فصل: باب اخْتِبَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْوَةَ الشَّفَاعَةِ لأُمَّتِهِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المشهور بـ «شرح النووي على مسلم»



.باب اخْتِبَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْوَةَ الشَّفَاعَةِ لأُمَّتِهِ:

293- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة يَدْعُوهَا فَأُرِيد أَنْ أَخْتَبِئ دَعْوَتِي شَفَاعَة لِأُمَّتِي يَوْم الْقِيَامَة» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة مُسْتَجَابَة فَتَعَجَّلَ كُلّ نَبِيّ دَعْوَته وَإِنِّي اِخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَة لِأُمَّتِي يَوْم الْقِيَامَة فَهِيَ نَائِلَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة دَعَا بِهَا فِي أُمَّته فَاسْتُجِيبَ لَهُ وَإِنِّي أُرِيدَ إِنْ شَاءَ اللَّه أَنْ أُؤَخِّر دَعْوَتِي شَفَاعَة لِأُمَّتِي يَوْم الْقِيَامَة» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة دَعَاهَا لِأُمَّتِهِ وَإِنِّي اِخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَة لِأُمَّتِي يَوْم الْقِيَامَة» هَذِهِ الْأَحَادِيث تُفَسِّر بَعْضهَا بَعْضًا وَمَعْنَاهُ: أَنَّ كُلّ نَبِيّ لَهُ دَعْوَة مُتَيَقَّنَة الْإِجَابَة وَهُوَ عَلَى يَقِين مِنْ إِجَابَتهَا، وَأَمَّا بَاقِي دَعَوَاتهمْ فَهُمْ عَلَى طَمَع مِنْ إِجَابَتهَا وَبَعْضهَا يُجَاب وَبَعْضهَا لَا يُجَاب، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة لِأُمَّتِهِ كَمَا فِي الرِّوَايَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث: بَيَان كَمَال شَفَقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّته، وَرَأْفَته بِهِمْ، وَاعْتِنَائِهِ بِالنَّظَرِ فِي مَصَالِحهمْ الْمُهِمَّة، فَأَخَّرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْوَته لِأُمَّتِهِ إِلَى أَهَمّ أَوْقَات حَاجَاتهمْ.
294- قَوْله (أَسِيد بْن جَارِيَةَ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر السِّين، وَجَارِيَة بِالْجِيمِ.
295- قَوْله: (كَعْب الْأَحْبَار) هُوَ كَعْب بْن مَاتِع بِالْمِيمِ وَالْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق بَعْدهَا عَيْن (وَالْأَحْبَار) الْعُلَمَاء وَأَحَدهمْ (حَبْر) بِفَتْحِ الْحَاء وَكَسْرهَا لُغَتَانِ، أَيْ كَعْب الْعُلَمَاء كَذَا قَالَهُ اِبْن قُتَيْبَة وَغَيْره، وَقَالَ أَبُو عُبَيْد: سُمِّيَ كَعْب الْأَحْبَار لِكَوْنِهِ صَاحِب كُتُب الْأَحْبَار جَمْع (حِبْر) وَهُوَ مَا يُكْتَب بِهِ وَهُوَ مَكْسُور الْحَاء، وَكَانَ كَعْب مِنْ عُلَمَاء أَهْل الْكِتَاب، ثُمَّ أَسْلَمَ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر، وَقِيلَ: بَلْ فِي خِلَافَة عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا تُوُفِّيَ بِحِمْصَ فِي سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ فِي خِلَافَة عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ، وَهُوَ مِنْ فُضَلَاء التَّابِعِينَ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ.
296- وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَهِيَ نَائِلَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا» فَفيه: دَلَالَة لِمَذْهَبِ أَهْل الْحَقّ أَنَّ كُلّ مَنْ مَاتَ غَيْر مُشْرِك بِاَللَّهِ تَعَالَى لَمْ يُخَلَّد فِي النَّار وَإِنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِر، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ دَلَائِله وَبَيَانه فِي مَوَاضِع كَثِيرَة.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى» هُوَ عَلَى جِهَة التَّبَرُّك وَالِامْتِثَال لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِل ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه}. وَاَللَّه أَعْلَم.
