فِي الْفَرْض، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الْبَصْرِيُّونَ مِنْ أَصْحَابه. وَحُجَّة الْجُمْهُور فِي اِسْتِحْبَاب وَضْع الْيَمِين عَلَى الشِّمَال حَدِيث وَائِل الْمَذْكُور هُنَا، وَحَدِيث أَبِي حَازِم عَنْ سَهْل بْن سَعْد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّاس يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَع الرَّجُل الْيَد الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعَيْهِ فِي الصَّلَاة.
قَالَ أَبُو حَازِم: وَلَا أَعْلَمهُ إِلَّا يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، وَهَذَا حَدِيث صَحِيح مَرْفُوع كَمَا سَبَقَ فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب. وَعَنْ هُلْب الطَّائِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: «كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَؤُمّنَا فَيَأْخُذ شِمَاله بِيَمِينِهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حَسَن.
وَفِي الْمَسْأَلَة أَحَادِيث كَثِيرَة وَدَلِيل وَضْعهمَا فَوْق السُّرَّة حَدِيث وَائِل بْن حُجْرٍ قَالَ: «صَلَّيْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَضَعَ يَده الْيُمْنَى عَلَى يَده الْيُسْرَى عَلَى صَدْره». رَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحه.
وَأَمَّا حَدِيث عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ السُّنَّة فِي الصَّلَاة وَضْع الْأَكُفّ عَلَى الْأَكُفّ تَحْت السُّرَّة ضَعِيف مُتَّفَق عَلَى تَضْعِيفه. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيّ مِنْ رِوَايَة أَبِي شَيْبَة عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق الْوَاسِطِيّ. وَهُوَ ضَعِيف بِالِاتِّفَاقِ.
قَالَ الْعُلَمَاء: وَالْحِكْمَة فِي وَضْع إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى أَنَّهُ أَقْرَب إِلَى الْخُشُوع وَمَنَعَهُمَا مِنْ الْعَبَث. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب التَّشَهُّدِ فِي الصَّلاَةِ:

فيه تَشَهُّد اِبْن مَسْعُود وَتَشَهُّد اِبْن عَبَّاس وَتَشَهُّد أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَازهَا كُلّهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَل مِنْهَا، فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَبَعْض أَصْحَاب مَالِك أَنَّ تَشَهُّد اِبْن عَبَّاس أَفْضَل لِزِيَادَةِ لَفْظَة الْمُبَارَكَات فيه وَهِيَ مُوَافِقَة لِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {تَحِيَّة مِنْ عِنْد اللَّه مُبَارَكَة طَيِّبَة} وَلِأَنَّهُ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: يُعَلِّمنَا التَّشَهُّد كَمَا يُعَلِّمنَا السُّورَة مِنْ الْقُرْآن.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا، وَجُمْهُور الْفُقَهَاء، وَأَهْل الْحَدِيث: تَشَهُّد اِبْن مَسْعُود أَفْضَل لِأَنَّهُ عِنْد الْمُحَدِّثِينَ أَشَدّ صِحَّة، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيع صَحِيحًا.
وَقَالَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: تَشَهُّد عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ أَفْضَل لِأَنَّهُ عَلَّمَهُ النَّاس عَلَى الْمِنْبَر، وَلَمْ يُنَازِعهُ أَحَد، فَدَلَّ عَلَى تَفْضِيله وَهُوَ: التَّحِيَّات لِلَّهِ الزَّاكِيَات لِلَّهِ الطَّيِّبَات الصَّلَوَات لِلَّهِ سَلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ إِلَى آخِره. وَاخْتَلَفُوا فِي التَّشَهُّد هَلْ هُوَ وَاجِب أَمْ سُنَّة؟ فَقَالَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَطَائِفَة: التَّشَهُّد الْأَوَّل سُنَّة، وَالْأَخِير وَاجِب.
وَقَالَ جُمْهُور الْمُحَدِّثِينَ: هُمَا وَاجِبَانِ.
وَقَالَ أَحْمَد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: الْأَوَّل وَاجِب، وَالثَّانِي فَرْض.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَمَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا، وَجُمْهُور الْفُقَهَاء: هُمَا سُنَّتَانِ. وَعَنْ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه رِوَايَة بِوُجُوبِ الْأَخِير.
