فصل: (بَاب اِسْتِحْبَاب نُزُول بِالْمُحَصَّبِ يَوْم النَّفَر وَصَلَاة الظُّهْر وَمَا بَعْدهَا بِهِ):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المشهور بـ «شرح النووي على مسلم»



.باب اسْتِحْبَابِ كَوْنِ حَصَى الْجِمَارِ بِقَدْرِ حَصَى الْخَذْفِ:

2289- قَوْله: «رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَى الْجَمْرَة بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ» فيه دَلِيلٌ عَلَى اِسْتِحْبَاب كَوْنِ الْحَصَى فِي هَذَا الْقَدْر، وَهُوَ كَقَدْرِ حَبَّة الْبَاقِلَّا، وَلَوْ رَمَى بِأَكْبَر أَوْ أَصْغَر جَازَ مَعَ الْكَرَاهَة، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة مُسْتَوْفَاة قَرِيبًا فِي بَاب اِسْتِحْبَاب إِدَامَة التَّلْبِيَة إِلَى رَمْي الْجَمْرَة.

.باب بَيَانِ وَقْتِ اسْتِحْبَابِ الرَّمْيِ:

2290- قَوْله: «رَمَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَمْرَة يَوْم النَّحْر ضُحًى وَأَمَّا بَعْد فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْس» الْمُرَاد بِيَوْمِ النَّحْر جَمْرَة الْعَقَبَة، فَإِنَّهُ لَا يَشْرَع فيه غَيْرهَا بِالْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا أَيَّام التَّشْرِيق الثَّلَاثَة فَيَرْمِي كُلّ يَوْم مِنْهَا بَعْد الزَّوَال، وَهَذَا الْمَذْكُور فِي جَمْرَة يَوْم النَّحْر سُنَّة بِاتِّفَاقِهِمْ، وَعِنْدنَا يَجُوز تَقْدِيمه مِنْ نِصْف لَيْلَة النَّحْر، وَأَمَّا أَيَّام التَّشْرِيق فَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب مَالِك وَأَحْمَد وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء أَنَّهُ لَا يَجُوز الرَّمْي فِي الْأَيَّام الثَّلَاثَة إِلَّا بَعْد الزَّوَال، لِهَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح، وَقَالَ طَاوُسٌ وَعَطَاء: يُجْزِئهُ فِي الْأَيَّام الثَّلَاثَة قَبْل الزَّوَال، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ: يَجُوز فِي الْيَوْم الثَّالِث قَبْل الزَّوَال، دَلِيلنَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَى كَمَا ذَكَرنَا، وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِككُمْ»، وَاعْلَمْ أَنَّ رَمْي جِمَار أَيَّام التَّشْرِيق يُشْتَرَط فيه التَّرْتِيب، وَهُوَ أَنْ يَبْدَأ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى الَّتِي تَلِي مَسْجِد الْخَيْف ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ جَمْرَة الْعَقَبَة، وَيُسْتَحَبّ أَنْ يَقِف عَقِب رَمْي الْأُولَى عِنْدهَا مُسْتَقْبِل الْقِبْلَة زَمَانًا طَوِيلًا يَدْعُو وَيَذْكُر اللَّه، وَيَقِف كَذَلِكَ عِنْد الثَّانِيَة، وَلَا يَقِف عِنْد الثَّالِثَة، ثَبَتَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَيُسْتَحَبّ هَذَا فِي كُلّ يَوْم مِنْ الْأَيَّام الثَّلَاثَة. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَيُسْتَحَبّ رَفْع الْيَدَيْنِ فِي هَذَا الدُّعَاء عِنْدنَا، وَبِهِ قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء، وَثَبَتَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْن عُمَر فِي حَدِيثه الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَاخْتَلَفَ قَوْل مَالِك فِي ذَلِكَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ هَذَا الْوُقُوف لِلدُّعَاءِ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ الثَّوْرِيّ أَنَّهُ قَالَ: يُطْعِم شَيْئًا أَوْ يُهْرِيق دَمًا.

.باب بَيَانِ أَنَّ حَصَى الْجِمَارِ سَبْعٌ:

2291- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الِاسْتِجْمَار تَوٌّ، وَرَمْي الْجِمَار تَوٌّ، وَالسَّعْي بَيْن الصَّفَّا وَالْمَرْوَة تَوٌّ، وَالطَّوَاف تَوٌّ وَإِذَا اِسْتَجْمَرَ أَحَدكُمْ فَلْيَسْتَجْمِر بِتَوٍّ» التَّوّ: بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوْق وَتَشْدِيد الْوَاو وَهُوَ الْوِتْر، وَالْمُرَاد بِالِاسْتِجْمَارِ الِاسْتِنْجَاء، قَالَ الْقَاضِي: وَقَوْله فِي آخِر الْحَدِيث: «وَإِذَا اِسْتَجْمَرَ أَحَدكُمْ فَلْيَسْتَجْمِر بِتَوٍّ» لَيْسَ لِلتَّكْرَارِ، بَلْ الْمُرَاد بِالْأَوَّلِ الْفِعْل، وَبِالثَّانِي: عَدَد الْأَحْجَار، وَالْمُرَاد بِالتَّوِّ فِي الْجِمَار سَبْع سَبْع، وَفِي الطَّوَاف سَبْع، وَفِي السَّعْي سَبْع، وَفِي الِاسْتِنْجَاء ثَلَاث، فَإِنْ لَمْ يَحْصُل الْإِنْقَاء بِثُلَاث وَجَبَتْ الزِّيَادَة حَتَّى يُنَقَّى، فَإِنْ حَصَلَ الْإِنْقَاء بِوِتْرٍ فَلَا زِيَادَة، وَإِنْ حَصَلَ بِشَفْعٍ اُسْتُحِبَّ زِيَادَة مَسْحِهِ لِلْإِيتَارِ.
وَفيه وَجْه: أَنَّهُ وَاجِب، قَالَهُ بَعْض أَصْحَابنَا، وَقَالَ بِهِ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء، وَالْمَشْهُور الِاسْتِحْبَاب. وَاَللَّه أَعْلَم.