299- قَوْله (وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّان الْمِسْمَعِيّ وَمُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَابْن بَشَّار حَدَّثَانَا وَاللَّفْظ لِأَبِي غَسَّان قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذ يَعْنُونَ اِبْن هِشَام) هَذَا اللَّفْظ قَدْ يَسْتَدْرِكهُ مَنْ لَا مَعْرِفَة لَهُ بِتَحْقِيقِ مُسْلِم وَإِتْقَانه، وَكَمَال وَرَعه وَحِذْقه وَعِرْفَانه، فَيُتَوَهَّم أَنَّ فِي الْكَلَام طُولًا فَيَقُول: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْذِف قَوْله (حَدَّثَانَا)، وَهَذِهِ غَفْلَة مِمَّنْ يَصِير إِلَيْهَا؛ بَلْ فِي كَلَام مُسْلِم فَائِدَة لَطِيفَة، فَإِنَّهُ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ لَفْظ أَبِي غَسَّان وَلَمْ يَكُنْ مَعَ مُسْلِم غَيْره، وَسَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّد بْن مُثَنَّى وَابْن بَشَّار وَكَانَ مَعَهُ غَيْره، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول أَنَّ الْمُسْتَحَبّ وَالْمُخْتَار عِنْد أَهْل الْحَدِيث: أَنَّ مَنْ سَمِعَ وَحْده قَالَ: حَدَّثَنِي، وَمَنْ سَمِعَ مَعَ غَيْره قَالَ: حَدَّثَنَا، فَاحْتَاطَ مُسْلِم وَعَمِلَ بِهَذَا الْمُسْتَحَبّ؛ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّان أَيْ سَمِعْت مِنْهُ وَحْدِي، ثُمَّ اِبْتَدَأَ؛ فَقَالَ: وَمُحَمَّد بْن مُثَنَّى وَابْن بَشَّار حَدَّثَانَا أَيْ سَمِعْت مِنْهُمَا مَعَ غَيْرِي، فَمُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى مُبْتَدَأ وَحَدَّثَانَا الْخَبَر، وَلَيْسَ هُوَ مَعْطُوفًا عَلَى أَبِي غَسَّان. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَقَوْله: (قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذ) يَعْنِي (بِقَالُوا) مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَابْن بَشَّار وَأَبَا غَسَّان. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَقَوْله: عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَس أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة» ثُمَّ ذَكَرَ مُسْلِم طَرِيقًا آخَر عَنْ وَكِيع وَأَبِي أُسَامَة عَنْ مِسْعَر عَنْ قَتَادَةَ ثُمَّ قَالَ: غَيْر أَنَّ فِي حَدِيث وَكِيع قَالَ: (أُعْطِيَ) وَحَدِيث أَبِي أُسَامَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَذَا مِنْ اِحْتِيَاط مُسْلِم رَضِيَ اللَّه عَنْهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ رِوَايَاتهمْ اُخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّة لَفْظ أَنَس؛ فَفِي الرِّوَايَة الْأُولَى عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة»، وَفِي رِوَايَة وَكِيع عَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُعْطِيَ كُلّ نَبِيّ دَعْوَة»، وَفِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَةَ عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة». وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِر عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَس) هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأُمَّتِهِ وَبُكَائِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ:

301- قَوْله: (حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى الصَّدَفِيّ حَدَّثَنَا اِبْن وَهْب قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث أَنَّ بَكْر بْن سَوَادَة حَدَّثَهُ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن جُبَيْر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ) هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ فِي يُونُس سِتّ لُغَات: ضَمّ النُّون وَفَتْحهَا وَكَسْرهَا مَعَ الْهَمْز فيهنَّ وَتَرْكه، وَأَمَّا (الصَّدَفِيّ) فَبِفَتْحِ الصَّاد وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبِالْفَاءِ مَنْسُوب إِلَى الصَّدِف- بِفَتْحِ الصَّاد وَكَسْر الدَّال- قَبِيلَة مَعْرُوفَة، قَالَ أَبُو سَعِيد بْن يُونُس: دَعَوْتهمْ فِي الصَّدِف وَلَيْسَ مِنْ أَنْفُسهمْ وَلَا مِنْ مَوَالِيهمْ، تُوُفِّيَ يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى هَذَا فِي شَهْر رَبِيع الْآخِر سَنَة أَرْبَع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ مَوْلِده فِي ذِي الْحِجَّة سَنَة سَبْعِينَ وَمِائَة، فَفِي هَذَا الْإِسْنَاد رِوَايَة لِمُسْلِمٍ عَنْ شَيْخ عَاشَ بَعْده فَإِنَّ مُسْلِمًا تُوُفِّيَ سَنَة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا (بَكْر بْن سَوَادَة) فَبِفَتْحِ السِّين وَتَخْفِيف الْوَاو. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْل اللَّه تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاس} الْآيَة.