وَقَدْ وَافَقَ مَنْ لَمْ يُوجِب التَّشَهُّد عَلَى وُجُوب الْقُعُود بِقَدْرِهِ فِي آخِر الصَّلَاة.
وَأَمَّا أَلْفَاظ الْبَاب فَفيه لَفْظَة التَّشَهُّد سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِلنُّطْقِ بِالشَّهَادَةِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالرِّسَالَة.
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّه هُوَ السَّلَام» فَمَعْنَاهُ أَنَّ السَّلَام اِسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى وَمَعْنَاهُ السَّالِم مِنْ النَّقَائِض وَسِمَات الْحُدُوث وَمِنْ الشَّرِيك وَالنِّدّ، وَقِيلَ: الْمُسَلِّم أَوْلِيَاءَهُ وَقِيلَ: الْمُسَلِّم عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ.
وَأَمَّا التَّحِيَّات فَجَمْع تَحِيَّة وَهِيَ الْمِلْك، وَقِيلَ الْبَقَاء، وَقِيلَ الْعَظَمَة، وَقِيلَ الْحَيَاة، وَإِنَّمَا قِيلَ التَّحِيَّات بِالْجَمْعِ لِأَنَّ مُلُوك الْعَرَب كَانَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ تُحَيِّيه أَصْحَابه بِتَحِيَّةٍ مَخْصُوصَة، فَقِيلَ: جَمِيع تَحِيَّاتهمْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ الْمُسْتَحِقّ لِذَلِكَ حَقِيقَة. وَالْمُبَارَكَات وَالزَّاكِيَات فِي حَدِيث عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِمَعْنًى وَاحِد، وَالْبَرَكَة كَثْرَة الْخَيْر، وَقِيلَ: النَّمَاء، وَكَذَا الزَّكَاة أَصْلهَا النَّمَاء، وَالصَّلَوَات هِيَ الصَّلَوَات الْمَعْرُوفَة.
وَقِيلَ: الدَّعَوَات وَالتَّضَرُّع، وَقِيلَ: الرَّحْمَة، أَيْ اللَّه الْمُتَفَضِّل بِهَا، وَالطَّيِّبَات أَيْ الْكَلِمَات الطَّيِّبَات.
وَقَوْله فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس: (التَّحِيَّات الْمُبَارَكَات الصَّلَوَات الطَّيِّبَات) تَقْدِيره وَالْمُبَارَكَات وَالصَّلَوَات وَالطَّيِّبَات كَمَا فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَغَيْره، وَلَكِنْ حُذِفَتْ الْوَاو اِخْتِصَارًا وَهُوَ جَائِز مَعْرُوف فِي اللُّغَة وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ التَّحِيَّات وَمَا بَعْدهَا مُسْتَحَقَّة لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَصْلُح حَقِيقَتهَا لِغَيْرِهِ.
609- وَقَوْله: «السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته السَّلَام عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ» وَقَوْله فِي آخِر الصَّلَاة (السَّلَام عَلَيْكُمْ) فَقِيلَ: مَعْنَاهُ التَّعْوِيذ بِاَللَّهِ، وَالتَّحْصِين بِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى، فَإِنَّ السَّلَام اِسْم لَهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى تَقْدِيره اللَّه عَلَيْكُمْ حَفِيظ وَكَفِيل، كَمَا يُقَال: اللَّه مَعَك أَيْ بِالْحِفْظِ وَالْمَعُونَة وَاللُّطْف، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ السَّلَامَة وَالنَّجَاة لَكُمْ، وَيَكُون مَصْدَرًا كَاللَّذَاذَةِ وَاللَّذَاذ كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى: {فَسَلَام لَك مِنْ أَصْحَاب الْيَمِين} وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلَام الَّذِي فِي قَوْله: «السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ السَّلَام عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ» يَجُوز فيه حَذْف الْأَلِف وَاللَّام فَيُقَال: سَلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَسَلَام عَلَيْنَا، وَلَا خِلَاف فِي جَوَاز الْأَمْرَيْنِ هُنَا، وَلَكِنَّ الْأَلِف وَاللَّام أَفْضَل، وَهُوَ الْمَوْجُود فِي رِوَايَات صَحِيحَيْ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم.