.بَاب تَفْضِيل الْحَلْق عَلَى التَّقْصِير وَجَوَاز التَّقْصِير:

قَوْله: «حَلَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَلَقَ طَائِفَة مِنْ أَصْحَابه وَقَصَّرَ بَعْضهمْ» وَذَكَرَ الْأَحَادِيث فِي دُعَائِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاث مَرَّات، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّة بَعْد ذَلِكَ، هَذَا كُلّه تَصْرِيح بِجَوَازِ الِاقْتِصَار عَلَى أَحَد الْأَمْرَيْنِ إِنْ شَاءَ اِقْتَصَرَ عَلَى الْحَلْق، وَإِنْ شَاءَ عَلَى التَّقْصِير، وَتَصْرِيح بِتَفْضِيلِ الْحَلْق، وَقَدْ أَجْمَع الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْحَلْق أَفْضَل مِنْ التَّقْصِير، وَعَلَى أَنَّ التَّقْصِير يُجْزِي إِلَّا مَا حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: يَلْزَمهُ الْحَلْق فِي أَوَّل حَجَّة، وَلَا يُجْزِئهُ التَّقْصِير، وَهَذَا إِنْ صَحَّ عَنْهُ مَرْدُود بِالنُّصُوصِ وَإِجْمَاع مَنْ قَبْله، وَمَذْهَبنَا الْمَشْهُور أَنَّ الْحَلْق أَوْ التَّقْصِير نُسُك مِنْ مَنَاسِك الْحَجّ وَالْعُمْرَة، وَرُكْن مِنْ أَرْكَانهمَا لَا يَحْصُل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَّا بِهِ، وَبِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاء كَافَّة، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْل شَاذّ ضَعِيف أَنَّهُ اِسْتِبَاحَة مَحْظُور كَالطِّيبِ وَاللِّبَاس، وَلَيْسَ بِنُسُكِ، وَالصَّوَاب الْأَوَّل، وَأَقَلّ مَا يُجْزِي مِنْ الْحَلْق وَالتَّقْصِير عِنْد الشَّافِعِيّ ثَلَاث شَعَرَات، وَعِنْد أَبِي حَنِيفَة رُبْع الرَّأْس، وَعِنْد أَبِي يُوسُف نِصْف الرَّأْس، وَعِنْد مَالِك وَأَحْمَد أَكْثَر الرَّأْس، وَعَنْ مَالِك رِوَايَة أَنَّهُ كُلّ الرَّأْس، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْأَفْضَل حَلْق جَمِيعه أَوْ تَقْصِير جَمِيعه، وَيُسْتَحَبّ أَلَّا يَنْقُص فِي التَّقْصِير عَنْ قَدْر الْأُنْمُلَة مِنْ أَطْرَاف الشَّعْر، فَإِنْ قَصَّرَ دُونهَا جَازَ لِحُصُولِ اِسْم التَّقْصِير، وَالْمَشْرُوع فِي حَقّ النِّسَاء التَّقْصِير، وَيُكْرَه لَهُنَّ الْحَلْق، فَلَوْ حَلَقْنَ حَصَلَ النُّسُك، وَيَقُوم مَقَام الْحَلْق وَالتَّقْصِير النَّتْف وَالْإِحْرَاق وَالْقَصّ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاع إِزَالَة الشَّعْر.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْله: «حَلَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَائِفَة مِنْ أَصْحَابه وَقَصَّرَ بَعْضهمْ وَدُعَاؤُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا ثُمَّ لِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّة» كُلّ هَذَا كَانَ فِي حَجَّة الْوَدَاع هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ هَذَا كَانَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة حِين أَمَرَهُمْ بِالْحَلْقِ فَمَا فَعَلَهُ أَحَد لِطَمَعِهِمْ بِدُخُولِ مَكَّة فِي ذَلِكَ الْوَقْت، وَذَكَرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ: حَلَقَ رِجَال يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَقَصَّرَ آخَرُونَ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ اِرْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ» (ثَلَاثًا) قِيلَ: يَا رَسُول اللَّه مَا بَال الْمُحَلِّقِينَ ظَاهَرْت لَهُمْ بِالتَّرَحُّمِ؟ قَالَ: «لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا»، قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: وَكَوْنه فِي الْحُدَيْبِيَة هُوَ الْمَحْفُوظ، قَالَ الْقَاضِي: قَدْ ذَكَرَ مُسْلِم فِي الْبَاب خِلَاف مَا قَالُوهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَحَادِيثه جَاءَتْ مُجْمَلَة غَيْر مُفَسَّرَة مَوْطِن ذَلِكَ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة وَوَكِيع فِي حَدِيث يَحْيَى بْن الْحُصَيْن عَنْ جَدَّته أَنَّهَا سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا فِي حَجَّة الْوَدَاع لِلْمُحَلِّقِينَ (ثَلَاثًا) وَلِلْمُقَصِّرِينَ (مَرَّة وَاحِدَة) إِلَّا أَنَّ وَكِيعًا لَمْ يَذْكُر حَجَّة الْوَدَاع، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم قَبْل هَذَا فِي رَمْي جَمْرَة الْعَقَبَة يَوْم النَّحْر حَدِيث يَحْيَى بْن الْحُصَيْن عَنْ جَدَّته هَذِهِ أُمّ الْحُصَيْن، قَالَتْ: حَجَجْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّة الْوَدَاع.
وَقَدْ جَاءَ الْأَمْر فِي حَدِيثهَا مُفَسَّرًا أَنَّهُ فِي حَجَّة الْوَدَاع، فَلَا يَبْعُد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَوَجْه فَضِيلَة الْحَلْق عَلَى التَّقْصِير أَنَّهُ أَبْلَغ فِي الْعِبَادَة، وَأَدَلّ عَلَى صِدْق النِّيَّة فِي التَّذَلُّل لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّ الْمُقَصِّر مُبْقٍ عَلَى نَفْسه الشَّعْر الَّذِي هُوَ زِينَة، وَالْحَاجّ مَأْمُور بِتَرْكِ الزِّينَة، بَلْ هُوَ أَشْعَث أَغْبَر. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْأَفْضَل فِي الْحَلْق وَالتَّقْصِير أَنْ يَكُون بَعْد رَمْي جَمْرَة الْعَقَبَة وَبَعْد ذَبْح الْهَدْي إِنْ كَانَ مَعَهُ، وَقَبْل طَوَاف الْإِفَاضَة، وَسَوَاء كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا، وَقَالَ اِبْن الْجَهْم الْمَالِكِيّ: لَا يَحْلِق الْقَارِن حَتَّى يَطُوف وَيَسْعَى، وَهَذَا بَاطِل مَرْدُود بِالنُّصُوصِ وَإِجْمَاع مَنْ قَبْله، وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيث بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَقَ قَبْل طَوَاف الْإِفَاضَة، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا فِي آخِر أَمْرِهِ، وَلَوْ لَبَّدَ الْمُحْرِم رَأْسه فَالصَّحِيح الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَبنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لَهُ حَلْقه فِي وَقْت الْحَلْق وَلَا يَلْزَمهُ ذَلِكَ، وَقَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء: يَلْزَمهُ حَلْقه.
(فَصْل):
قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول السَّابِقَة فِي مُقَدِّمَة هَذَا الشَّرْح أَنَّ إِبْرَاهِيم بْن سُفْيَان صَاحِب مُسْلِم فَاتَهُ مِنْ سَمَاع هَذَا الْكِتَاب مِنْ مُسْلِم ثَلَاثَة مَوَاضِع: أَوَّلهَا فِي كِتَاب الْحَجّ، وَهَذَا مَوْضِعه وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيه عَلَى أَوَّله وَآخِره هُنَاكَ، وَأَنَّ إِبْرَاهِيم يَقُول: مِنْ هُنَا عَنْ مُسْلِم، وَلَا يَقُول: أَخْبَرَنَا كَمَا يَقُول فِي بَاقِي الْكِتَاب، وَأَوَّلَ هَذَا الْقَوْل الْجُلُودِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم عَنْ مُسْلِم حَدَّثَنَا اِبْن نُمَيْر حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رَحِمَ اللَّه الْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُول اللَّه إِلَى آخِره.
2292- سبق شرحه بالباب.
2293- سبق شرحه بالباب.
2294- سبق شرحه بالباب.
2295- سبق شرحه بالباب.
2296- سبق شرحه بالباب.
2297- سبق شرحه بالباب.