وَقَالَ عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك}) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول (وَقَالَ عِيسَى): قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: قَالَ بَعْضهمْ: قَوْله (قَالَ) هُوَ اِسْم لِلْقَوْلِ لَا فِعْل يُقَال قَالَ قَوْلًا وَقَالًا وَقِيلًا كَأَنَّهُ قَالَ: وَتَلَا قَوْل عِيسَى. هَذَا كَلَام الْقَاضِي عِيَاض.
قَوْله عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي وَبَكَى. فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيل اِذْهَبْ إِلَى مُحَمَّد- وَرَبّك أَعْلَم- فَاسْأَلْهُ مَا يُبْكِيك فَأَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَسَأَلَهُ فَأَخْبِرْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَم فَقَالَ اللَّه تَعَالَى: يَا جِبْرِيل اِذْهَبْ إِلَى مُحَمَّد فَقُلْ إِنَّا سَنُرْضِيك فِي أُمَّتك وَلَا نَسُوءك» هَذَا الْحَدِيث مُشْتَمِل عَلَى أَنْوَاع مِنْ الْفَوَائِد مِنْهَا: بَيَان كَمَال شَفَقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّته وَاعْتِنَائِهِ بِمَصَالِحِهِمْ، وَاهْتِمَامه بِأَمْرِهِمْ، وَمِنْهَا: اِسْتِحْبَاب رَفْع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء، وَمِنْهَا: الْبِشَارَة الْعَظِيمَة لِهَذِهِ الْأُمَّة- زَادَهَا اللَّه تَعَالَى شَرَفًا- بِمَا وَعَدَهَا اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِهِ: سَنُرْضِيك فِي أُمَّتك وَلَا نَسُوءك وَهَذَا مِنْ أَرْجَى الْأَحَادِيث لِهَذِهِ الْأُمَّة أَوْ أَرْجَاهَا، وَمِنْهَا: بَيَان عِظَم مَنْزِلَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد اللَّه تَعَالَى وَعَظِيم لُطْفه سُبْحَانه بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْحِكْمَة فِي إِرْسَال جِبْرِيل لِسُؤَالِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِظْهَار شَرَف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ بِالْمَحِلِّ الْأَعْلَى فَيُسْتَرْضَى وَيُكْرَم بِمَا يُرْضِيه وَاَللَّه أَعْلَم.