وَأَمَّا الَّذِي فِي آخِر الصَّلَاة وَهُوَ سَلَام التَّحْلِيل فَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فيه، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْأَمْرَيْنِ فيه هَكَذَا وَيَقُول: الْأَلِف وَاللَّام أَفْضَل، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ الْأَلِف وَاللَّام لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل إِلَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّام، وَلِأَنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْره فِي التَّشَهُّد، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعِيدهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّام لِيَعُودَ التَّعْرِيف إِلَى سَابِق كَلَامه، كَمَا يَقُول: جَاءَنِي رَجُل فَأَكْرَمْت الرَّجُل.
قَوْله: (وَعَلَى عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ)، قَالَ الزَّجَّاج، وَصَاحِب الْمَطَالِع، وَغَيْرهمَا: الْعَبْد الصَّالِح هُوَ الْقَائِم بِحُقُوقِ اللَّه تَعَالَى وَحُقُوق الْعِبَاد.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَتْ كُلّ عَبْد لِلَّهِ صَالِح فِي السَّمَاء» فيه دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَلِف وَاللَّام دَاخِلَتَيْنِ عَلَى الْجِنْس تَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاق وَالْعُمُوم.
قَوْله: (وَأَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله) قَالَ أَهْل اللُّغَة: يُقَال: رَجُل مُحَمَّد وَمَحْمُود إِذَا كَثُرَتْ خِصَاله الْمَحْمُودَة.
قَالَ اِبْن فَارِس: وَبِذَلِكَ سُمِّيَ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا يَعْنِي لِعِلْمِ اللَّه تَعَالَى بِكَثْرَةِ خِصَاله الْمَحْمُودَة أَلْهَمَ أَهْله التَّسْمِيَة بِذَلِكَ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثُمَّ يَتَخَيَّر مِنْ الْمَسْأَلَة مَا شَاءَ» فيه اِسْتِحْبَاب الدُّعَاء فِي آخِر الصَّلَاة قَبْل السَّلَام، وَفيه أَنَّهُ يَجُوز الدُّعَاء بِمَا شَاءَ مِنْ أُمُور الْآخِرَة وَالدُّنْيَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: لَا يَجُوز إِلَّا بِالدَّعَوَاتِ الْوَارِدَة فِي الْقُرْآن وَالسُّنَّة، وَاسْتَدَلَّ بِهِ جُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّد الْأَخِير لَيْسَتْ وَاجِبَة، وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَبَعْض أَصْحَاب مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وُجُوبهَا فِي التَّشَهُّد الْأَخِير، فَمَنْ تَرَكَهَا بَطَلَتْ صَلَاته.
وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة مِنْ هَذَا الْحَدِيث فِي غَيْر مُسْلِم زِيَادَة فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتك، وَلَكِنْ هَذِهِ الزِّيَادَة لَيْسَتْ صَحِيحَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَوْله: (حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن سَخْبَرَة) هُوَ بِسِينٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ خَاء مُعْجَمَة سَاكِنَة ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة مَفْتُوحَة.
612- قَوْله: (أُقِرَّتْ الصَّلَاة بِالْبِرِّ وَالزَّكَاة) قَالُوا: مَعْنَاهُ قُرِنَتْ بِهِمَا وَأُقِرَّتْ مَعَهُمَا وَصَارَ الْجَمِيع مَأْمُورًا بِهِ.
قَوْله: (فَأَرَمَّ الْقَوْم) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَتَشْدِيد الْمِيم أَيْ سَكَتُوا.