.باب بَيَانِ أَنَّ السُّنَّةَ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَرْمِيَ ثُمَّ يَنْحَرَ ثُمَّ يَحْلِقَ وَالاِبْتِدَاءِ فِي الْحَلْقِ بِالْجَانِبِ الأَيْمَنِ مِنْ رَأْسِ الْمَحْلُوقِ:

2298- قَوْله: «أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى مِنًى فَأَتَى الْجَمْرَة فَرَمَاهَا ثُمَّ أَتَى مَنْزِله بِمِنًى وَنَحَرَ ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ: خُذْ وَأَشَارَ إِلَى جَانِبه الْأَيْمَن ثُمَّ الْأَيْسَر ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيه النَّاس» هَذَا الْحَدِيث فيه فَوَائِد كَثِيرَة. مِنْهَا بَيَان السُّنَّة فِي أَعْمَال الْحَجّ يَوْم النَّحْر بَعْد الدَّفْع مِنْ مُزْدَلِفَة، وَهِيَ أَرْبَعَة أَعْمَال: رَمْي جَمْرَة الْعَقَبَة، ثُمَّ نَحْر الْهَدْي أَوْ ذَبْحه، ثُمَّ الْحَلْق أَوْ التَّقْصِير، ثُمَّ دُخُوله إِلَى مَكَّة فَيَطُوف طَوَاف الْإِفَاضَة، وَيَسْعَى بَعْده إِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى بَعْد طَوَاف الْقُدُوم، فَإِنْ كَانَ سَعَى بَعْده كُرِهَتْ إِعَادَته، وَالسُّنَّة فِي هَذِهِ الْأَعْمَال الْأَرْبَعَة أَنْ تَكُون مُرَتَّبَة كَمَا ذَكَرْنَا لِهَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح، فَإِنْ خَالَفَ تَرْتِيبهَا فَقَدَّمَ مُؤَخَّرًا أَوْ أَخَّرَ مُقَدَّمًا، جَازَ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم بَعْد هَذَا: «اِفْعَلْ وَلَا حَرَج».
وَمِنْهَا أَنَّهُ يُسْتَحَبّ إِذَا قَدِمَ مِنًى أَلَّا يَعْرُج عَلَى شَيْء قَبْل الرَّمْي، بَلْ يَأْتِي الْجَمْرَة رَاكِبًا كَمَا هُوَ فَيَرْمِيهَا، ثُمَّ يَذْهَب فَيَنْزِل حَيْثُ شَاءَ مِنْ مِنًى.
وَمِنْهَا اِسْتِحْبَاب نَحْر الْهَدْي، وَأَنَّهُ يَكُون بِمِنًى، وَيَجُوز حَيْثُ شَاءَ مِنْ بِقَاعِ الْحَرَم.
وَمِنْهَا أَنَّ الْحَلْق نُسُك، وَأَنَّهُ أَفْضَل مِنْ التَّقْصِير، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبّ فيه الْبُدَاءَة بِالْجَانِبِ الْأَيْمَن مِنْ رَأْس الْمَحْلُوق، وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: يَبْدَأ بِجَانِبِهِ الْأَيْسَر.
وَمِنْهَا طَهَارَة شَعْر الْآدَمِيّ، وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ مَذْهَبنَا، وَبِهِ قَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء، وَمِنْهَا: التَّبَرُّك بِشَعْرِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَوَاز اِقْتِنَائِهِ لِلتَّبَرُّكِ.
وَمِنْهَا مُسَاوَاة الْإِمَام وَالْكَبِير بَيْن أَصْحَابه وَأَتْبَاعه فِيمَا يُفَرِّقهُ عَلَيْهِمْ مِنْ عَطَاء وَهَدِيَّة وَنَحْوهَا. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَاخْتَلَفُوا فِي اِسْم هَذَا الرَّجُل الَّذِي حَلَقَ رَأْس رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّة الْوَدَاع، فَالصَّحِيح الْمَشْهُور أَنَّهُ مَعْمَر بْن عَبْد اللَّه الْعَدَوِيُّ، وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ قَالَ: زَعَمُوا أَنَّهُ مَعْمَر بْن عَبْد اللَّه، وَقِيلَ: اِسْمه خِرَاش بْن أُمَيَّة بْن رَبِيعَة الْكُلَيْبِيُّ بِضَمِّ الْكَاف، مَنْسُوب إِلَى كُلَيْب بْن حَبَشِيَّة. وَاَللَّه أَعْلَم.