وَهَذَا الْحَدِيث مُوَافِق لِقَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيك رَبّك فَتَرْضَى}.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: وَلَا نَسُوءك، فَقَالَ صَاحِب التَّحْرِير: هُوَ تَأْكِيد لِلْمَعْنَى أَيْ: لَا نُحْزِنك؛ لِأَنَّ الْإِرْضَاء قَدْ يَحْصُل فِي حَقّ الْبَعْض بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ وَيَدْخُل الْبَاقِي النَّار فَقَالَ تَعَالَى: نُرْضِيك وَلَا نُدْخِل عَلَيْك حُزْنًا بَلْ نُنَجِّي الْجَمِيع. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب بَيَانِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَلاَ تَنَالُهُ شَفَاعَةٌ وَلاَ تَنْفَعُهُ قَرَابَةُ الْمُقَرَّبِينَ:

302- قَوْله: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُول اللَّه أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: فِي النَّار، فَلَمَّا قَفَى دَعَاهُ قَالَ: إِنَّ أَبِي وَأَبَاك فِي النَّار» فيه: أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْر فَهُوَ فِي النَّار، وَلَا تَنْفَعهُ قَرَابَة الْمُقَرَّبِينَ، وَفيه أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَة عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَب مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان فَهُوَ مِنْ أَهْل النَّار، وَلَيْسَ هَذَا مُؤَاخَذَة قَبْل بُلُوغ الدَّعْوَة، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَة إِبْرَاهِيم وَغَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه تَعَالَى وَسَلَامه عَلَيْهِمْ.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاك فِي النَّار» هُوَ مِنْ حُسْن الْعِشْرَة لِلتَّسْلِيَةِ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْمُصِيبَة وَمَعْنَى (قَفَى) وَلَّى قَفَاهُ مُنْصَرِفًا.

.باب فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}:

303- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا بَنِي كَعْب بْن لُؤَيّ» قَالَ صَاحِب الْمَطَالِع لُؤَيّ يُهْمَز وَلَا يُهْمَز وَالْهَمْز أَكْثَر.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا فَاطِمَة أَنْقِذِي نَفْسك» هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول فَاطِمَة وَفِي بَعْضهَا أَوْ أَكْثَرهَا: «يَا فَاطِم» بِحَذْفِ الْهَاء عَلَى التَّرْخِيم، وَعَلَى هَذَا يَجُوز ضَمّ الْمِيم وَفَتْحهَا كَمَا عُرِفَ فِي نَظَائِره.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنِّي لَا أَمْلِك لَكُمْ مِنْ اللَّه شَيْئًا» مَعْنَاهُ: لَا تَتَّكِلُوا عَلَى قَرَابَتِي فَإِنِّي لَا أَقْدِر عَلَى دَفْع مَكْرُوه يُرِيدهُ اللَّه تَعَالَى بِكَمْ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «غَيْر أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلَالِهَا» ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الْبَاء الثَّانِيَة وَكَسْرهَا وَهُمَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا جَمَاعَات مِنْ الْعُلَمَاء، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: رَوَيْنَاهُ بِالْكَسْرِ، قَالَ: وَرَأَيْت لِلْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ، وَقَالَ صَاحِب الْمَطَالِع رَوَيْنَاهُ بِكَسْرِ الْبَاء وَفَتْحهَا مِنْ بَلَّهُ يَبُلّهُ وَالْبِلَال الْمَاء، وَمَعْنَى الْحَدِيث: سَأَصِلُهَا، شُبِّهَتْ قَطِيعَة الرَّحِم بِالْحَرَارَةِ وَوَصْلهَا بِإِطْفَاءِ الْحَرَارَة بِبُرُودَةٍ، وَمِنْهُ: «بُلُّوا أَرْحَامكُمْ» أَيْ: صِلُوهَا.
304- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا فَاطِمَة بِنْت مُحَمَّد يَا صَفِيَّة بِنْت عَبْد الْمُطَّلِب يَا عَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب» يَجُوز نَصْب فَاطِمَة وَصْفِيَّة وَعَبَّاس وَضَمّهمْ وَالنَّصْب أُفْصَح وَأَشْهَر.
وَأَمَّا بِنْت وَابْن فَمَنْصُوب لَا غَيْر، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا مَعْرُوفًا فَلَا بَأْس بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ لِمَنْ لَا يَحْفَظهُ. وَأَفْرَدَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَؤُلَاءِ لِشِدَّةِ قَرَابَتهمْ.