قَوْله: (لَقَدْ رَهِبْت أَنْ تَبْكَعَنِي) هُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة فِي أَوَّله وَإِسْكَان الْمُوَحَّدَة بَعْدهَا أَيْ تُبَكِّتنِي بِهَا وَتُوَبِّخنِي، قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقِيمُوا صُفُوفكُمْ» أَمْر بِإِقَامَةِ الصُّفُوف، وَهُوَ مَأْمُور بِهِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّة، وَهُوَ أَمْر نَدْب، وَالْمُرَاد تَسْوِيَتهَا وَالِاعْتِدَال فيها وَتَتْمِيم الْأَوَّل فَالْأَوَّل مِنْهَا، وَالتَّرَاصّ فيها، وَسَيَأْتِي بَسْط الْكَلَام فيها حَيْثُ ذَكَرَهَا مُسْلِم إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثُمَّ لِيَؤُمّكُمْ أَحَدكُمْ» فيه الْأَمْر بِالْجَمَاعَةِ فِي الْمَكْتُوبَات، وَلَا خِلَاف فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ اِخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ أَمْر نَدْب أَمْ إِيجَاب عَلَى أَرْبَعَة مَذَاهِب فَالرَّاجِع فِي مَذْهَبنَا وَهُوَ نَصّ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى، وَقَوْل أَكْثَر أَصْحَابنَا أَنَّهَا فَرْض كِفَايَة إِذَا فَعَلَهُ مَنْ يَحْصُل بِهِ إِظْهَار هَذَا الشِّعَار سَقَطَ الْحَرَج عَنْ الْبَاقِينَ، وَإِنْ تَرَكُوهُ كُلّهمْ أَثِمُوا كُلّهمْ.
وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ أَصْحَابنَا: هِيَ سُنَّة.
وَقَالَ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ أَصْحَابنَا: هِيَ فَرْض عَيْن لَكِنْ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَمَنْ تَرَكَهَا وَصَلَّى مُنْفَرِدًا بِلَا عُذْر أَثِمَ وَصَحَّتْ صَلَاته.
وَقَالَ بَعْض أَهْل الظَّاهِر هِيَ شَرْط لِصِحَّةِ الصَّلَاة.
وَقَالَ بِكُلِّ قَوْل مِنْ الثَّلَاثَة الْمُتَقَدِّمَة طَوَائِف مِنْ الْعُلَمَاء وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَة فِي بَابهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» فيه أَمْر الْمَأْمُوم بِأَنْ يَكُون تَكْبِيره عَقِب تَكْبِير الْإِمَام، وَيَتَضَمَّن مَسْأَلَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا أَنْ لَا يُكَبِّر قَبْله وَلَا مَعَهُ بَلْ بَعْده، فَلَوْ شَرَعَ الْمَأْمُوم فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَام نَاوِيًا الِاقْتِدَاء بِالْإِمَامِ وَقَدْ بَقِيَ لِلْإِمَامِ مِنْهَا حَرْف لَمْ يَصِحّ إِحْرَام الْمَأْمُوم بِلَا خِلَاف؛ لِأَنَّهُ نَوَى الِاقْتِدَاء بِمَنْ لَمْ يَصِرْ إِمَامًا بَلْ بِمَنْ سَيَصِيرُ إِمَامًا إِذَا فَرَغَ مِنْ التَّكْبِير. وَالثَّانِيَة أَنَّهُ يُسْتَحَبّ كَوْن تَكْبِيرَة الْمَأْمُوم عَقِب تَكْبِيرَة الْإِمَام وَلَا يَتَأَخَّر، فَلَوْ تَأَخَّرَ جَازَ وَفَاتَهُ كَمَال فَضِيلَة تَعْجِيل التَّكْبِير.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِذَا قَالَ: غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا: آمِينَ» فيه دَلَالَة ظَاهِرَة لِمَا قَالَهُ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ أَنَّ تَأْمِين الْمَأْمُوم يَكُون مَعَ تَأْمِين الْإِمَام لَا بَعْده. فَإِذَا قَالَ الْإِمَام: وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ الْإِمَام وَالْمَأْمُوم مَعًا: آمِينَ، وَتَأَوَّلُوا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَمَّنَ الْإِمَام فَأَمِّنُوا قَالُوا: مَعْنَاهُ إِذَا أَرَادَ التَّأْمِين لِيَجْمَع بَيْنه وَبَيْن هَذَا الْحَدِيث. وَهُوَ يُرِيد التَّأْمِين فِي آخِر قَوْله وَلَا الضَّالِّينَ فَيَعْقُب إِرَادَته تَأْمِينه وَتَأْمِينكُمْ مَعًا. وَفِي آمِينَ لُغَتَانِ الْمَدّ وَالْقَصْر، وَالْمَدّ أَفْصَح، وَالْمِيم خَفِيفَة فيهمَا، وَمَعْنَاهُ اِسْتَجِبْ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى تَمَام الْكَلَام فِي التَّأْمِين وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ فِي بَابه حَيْثُ ذَكَرَهُ مُسْلِم.