.بَاب مَنْ حَلَقَ قَبْل النَّحْر أَوْ نَحَرَ قَبْل الرَّمْي:

قَوْله: «يَا رَسُول اللَّه لَمْ أَشْعُر فَحَلَقْت قَبْل أَنْ أَنْحَر، فَقَالَ: اِذْبَحْ وَلَا حَرَج، ثُمَّ جَاءَهُ رَجُل آخَر فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه لَمْ أَشْعُر فَنَحَرْت قَبْل أَنْ أَرْمِي، فَقَالَ: اِرْمِ وَلَا حَرَج، فَمَا سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْء قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: اِفْعَلْ وَلَا حَرَج» وَفِي رِوَايَة: «فَمَا سَمِعْته سُئِلَ يَوْمئِذٍ عَنْ أَمْر مِمَّا يَنْسَى الْمَرْء وَيَجْهَل مِنْ تَقْدِيم بَعْض الْأُمُور قَبْل بَعْض وَأَشْبَاههَا إِلَّا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اِفْعَلُوا ذَلِكَ وَلَا حَرَج» وَفِي رِوَايَة: «حَلَقْت قَبْل أَنْ أَرْمِي قَالَ: اِرْمِ وَلَا حَرَج» وَفِي رِوَايَة: «قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْح وَالْحَلْق وَالرَّمْي وَالتَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، فَقَالَ: لَا حَرَج».
قَدْ سَبَقَ فِي الْبَاب قَبْله أَنَّ أَفْعَال يَوْم النَّحْر أَرْبَعَة: رَمْي جَمْرَة الْعَقَبَة، ثُمَّ الذَّبْح، ثُمَّ الْحَلْق، ثُمَّ طَوَاف الْإِفَاضَة. وَأَنَّ السُّنَّة تَرْتِيبهَا هَكَذَا، فَلَوْ خَالَفَ وَقَدَّمَ بَعْضهَا عَلَى بَعْض جَازَ وَلَا فِدْيَة عَلَيْهِ لِهَذِهِ الْأَحَادِيث، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف، وَهُوَ مَذْهَبنَا، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْل ضَعِيف أَنَّهُ إِذَا قَدَّمَ الْحَلْق عَلَى الرَّمْي وَالطَّوَاف لَزِمَهُ الدَّم بِنَاء عَلَى قَوْله الضَّعِيف: أَنَّ الْحَلْق لَيْسَ بِنُسُك، وَبِهَذَا الْقَوْل هُنَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَمَالِك، وَعَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَة، وَرِوَايَة شَاذَّة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ مَنْ قَدَّمَ بَعْضهَا عَلَى بَعْض لَزِمَهُ دَم. وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث، فَإِنْ تَأَوَّلُوهَا عَلَى أَنَّ الْمُرَاد نَفْي الْإِثْم وَادَّعُوا أَنَّ تَأْخِير بَيَان الدَّم يَجُوز، قُلْنَا: ظَاهِر قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا حَرَج» أَنَّهُ لَا شَيْء عَلَيْك مُطْلَقًا، وَقَدْ صَرَّحَ فِي بَعْضهَا بِتَقْدِيمِ الْحَلْق عَلَى الرَّمْي كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَحْر قَبْل الرَّمْي لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن الْعَامِد وَالسَّاهِي فِي ذَلِكَ فِي وُجُوب الْفِدْيَة وَعَدَمهَا، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْإِثْم عِنْد مَنْ يَمْنَع التَّقْدِيم. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اِذْبَحْ وَلَا حَرَج اِرْمِ وَلَا حَرَج» مَعْنَاهُ: اِفْعَلْ مَا بَقِيَ عَلَيْك وَقَدْ أَجُزْأَك مَا فَعَلَتْهُ، وَلَا حَرَج عَلَيْك فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير.
قَوْله: «فَمَا سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْء قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ» يَعْنِي مِنْ هَذِهِ الْأُمُور الْأَرْبَعَة.
قَوْله: «أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَا هُوَ يَخْطُب يَوْم النَّحْر فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُل» وَفِي رِوَايَة: «وَقَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّة الْوَدَاع بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَ رَجُل» وَفِي رِوَايَة: «وَقَفَ عَلَى رَاحِلَته فَطَفِقَ نَاس يَسْأَلُونَهُ» وَفِي رِوَايَة: «وَهُوَ وَاقِف عِنْد الْجَمْرَة» قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: قَالَ بَعْضهمْ: الْجَمْع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات أَنَّهُ مَوْقِف وَاحِد، وَمَعْنَى خَطَبَ: عَلَّمَهُمْ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيُحْتَمَل أَنَّ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدهمَا: وَقَفَ عَلَى رَاحِلَته عِنْد الْجَمْرَة، وَلَمْ يَقُلْ فِي هَذَا: خَطَبَ، وَإِنَّمَا فيه أَنَّهُ وَقَفَ وَسُئِلَ، وَالثَّانِي: بَعْد صَلَاة الظُّهْر يَوْم النَّحْر وَقَفَ لِلْخُطْبَةِ فَخَطَبَ، وَهِيَ إِحْدَى خُطَب الْحَجّ الْمَشْرُوعَة يُعَلِّمهُمْ فيها مَا بَيْن أَيْدِيهمْ مِنْ الْمَنَاسِك. هَذَا كَلَام الْقَاضِي، وَهَذَا الِاحْتِمَال الثَّانِي هُوَ الصَّوَاب، وَخُطَب الْحَجّ الْمَشْرُوعَة عِنْدنَا أَرْبَع أَوَّلهَا: بِمَكَّة عِنْد الْكَعْبَة فِي الْيَوْم السَّابِع مِنْ ذِي الْحَجَّة، وَالثَّانِيَة: بِنَمِرَةِ يَوْم عَرَفَة، وَالثَّالِثَة: بِمِنًى يَوْم النَّحْر، وَالرَّابِعَة: بِمِنًى فِي الثَّانِي مِنْ أَيَّام التَّشْرِيق، وَكُلّهَا خُطْبَة فَرْدَة، وَبَعْد صَلَاة الظُّهْر إِلَّا الَّتِي بِنَمِرَةِ فَإِنَّهَا خُطْبَتَانِ، وَقَبْل صَلَاة الظُّهْر وَبَعْد الزَّوَال.
وَقَدْ ذَكَرْت أَدِلَّتهَا كُلّهَا مِنْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي شَرْح الْمُهَذِّب. وَاللَّهُ أَعْلَم.
2301- سبق شرحه بالباب.
2302- قَوْله: «وَقَفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَته فَطَفِقَ نَاس يَسْأَلُونَهُ» هَذَا دَلِيلٌ لِجَوَازِ الْقُعُود عَلَى الرَّاحِلَة لِلْحَاجَةِ.
2303- سبق شرحه بالباب.
2304- سبق شرحه بالباب.
2305- سبق شرحه بالباب.
2306- سبق شرحه بالباب.