306- قَوْله: عَنْ قَبِيصَة بْن الْمُخَارِق وَزُهَيْر بْن عَمْرو رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَا: «لَمَّا نَزَلَتْ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك الْأَقْرَبِينَ} قَالَ اِنْطَلَقَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَضْمَة مِنْ جَبَل فَعَلَا أَعْلَاهَا حَجَرًا ثُمَّ نَادَى يَا بَنِي عَبْد مَنَافَاهُ إِنِّي نَذِير إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلكُمْ كَمَثَلِ رَجُل رَأَى الْعَدُوّ فَانْطَلَقَ يَرْبَأ أَهْله فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ فَجَعَلَ يَهْتِف يَا صَبَاحَاهُ» أَمَّا قَوْله أَوَّلًا: (قَالَ: اِنْطَلَقَ) فَمَعْنَاهُ قَالَا؛ لِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّ قَبِيصَة وَزُهَيْرًا قَالَا، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَا مُتَّفِقَيْنِ وَهُمَا كَالرَّجُلِ الْوَاحِد أَفْرَدَ فِعْلهمَا، وَلَوْ حُذِفَ لَفْظَة (قَالَ) كَانَ الْكَلَام وَاضِحًا مُنْتَظِمًا وَلَكِنْ لَمَّا حَصَلَ فِي الْكَلَام بَعْض الطُّول حَسُنَ إِعَادَة (قَالَ) لِلتَّأْكِيدِ، وَمِثْله فِي الْقُرْآن الْعَزِيز: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} فَأَعَادَ (أَنَّكُمْ) وَلَهُ نَظَائِر كَثِيرَة فِي الْقُرْآن الْعَزِيز وَالْحَدِيث.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي مَوَاضِع مِنْ هَذَا الْكِتَاب. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا (الْمُخَارِق وَالِد قَبِيصَة) فَبِضَمِّ الْمِيم وَالْخَاء الْمُعْجَمَة.
وَأَمَّا (الرَّضْمَة) فَبِفَتْحِ الرَّاء وَإِسْكَان الضَّاد الْمُعْجَمَة وَبِفَتْحِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا صَاحِب الْمَطَالِع وَغَيْره وَاقْتَصَرَ صَاحِب (الْعَيْن) وَالْجَوْهَرِيّ وَالْهَرَوِيّ وَغَيْرهمْ عَلَى الْإِسْكَان، وَابْن فَارِس وَبَعْضهمْ عَلَى الْفَتْح قَالُوا: وَالرَّضْمَة وَاحِدَة الرَّضْم وَالرِّضَام وَهِيَ صُخُور عِظَام بَعْضهَا فَوْق بَعْض، وَقِيلَ هِيَ دُون الْهِضَاب، وَقَالَ صَاحِب (الْعَيْن) الرَّضْمَة. حِجَارَة مُجْتَمِعَة لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ فِي الْأَرْض كَأَنَّهَا مَنْثُورَة وَأَمَّا (يَرْبَأ) فَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَإِسْكَان الرَّاء وَبَعْدهَا بَاء مُوَحَّدَة ثُمَّ هَمْزَة عَلَى وَزْن يَقْرَأ، وَمَعْنَاهُ: يَحْفَظهُمْ وَيَتَطَلَّع لَهُمْ، وَيُقَال لِفَاعِلِ ذَلِكَ (رَبِيئَة) وَهُوَ الْعَيْن وَالطَّلِيعَة الَّذِي يَنْظُر لِلْقَوْمِ لِئَلَّا يَدْهَمَهُمْ الْعَدُوّ، وَلَا يَكُون فِي الْغَالِب إِلَّا عَلَى جَبَل أَوْ شَرَف أَوْ شَيْء مُرْتَفِع لِيَنْظُرَ إِلَى بُعْد.
وَأَمَّا (يَهْتِف) فَبِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْر التَّاء، وَمَعْنَاهُ: يَصِيح وَيَصْرُخ، وَقَوْلهمْ: (يَا صَبَاحَاهُ) كَلِمَة يَعْتَادُونَهَا عِنْد وُقُوع أَمْر عَظِيم فَيَقُولُونَهَا لِيَجْتَمِعُوا وَيَتَأَهَّبُوا لَهُ. وَاَللَّه أَعْلَم.