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَقُولُوا آمِينَ يُجِبْكُمْ اللَّه» هُوَ بِالْجِيمِ أَيْ يَسْتَجِبْ دُعَاكُمْ، وَهَذَا حَثٌّ عَظِيم عَلَى التَّأْمِين فَيَتَأَكَّد الِاهْتِمَام بِهِ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا فَإِنَّ الْإِمَام يَرْكَع قَبْلكُمْ وَيَرْفَع قَبْلكُمْ» فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَتِلْكَ بِتِلْكَ» مَعْنَاهُ اِجْعَلُوا تَكْبِيركُمْ لِلرُّكُوعِ وَرُكُوعكُمْ بَعْد تَكْبِيره وَرُكُوعه وَكَذَلِكَ رَفْعكُمْ مِنْ الرُّكُوع يَكُون بَعْد رَفْعه وَمَعْنَى تِلْكَ بِتِلْكَ أَنَّ اللَّحْظَة الَّتِي سَبَقَكُمْ الْإِمَام بِهَا فِي تَقَدُّمه إِلَى الرُّكُوع تَنْجَبِر لَكُمْ بِتَأْخِيرِكُمْ فِي الرُّكُوع بَعْد رَفْعه لَحْظَة فَتِلْكَ اللَّحْظَة بِتِلْكَ اللَّحْظَة وَصَارَ قَدْر رُكُوعكُمْ كَقَدْرِ رُكُوعه، وَقَالَ مِثْله فِي السُّجُود.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبّنَا لَك الْحَمْد يَسْمَع اللَّه لَكُمْ» فيه دَلَالَة لِمَا قَالَهُ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْإِمَامِ الْجَهْر بِقَوْلِهِ سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ، وَحِينَئِذٍ يَسْمَعُونَهُ فَيَقُولُونَ. وَفِي دَلَالَة لِمَذْهَبِ مَنْ يَقُول: لَا يَزِيد الْمَأْمُوم عَلَى قَوْله رَبّنَا لَك الْحَمْد، وَلَا يَقُول مَعَهُ: سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ. وَمَذْهَبنَا أَنَّهُ يَجْمَع بَيْنهمَا الْإِمَام وَالْمَأْمُوم وَالْمُنْفَرِد لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنهمَا، وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَسَيَأْتِي بَسْط الْكَلَام فيه فِي بَابه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَمَعْنَى: «سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ» أَيْ أَجَابَ دُعَاء مَنْ حَمِدَهُ. وَمَعْنَى (يَسْمَع اللَّه لَكُمْ) يَسْتَجِبْ دُعَاءَكُمْ. قَوْله: رَبّنَا لَك الْحَمْد هَكَذَا هُوَ هُنَا بِلَا وَاو، وَفِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع رَبّنَا وَلَك الْحَمْد، وَقَدْ جَاءَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِإِثْبَاتِ الْوَاو وَبِحَذْفِهَا، وَكِلَاهُمَا جَاءَتْ بِهِ رِوَايَات كَثِيرَة. وَالْمُخْتَار أَنَّهُ عَلَى وَجْه الْجَوَاز، وَأَنَّ الْأَمْرَيْنِ جَائِزَانِ. وَلَا تَرْجِيح لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَر، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض رَضِيَ اللَّه عَنْهُ اِخْتِلَافًا عَنْ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَغَيْره فِي الْأَرْجَح مِنْهُمَا. وَعَلَى إِثْبَات الْوَاو يَكُون قَوْله (رَبّنَا) مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْله تَقْدِيره سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ يَا رَبّنَا فَاسْتَجِبْ حَمْدنَا وَدُعَاءَنَا، وَلَك الْحَمْد عَلَى هِدَايَتنَا لِذَلِكَ.