.باب اسْتِحْبَابِ طَوَافِ الإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ:

2307- قَوْله: «أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفَاضَ يَوْم النَّحْر ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْر بِمِنًى» هَكَذَا صَحَّ هَذَا مِنْ رِوَايَة اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَقَدْ سَبَقَ فِي بَاب صِفَة حَجَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث جَابِر الطَّوِيل، أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفَاضَ إِلَى الْبَيْت يَوْم النَّحْر فَصَلَّى بِمَكَّة الظُّهْر، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَات. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث إِثْبَات طَوَاف الْإِفَاضَة، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبّ فِعْله يَوْم النَّحْر، وَأَوَّل النَّهَار، وَقَدْ أَجْمَع الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ هَذَا الطَّوَاف وَهُوَ طَوَاف الْإِفَاضَة رُكْن مِنْ أَرْكَان الْحَجّ، لَا يَصِحّ الْحَجّ إِلَّا بِهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبّ فِعْله يَوْم النَّحْر بَعْد الرَّمْي وَالنَّحْر وَالْحَلْق، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ وَفَعَلَهُ فِي أَيَّام التَّشْرِيق أَجْزَأَهُ وَلَا دَم عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ إِلَى مَا بَعْد أَيَّام التَّشْرِيق، وَأَتَى بِهِ بَعْدهَا أَجْزَأَهُ وَلَا شَيْء عَلَيْهِ عِنْدنَا، وَبِهِ قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء، وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة: إِذَا تَطَاوَلَ لَزِمَهُ مَعَهُ دَم. وَاَللَّه أَعْلَم.
2308- قَوْله: «يَوْم التَّرْوِيَة» هُوَ الثَّامِن مِنْ ذِي الْحِجَّة، وَسَبَقَ بَيَانه مَرَّات.

.(بَاب اِسْتِحْبَاب نُزُول بِالْمُحَصَّبِ يَوْم النَّفَر وَصَلَاة الظُّهْر وَمَا بَعْدهَا بِهِ):

ذَكَرَ مُسْلِم فِي هَذَا الْبَاب الْأَحَادِيث فِي نُزُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَبْطَحِ يَوْم النَّفَر، وَهُوَ الْمُحَصَّب، وَأَنَّ أَبَا بَكْر وَعُمَر وَابْن عُمَر وَالْخُلَفَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، وَأَنَّ عَائِشَة وَابْن عَبَّاس كَانَا لَا يَنْزِلَانِ بِهِ، وَيَقُولَانِ: هُوَ مَنْزِل اِتِّفَاقِيّ لَا مَقْصُود، فَحَصَل خِلَاف بَيْن الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ. وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَالْجُمْهُور اِسْتِحْبَابه اِقْتِدَاء بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ وَغَيْرهمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَهُ لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبّ أَنْ يُصَلِّي بِهِ الظُّهْر وَالْعَصْر وَالْمَغْرِب وَالْعِشَاء وَيَبِيتُ بِهِ بَعْض اللَّيْل أَوْ كُلّه اِقْتِدَاء بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، و(الْمُحَصَّبُ) بِفَتْحِ الْحَاء وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ (وَالْحَصْبَة) بِفَتْحِ الْحَاء وَإِسْكَان الصَّاد، و(الْأَبْطَح) وَالْبَطْحَاء وَخَيْف بَنِي كِنَانَة اِسْم لِشَيْءِ وَاحِد، وَأَصْل الْخَيْف كُلّ مَا اِنْحَدَرَ عَنْ الْجَبَل وَارْتَفَعَ عَنْ الْمِيل.
2309- سبق شرحه بالباب.
2310- سبق شرحه بالباب.
2311- قَوْله: «أَسْمَح لِخُرُوجِهِ» أَيْ أَسْهَل لِخُرُوجِهِ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَة.
2312- سبق شرحه بالباب.
2313- سبق شرحه بالباب.
2314- قَوْله: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَة وَأَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَزُهَيْر بْن حَرْب جَمِيعًا عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ قَالَ زُهَيْر: حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ صَالِح بْن كَيْسَانَ عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْر فِي رِوَايَة صَالِح: قَالَ: سَمِعْت سُلَيْمَان بْن يَسَار) كَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الرِّوَايَة الْأُولَى وَهِيَ رِوَايَة قُتَيْبَة وَزُهَيْر قَالَا فيها عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ صَالِح عَنْ سُلَيْمَان، وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي بَكْر فَفيها عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ صَالِح قَالَ سَمِعْت سُلَيْمَان، وَهَذِهِ الرِّوَايَة أَكْمَل مِنْ رِوَايَة (عَنْ) لِأَنَّ السَّمَاع يُحْتَجّ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي الْعَنْعَنَة خِلَاف ضَعِيف، وَإِنْ كَانَ قَائِلهَا غَيْر مُدَلِّس، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة، وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ: قَالَ أَبُو بَكْر فِي رِوَايَة صَالِح، وَفِي بَعْضهَا: قَالَ أَبُو بَكْر فِي رِوَايَة عَنْ صَالِح قَالَ: سَمِعْت سُلَيْمَان، وَالصَّوَاب الرِّوَايَة الْأُولَى، وَكَذَا نَقَلَهَا الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْجُمْهُور، وَقَالَ هِيَ الصَّوَاب.
قَوْله: «وَكَانَ عَلَى ثَقَل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» هُوَ بِفَتْحِ الثَّاء وَالْقَاف، وَهُوَ مَتَاع الْمُسَافِر وَمَا يَحْمِلهُ عَلَى دَوَابّه، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَتَحْمِل أَثْقَالكُمْ}.
2315- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَنْزِل إِنْ شَاءَ اللَّه غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَة حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْر» أَمَّا الْخَيْف: فَسَبَقَ بَيَانه وَضَبْطه، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ شَاءَ اللَّه اِمْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِل ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه} وَمَعْنَى تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْر تَحَالَفُوا وَتَعَاهَدُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ تَحَالُفهمْ عَلَى إِخْرَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَنِي هَاشِم وَبَنِي الْمُطَّلِب مِنْ مَكَّة إِلَى هَذَا الشِّعْب، وَهُوَ خَيْف بَنِي كِنَانَة، وَكَتَبُوا بَيْنهمْ الصَّحِيفَة الْمَشْهُورَة، وَكَتَبُوا فيها أَنْوَاعًا مِنْ الْبَاطِل وَقَطِيعَة الرَّحِم وَالْكُفْر، فَأَرْسَلَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهَا الْأَرَضَة فَأَكَلَتْ كُلّ مَا فيها مِنْ كُفْر وَقَطِيعَة رَحِم وَبَاطِل، وَتَرَكَتْ مَا فيها مِنْ ذِكْر اللَّه تَعَالَى، فَأَخْبَرَ جِبْرِيل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ، فَأَخْبَرَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمّه أَبَا طَالِب فَجَاءَ إِلَيْهِمْ أَبُو طَالِب فَأَخْبَرَهُمْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَوَجَدُوهُ كَمَا أَخْبَرَ، وَالْقِصَّة مَشْهُورَة، قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: وَكَانَ نُزُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الظُّهُور بَعْد الِاخْتِفَاء، وَعَلَى إِظْهَار دِين اللَّه تَعَالَى. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب وُجُوبِ الْمَبِيتِ بِمِنًى لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالتَّرْخِيصِ فِي تَرْكِهِ لأَهْلِ السِّقَايَةِ:

2318- قَوْله: (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا اِبْن نُمَيْر وَأَبُو أُسَامَة قَالَا حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه عَنْ نَافِع) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ بِبِلَادِنَا أَوْ كُلّهَا، وَوَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ الْمَغَارِبَة (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا زُهَيْر وَأَبُو أُسَامَة) فَجَعَلَ زُهَيْرًا بَدَل اِبْن نُمَيْر، قَالَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ وَالْقَاضِي: وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان عَنْ اِبْن سُفْيَان عَنْ مُسْلِم (قَالَ): وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أَحْمَد الْجُلُودِيّ عَنْ اِبْن سُفْيَان عَنْ زُهَيْر (قَالَا)، وَهَذَا وَهْم، وَالصَّوَاب (اِبْن نُمَيْر قَالَا) وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة فِي مُسْنَده، هَذَا كَلَامهمَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ خَلَف الْوَاسِطِيُّ فِي كِتَابه الْأَطْرَاف حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا اِبْن نُمَيْر وَأَبُو أُسَامَة وَلَمْ يَذْكُر زُهَيْرًا.
قَوْله: «اِسْتَأْذَنَ الْعَبَّاس رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيت بِمَكَّة لَيَالِي مِنًى مِنْ أَجْل سِقَايَته فَأَذِنَ لَهُ» هَذَا يَدُلّ لِمَسْأَلَتَيْنِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْمَبِيت بِمِنًى لَيَالِي أَيَّام التَّشْرِيق مَأْمُور بِهِ، وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ، لَكِنْ اِخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ وَاجِب أَمْ سُنَّة؟ وَلِلشَّافِعِيِّ فيه قَوْلَانِ: أَصَحّهمَا وَاجِب، وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَحْمَد.
وَالثَّانِي: سُنَّة، وَبِهِ قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَأَبُو حَنِيفَة، فَمَنْ أَوْجَبَهُ أَوْجَبَ الدَّم فِي تَرْكه، وَإِنْ قُلْنَا: سُنَّة، لَمْ يَجِب الدَّم بِتَرْكِهِ، لَكِنْ يُسْتَحَبّ، وَفِي قَدْر الْوَاجِب مِنْ هَذَا الْمَبِيت قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحّهمَا: الْوَاجِب مُعْظَم اللَّيْل، وَالثَّانِي: سَاعَة.
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: يَجُوز لِأَهْلِ السِّقَايَة أَنْ يَتْرُكُوا هَذَا الْمَبِيت، وَيَذْهَبُوا إِلَى مَكَّة لِيَسْتَقُوا بِاللَّيْلِ الْمَاء مِنْ زَمْزَم، وَيَجْعَلُوهُ فِي الْحِيَاض مُسَبَّلًا لِلشَّارِبِينَ وَغَيْرهمْ، وَلَا يَخْتَصّ ذَلِكَ عِنْد الشَّافِعِيّ بِآلِ الْعَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بَلْ كُلّ مَنْ تَوَلَّى السِّقَايَة كَانَ لَهُ هَذَا، وَكَذَا لَوْ أَحْدَثَتْ سِقَايَة أُخْرَى كَانَ لِلْقَائِمِ بِشَأْنِهَا تَرْك الْمَبِيت، هَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا: تَخْتَصّ الرُّخْصَة بِسِقَايَةِ الْعَبَّاس، وَقَالَ بَعْضهمْ: تَخْتَصّ بِآلِ عَبَّاس، وَقَالَ بَعْضهمْ: تَخْتَصّ بِبَنِي هَاشِم مِنْ آل الْعَبَّاس وَغَيْرهمْ، فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَوْجُه لِأَصْحَابِنَا أَصَحّهَا الْأَوَّل. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَاعْلَمْ أَنَّ سِقَايَة النَّاس حَقّ لِآلِ الْعَبَّاس كَانَتْ لِلْعَبَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَأَقَرَّهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ فَهِيَ لِآلِ الْعَبَّاس أَبَدًا.
2319- قَوْله: «قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَته، وَخَلْفه أُسَامَة فَاسْتَسْقَى، فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذ فَشَرِبَ وَسَقَى فَضْله أُسَامَة وَقَالَ: أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ كَذَا فَاصْنَعُوا».
هَذَا الْحَدِيث فيه دَلِيل لِلْمَسَائِلِ الَّتِي تَرْجَمْت عَلَيْهَا، وَقَدْ اِتَّفَقَ أَصْحَابنَا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يَشْرَب الْحَاجّ وَغَيْره مِنْ نَبِيذ سِقَايَة الْعَبَّاس لِهَذَا الْحَدِيث، وَهَذَا النَّبِيذ مَاء مُحَلًّى بِزَبِيبٍ أَوْ غَيْره بِحَيْثُ يَطِيب طَعْمه، وَلَا يَكُون مُسْكِرًا. فَأَمَّا إِذَا طَالَ زَمَنه وَصَارَ مُسْكِرًا فَهُوَ حَرَام.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ» مَعْنَاهُ فَعَلْتُمْ الْحَسَن الْجَمِيل، فَيُؤْخَذ مِنْهُ: اِسْتِحْبَاب الثَّنَاء عَلَى أَصْحَاب السِّقَايَة، وَكُلّ صَانِع جَمِيل. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب فِي الصَّدَقَةِ بِلُحُومِ الْهَدْيِ وَجُلُودِهَا وَجِلاَلِهَا:

2320- قَوْله: «عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقُوم عَلَى بُدْنِه وَأَنْ أَتَصَدَّق بِلُحُومِهَا وَجُلُودهَا وَأَجِلَّتهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِي الْجَزَّار مِنْهَا شَيْئًا وَقَالَ: نَحْنُ نُعْطِيه مِنْ عِنْدنَا» قَالَ أَهْل اللُّغَة: سُمِّيَتْ الْبَدَنَة لِعَظَمِهَا، وَيُطْلَق عَلَى الذَّكَر وَالْأُنْثَى، وَيُطْلَق عَلَى الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم، هَذَا قَوْل أَكْثَر أَهْل اللُّغَة، وَلَكِنَّ مُعْظَم اِسْتِعْمَالهَا فِي الْأَحَادِيث وَكُتُبِ الْفِقْه، فِي الْإِبِل خَاصَّة.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد كَثِيرَة مِنْهَا: اِسْتِحْبَاب سَوْق الْهَدْي، وَجَوَاز النِّيَابَة فِي نَحْره، وَالْقِيَام عَلَيْهِ وَتَفْرِقَته، وَأَنَّهُ يُتَصَدَّق بِلُحُومِهَا وَجُلُودهَا وَجِلَالهَا، وَأَنَّهَا تُجَلَّل، وَاسْتَحَبُّوا أَنْ يَكُون جِلًّا حَسَنًا، وَأَلَّا يُعْطَى الْجَزَّار مِنْهَا، لِأَنَّ عَطِيَّته عِوَض عَنْ عَمَله فَيَكُون فِي مَعْنَى بَيْع جُزْء مِنْهَا، وَذَلِكَ لَا يَجُوز. وَفيه: جَوَاز الِاسْتِئْجَار عَلَى النَّحْر وَنَحْوه، وَمَذْهَبنَا أَنَّهُ لَا يَجُوز بَيْع جِلْد الْهَدْي وَلَا الْأُضْحِيَّة وَلَا شَيْء مِنْ أَجْزَائِهِمَا؛ لِأَنَّهَا لَا يُنْتَفَع بِهَا فِي الْبَيْت وَلَا بِغَيْرِهِ، سَوَاء كَانَا تَطَوُّعًا أَوْ وَاجِبَتَيْنِ، لَكِنْ إِنْ كَانَا تَطَوُّعًا فَلَهُ الِانْتِفَاع بِالْجِلْدِ وَغَيْره بِاللُّبْسِ وَغَيْره، وَلَا يَجُوز إِعْطَاء الْجَزَّار مِنْهَا شَيْئًا بِسَبَبِ جِزَارَته، هَذَا مَذْهَبنَا وَبِهِ قَالَ عَطَاء وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِك وَأَحْمَد وَإِسْحَاق، وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِر عَنْ اِبْن عُمَر وَأَحْمَد وَإِسْحَاق: أَنَّهُ لَا بَأْس بِبَيْعِ جِلْد هَدْيه، وَيَتَصَدَّق بِثَمَنِهِ، قَالَ: وَرَخَّصَ فِي بَيْعه أَبُو ثَوْر، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا بَأْس أَنْ يَشْتَرِي بِهِ الْغِرْبَال وَالْمُنْخُل وَالْفَأْس وَالْمِيزَان وَنَحْوهَا، وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ: يَجُوز أَنْ يُعْطِي الْجَزَّار جِلْدهَا، وَهَذَا مُنَابِذ لِلسُّنَّةِ. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَالَ الْقَاضِي: التَّجْلِيل سُنَّة، وَهُوَ عِنْد الْعُلَمَاء مُخْتَصّ بِالْإِبِلِ، وَهُوَ مِمَّا اُشْتُهِرَ مِنْ عَمَل السَّلَف، قَالَ: وَمِمَّنْ رَآهُ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق. قَالُوا: وَيَكُون بَعْد الْإِشْعَار لِئَلَّا يَتَلَطَّخ بِالدَّمِ، قَالُوا وَيُسْتَحَبّ أَنْ تَكُون قِيمَتهَا وَنَفَاسَتهَا بِحَسَبِ حَال الْمُهْدِي، وَكَانَ بَعْض السَّلَف يُجَلِّل بِالْوَشْيِ، وَبَعْضهمْ بِالْحِبَرَةِ، وَبَعْضهمْ بِالْقُبَاطِيِّ وَالْمَلَاحِف وَالْأُزُر، قَالَ مَالِك: وَتُشَقّ عَلَى الْأَسْنِمَة إِنْ كَانَتْ قَلِيلَة الثَّمَن لِئَلَّا تَسْقُط، قَالَ مَالِك: وَمَا عَلِمَتْ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ إِلَّا اِبْن عُمَر اِسْتِبْقَاء لِلثِّيَابِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُجَلِّل الْجِلَال الْمُرْتَفِعَة مِنْ الْأَنْمَاط وَالْبُرُود وَالْحُبُر، قَالَ: كَانَ لَا يُجَلِّل حَتَّى يَغْدُو مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَات، قَالَ: وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُجَلِّل مِنْ ذِي الْحُلَيْفَة، وَكَانَ يَعْقِد أَطْرَاف الْجِلَال عَلَى أَذْنَابهَا، فَإِذَا مَشَى لَيْلَة نَزَعَهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْم عَرَفَة جَلَّلَهَا، فَإِذَا كَانَ عِنْد النَّحْر نَزَعَهَا لِئَلَّا يُصِيبهَا الدَّم، قَالَ مَالِك: أَمَّا الْجِلّ فَيُنْزَع فِي اللَّيْل، لِئَلَّا يَخْرِقهَا الشَّوْك، قَالَ: وَاسْتُحِبَّ إِنْ كَانَتْ الْجِلَال مُرْتَفِعَة أَنْ يَتْرُك شِقَّهَا، وَأَلَّا يُجَلِّلهَا حَتَّى يَغْدُو إِلَى عَرَفَات فَإِنْ كَانَتْ بِثَمَنٍ يَسِير فَمِنْ حِين يُحْرِم يَشُقّ وَيُجَلِّل، قَالَ الْقَاضِي: وَفِي شَقّ الْجِلَال عَلَى الْأَسْنِمَة فَائِدَة أُخْرَى وَهِيَ إِظْهَار الْإِشْعَار لِئَلَّا يَسْتَتِر تَحْتهَا.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث الصَّدَقَة بِالْجِلَالِ وَهَكَذَا قَالَهُ الْعُلَمَاء وَكَانَ اِبْن عُمَر أَوَّلًا يَكْسُوهَا الْكَعْبَة، فَلَمَّا كُسِيَتْ الْكَعْبَة تَصَدَّقَ بِهَا. وَاَللَّه أَعْلَم.
2321- سبق شرحه بالباب.