307- وَقَوْله عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك الْأَقْرَبِينَ} (وَرَهْطك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ) هُوَ بِفَتْحِ اللَّام فَظَاهِر هَذِهِ الْعِبَارَة أَنَّ قَوْله: (وَرَهْطك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ) كَانَ قُرْآنًا أُنْزِلَ ثُمَّ نُسِخَتْ تِلَاوَته، وَلَمْ تَقَع هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَات الْبُخَارِيّ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَل أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» أَمَّا (سَفْح الْجَبَل) فَبِفَتْحِ السِّين وَهُوَ أَسْفَله، وَقِيلَ: عَرْضه، وَأَمَّا (مُصَدِّقِيَّ) فَبِتَشْدِيدِ الدَّال وَالْيَاء. قَوْله: (فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَة: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبَّ} كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَش إِلَى آخِر السُّورَة) مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَعْمَش زَادَ لَفْظَة (قَدْ) بِخِلَافِ الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة وَقَوْله: (إِلَى آخِر السُّورَة) يَعْنِي أَتَمَّ الْقِرَاءَة إِلَى آخِر السُّورَة كَمَا يَقْرَؤُهَا النَّاس، وَفِي (السُّورَة) لُغَتَانِ الْهَمْز وَتَرْكه حَكَاهُمَا اِبْن قُتَيْبَة وَالْمَشْهُور بِغَيْرِ هَمْز كَسُوَرِ الْبَلَد لِارْتِفَاعِهَا وَمَنْ هَمَزَهُ قَالَ: هِيَ قِطْعَة مِنْ الْقُرْآن كَسُؤْرِ الطَّعَام وَالشَّرَاب وَهِيَ الْبَقِيَّة مِنْهُ، وَفِي (أَبِي لَهَب) لُغَتَانِ: قُرِئَ بِهِمَا فَتْح الْهَاء وَإِسْكَانهَا، وَاسْمه عَبْد الْعُزَّى، وَمَعْنَى (تَبَّ) خَسِرَ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهَذِهِ السُّورَة عَلَى جَوَاز تَكْنِيَة الْكَافِر، وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِي جَوَاز تَكْنِيَة الْكَافِر بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَة وَقَالَ بَعْضهمْ: إِنَّمَا يَجُوز مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَى جِهَة التَّأَلُّف وَإِلَّا فَلَا؛ إِذْ فِي التَّكْنِيَة تَعْظِيم وَتَكْبِير، وَأَمَّا تَكْنِيَة اللَّه تَعَالَى لِأَبِي لَهَب فَلَيْسَتْ مِنْ هَذَا، وَلَا حُجَّة فيه إِذَا كَانَ اِسْمه عَبْد الْعُزَّى، وَهَذِهِ تَسْمِيَة بَاطِلَة فَلِهَذَا كَنَّى عَنْهُ.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يُعْرَف بِهَا، وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا لَهَب لَقَب وَلَيْسَ بِكُنْيَةٍ، وَكُنْيَته أَبُو عُتْبَةَ، وَقِيلَ: جَاءَ ذِكْر أَبِي لَهَب لِمُجَانَسَةِ الْكَلَام. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب شَفَاعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَبِي طَالِبٍ وَالتَّخْفِيفِ عَنْهُ بِسَبَبِهِ:

308- قَوْله: (كَانَ يَحُوطُك) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الْحَاء.
قَالَ أَهْل اللُّغَة: يُقَال: حَاطَهُ يَحُوطهُ حَوْطًا وَحِيَاطَة إِذَا صَانَهُ وَحَفِظَهُ وَذَبَّ عَنْهُ وَتَوَفَّرَ عَلَى مَصَالِحه.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار» قَالَ أَهْل اللُّغَة: فِي الدَّرْك لُغَتَانِ فَصَيْحَتَانِ مَشْهُورَتَانِ: فَتْح الرَّاء وَإِسْكَانهَا، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي الْقِرَاءَات السَّبْع، قَالَ الْفَرَّاء: هُمَا لُغَتَانِ جَمْعهمَا أَدْرَاكٌ، وَقَالَ الزَّجَّاج: اللُّغَتَانِ حَكَاهُمَا أَهْل اللُّغَة، إِلَّا أَنَّ الِاخْتِيَار فَتْح الرَّاء لِأَنَّهُ أَكْثَر فِي الِاسْتِعْمَال، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: جَمْع (الدَّرَك) بِالْفَتْحِ أَدْرَاك كَجَمَلٍ وَأَجْمَال وَفَرَس وَأَفْرَاس، وَجَمْع (الدَّرْك) بِالْإِسْكَانِ أَدْرُكٌ كَفَلْسٍ وَأَفْلُس.