قَوْله: (وَإِذَا كَانَ عِنْد الْقَعْدَة فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّل قَوْل أَحَدكُمْ التَّحِيَّات) اِسْتَدَلَّ جَمَاعَة بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ يَقُول فِي أَوَّل جُلُوسه التَّحِيَّات، وَلَا يَقُول: بِسْمِ اللَّه، وَلَيْسَ هَذَا الِاسْتِدْلَال بِوَاضِحٍ لِأَنَّهُ قَالَ: فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّل، وَلَمْ يَقُلْ: فَلْيَكُنْ أَوَّل. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (وَفِي حَدِيث جَرِير عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَنْ قَتَادَة مِنْ الزِّيَادَة: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا») هَكَذَا قَالَ أَبُو إِسْحَاق: قَالَ أَبُو بَكْر اِبْن أُخْت أَبِي النَّضْر فِي هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ مُسْلِم: تُرِيد، أَحْفَظ مِنْ سُلَيْمَان فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْر: فَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة؟ فَقَالَ: هُوَ صَحِيح يَعْنِي وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا، فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي صَحِيح فَقَالَ: لِمَ لَمْ تَضَعهُ هَاهُنَا؟ قَالَ: لَيْسَ كُلّ شَيْء عِنْدِي صَحِيح وَضَعْته هَاهُنَا، إِنَّمَا وَضَعْت هَاهُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ. فَقَوْله: قَالَ أَبُو إِسْحَاق هُوَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن سُفْيَان صَاحِب مُسْلِم رَاوِي الْكِتَاب عَنْهُ.
وَقَوْله: (قَالَ أَبُو بَكْر فِي هَذَا الْحَدِيث) يَعْنِي طَعَنَ فيه، وَقَدَحَ فِي صِحَّته، فَقَالَ لَهُ مُسْلِم (أَتُرِيدُ أَحْفَظ مِنْ سُلَيْمَان؟) يَعْنِي أَنَّ سُلَيْمَان كَامِل الْحِفْظ وَالضَّبْط فَلَا تَضُرّ مُخَالَفَة غَيْره.
وَقَوْله: (فَقَالَ أَبُو بَكْر فَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة؟ قَالَ: هُوَ صَحِيح) يَعْنِي قَالَ أَبُو بَكْر: لِمَ لَمْ تَضَعهُ هَاهُنَا فِي صَحِيحك؟ فَقَالَ مُسْلِم: لَيْسَ هَذَا مُجْمَعًا عَلَى صِحَّته، وَلَكِنْ هُوَ صَحِيح عِنْدِي، وَلَيْسَ كُلّ صَحِيح عِنْدِي وَضَعْته فِي هَذَا الْكِتَاب، إِنَّمَا وَضَعْت فيه مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ ثُمَّ قَدْ يُنْكِر هَذَا الْكَلَام وَيُقَال: قَدْ وَضَعَ أَحَادِيث كَثِيرَة غَيْر مُجْمَع عَلَيْهَا، وَجَوَابه أَنَّهَا عِنْد مُسْلِم بِصِفَةِ الْمُجْمَع عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَم تَقْلِيد غَيْره فِي ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مُقَدِّمَة هَذَا الشَّرْح هَذَا السُّؤَال وَجَوَابه.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة وَهِيَ قَوْله: (وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا) مِمَّا اِخْتَلَفَ الْحَافِظ فِي صِحَّته، فَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَن الْكَبِير عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيّ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة لَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْن مَعِين وَأَبِي حَاتِم الرَّازِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَافِظ أَبِي عَلِيّ النَّيْسَابُورِيّ شَيْخ الْحَاكِم أَبِي عَبْد اللَّه.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: قَالَ أَبُو عَلِيّ الْحَافِظ: هَذِهِ اللَّفْظَة غَيْر مَحْفُوظَة، قَدْ خَالَفَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ فيها جَمِيع أَصْحَاب قَتَادَة، وَاجْتِمَاع هَؤُلَاءِ الْحُفَّاظ عَلَى تَضْعِيفهَا مُقَدَّم عَلَى تَصْحِيح مُسْلِم، لاسيما وَلَمْ يَرْوِهَا مُسْنَدَة فِي صَحِيحه. وَاَللَّه أَعْلَم.