.بَابُ الِاشْتِرَاك فِي الْهَدْي وَإِجْزَاء الْبَقَرَة وَالْبَدَنَة كُلّ مِنْهُمَا عَنْ سَبْعَة:

قَوْله: عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ: «نَحَرنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام الْحُدَيْبِيَة الْبَدَنَة عَنْ سَبْعَة وَالْبَقَرَة عَنْ سَبْعَة» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فَأَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْتَرِك فِي الْإِبِل وَالْبَقَر كُلّ سَبْعَة مِنَّا فِي بَدَنَة».
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «اِشْتَرَكْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَجّ وَالْعُمْرَة كُلّ سَبْعَة فِي بَدَنَة».
فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلَالَة لِجَوَازِ الِاشْتِرَاك فِي الْهَدْي، وَفِي الْمَسْأَلَة خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء، فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ جَوَاز الِاشْتِرَاك فِي الْهَدْي، سَوَاء كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ وَاجِبًا، وَسَوَاء كَانُوا كُلّهمْ مُتَقَرِّبِينَ أَوْ بَعْضهمْ يُرِيد الْقُرْبَة، وَبَعْضهمْ يُرِيد اللَّحْم، وَدَلِيله هَذِهِ الْأَحَادِيث، وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَد وَجُمْهُور الْعُلَمَاء، وَقَالَ دَاوُدَ وَبَعْض الْمَالِكِيَّة: يَجُوز الِاشْتِرَاك فِي هَدْي التَّطَوُّع دُون الْوَاجِب، وَقَالَ مَالِك: لَا يَجُوز مُطْلَقًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: يَجُوز إِنْ كَانُوا كُلّهمْ مُتَقَرِّبِينَ، وَإِلَّا فَلَا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الشَّاة لَا يَجُوز الِاشْتِرَاك فيها.
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّ الْبَدَنَة تُجْزِي عَنْ سَبْعَة، وَالْبَقَرَة عَنْ سَبْعَة، وَتَقُوم كُلّ وَاحِدَة مَقَام سَبْع شِيَاه، حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى الْمُحْرِم سَبْعَة دِمَاء بِغَيْرِ جَزَاء الصَّيْد، وَذَبَحَ عَنْهَا بَدَنَة أَوْ بَقَرَة أَجْزَأَهُ عَنْ الْجَمِيع.
2322- سبق شرحه بالباب.
2323- سبق شرحه بالباب.
2324- سبق شرحه بالباب.
2325- قَوْله: (فَقَالَ رَجُل لِجَابِرٍ أَيَشْتَرِكُ فِي الْبَدَنَة مَا يَشْتَرِك فِي الْجَزُور؟ قَالَ: مَا هِيَ إِلَّا مِنْ الْبَدَنَة) قَالَ الْعُلَمَاء: الْجَزُور بِفَتْحِ الْجِيم وَهِيَ الْبَعِير.
قَالَ الْقَاضِي: وَفَرَّقَ هُنَا بَيْن الْبَدَنَة وَالْجَزُور، لِأَنَّ الْبَدَنَة وَالْهَدْي مَا اُبْتُدِيَ إِهْدَاؤُهُ عِنْد الْإِحْرَام، وَالْجَزُور مَا اشْتُرِيَ بَعْد ذَلِكَ لِيُنْحَر مَكَانهَا فَتَوَهَّمَ السَّائِل أَنَّ هَذَا أَحَقّ فِي الِاشْتِرَاك، فَقَالَ فِي جَوَابه: الْجَزُور لَمَّا اُشْتُرِيَت لِلنُّسُكِ صَارَ حُكْمهَا كَالْبُدْنِ.
وَقَوْله: «مَا يَشْتَرِك فِي الْجَزُور» هَكَذَا فِي النُّسَخ: «مَا يَشْتَرِك» وَهُوَ صَحِيح وَيَكُون (مَا) بِمَعْنَى (مَنْ) وَقَدْ جَازَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآن وَغَيْره، وَيَجُوز أَنْ تَكُون مَصْدَرِيَّة أَيْ اِشْتِرَاكًا كَالِاشْتِرَاكِ فِي الْجَزُور.
2326- قَوْله: «فَأَمَرَنَا إِذَا حَلَلْنَا أَنْ نُهْدِي وَيَجْتَمِع النَّفَر مِنَّا فِي الْهَدِيَّة وَذَلِكَ حِين أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ حَجّهمْ». فِي هَذَا فَوَائِد مِنْهَا: وُجُوب الْهَدْي عَلَى الْمُتَمَتِّع، وَجَوَاز الِاشْتِرَاك فِي الْبَدَنَة الْوَاجِبَة لِأَنَّ دَم التَّمَتُّع وَاجِب، وَهَذَا الْحَدِيث صَرِيح فِي الِاشْتِرَاك فِي الْوَاجِب خِلَاف مَا قَالَهُ مَالِك كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ قَرِيبًا. وَفيه دَلِيل لِجَوَازِ ذَبْحِ هَدْي التَّمَتُّع بَعْد التَّحَلُّل مِنْ الْعُمْرَة وَقَبْل الْإِحْرَام بِالْحَجِّ، وَفِي الْمَسْأَلَة خِلَاف وَتَفْصِيل فَمَذْهَبنَا: أَنَّ دَم التَّمَتُّع إِنَّمَا يَجِب إِذَا فَرَغَ مِنْ الْعُمْرَة ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، فَبِإِحْرَامِ الْحَجّ يَجِب الدَّم، وَفِي وَقْت جَوَازه ثَلَاثَة أَوْجُه: الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّهُ يَجُوز بَعْد فَرَاغ الْعُمْرَة وَقَبْل الْإِحْرَام بِالْحَجِّ، وَالثَّانِي: لَا يَجُوز حَتَّى يُحْرِم بِالْحَجِّ، وَالثَّالِث: يَجُوز بَعْد الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ. وَاَللَّه أَعْلَم.
2327- قَوْله: «عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ كُنَّا نَتَمَتَّع مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ فَنَذْبَح الْبَقَرَة عَنْ سَبْعَة» هَذَا فيه دَلِيل لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ لَفْظ (كَانَ) لَا يَقْتَضِي التَّكْرَار؛ لِأَنَّ إِحْرَامهمْ بِالتَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا وُجِدَ مَرَّة وَاحِدَة، وَهِيَ حَجَّة الْوَدَاع. وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم.
2328- سبق شرحه بالباب.