وَأَمَّا مَعْنَاهُ: فَقَالَ جَمِيع أَهْل اللُّغَة وَالْمَعَانِي وَالْغَرِيب وَجَمَاهِير الْمُفَسِّرِينَ: الدَّرْك الْأَسْفَل قَعْر جَهَنَّم. وَأَقْصَى أَسْفَلهَا، قَالُوا: وَلِجَهَنَّمَ أَدْرَاك، فَكُلّ طَبَقَة مِنْ أَطْبَاقهَا تُسَمَّى دَرْكًا. وَاَللَّهُ أَعْلَم.
309- وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَجَدْته فِي غَمَرَات مِنْ النَّار فَأَخْرَجْته إِلَى ضَحْضَاح» أَمَّا الضَّحْضَاح فَهُوَ بِضَادَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، وَالضَّحْضَاح: مَا رَقّ مِنْ الْمَاء عَلَى وَجْه الْأَرْض إِلَى نَحْو الْكَعْبَيْنِ، وَاسْتُعِيرَ فِي النَّار.
وَأَمَّا الْغَمَرَات فَبِفَتْحِ الْغَيْن وَالْمِيم وَاحِدَتهَا غَمْرَة بِإِسْكَانِ الْمِيم وَهِيَ الْمُعْظَم مِنْ الشَّيْء.

.باب أَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا:

313- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوضَع فِي أَخْمُص قَدَمَيْهِ» هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَهُوَ الْمُتَجَافِي مِنْ الرِّجْل عَنْ الْأَرْض.
314- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَهْوَن أَهْل النَّار عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَار يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغه كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَل» أَمَّا (الشِّرَاك) فَبِكَسْرِ الشِّين وَهُوَ أَحَد سُيُور النَّعْل، وَهُوَ الَّذِي يَكُون عَلَى وَجْههَا وَعَلَى ظَهْر الْقَدَم. وَالْغَلَيَان مَعْرُوف وَهُوَ شِدَّة اِضْطِرَاب الْمَاء وَنَحْوه عَلَى النَّار لِشِدَّةِ اِتِّقَادهَا، يُقَال: غَلَتْ الْقِدْر تَغْلِي غَلْيًا وَغَلَيَانًا وَأَغْلَيْتهَا أَنَا.
وَأَمَّا (الْمِرْجَل) فَبِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْجِيم وَهُوَ قِدْر مَعْرُوف سَوَاء كَانَ مِنْ حَدِيد أَوْ نُحَاس أَوْ حِجَارَة أَوْ خَزَف، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَقَالَ صَاحِب الْمَطَالِع: وَقِيلَ: هُوَ الْقِدْر مِنْ النُّحَاس يَعْنِي خَاصَّة، وَالْأَوَّل أَعْرَف وَالْمِيم فيه زَائِدَة. وَفِي هَذَا الْحَدِيث وَمَا أَشْبَهَهُ تَصْرِيح بِتَفَاوُتِ عَذَاب أَهْل النَّار كَمَا أَنَّ نَعِيمَ أَهْل الْجَنَّة مُتَفَاوِت. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لاَ يَنْفَعُهُ عَمَلٌ:

315- حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ: «قُلْت يَا رَسُول اللَّه اِبْن جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة يَصِل الرَّحِم وَيُطْعِم الْمِسْكِين فَهَلْ ذَلِكَ نَافِعه؟ قَالَ: لَا يَنْفَعهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبّ اِغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْم الدِّين» مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ مَا كَانَ يَفْعَلهُ مِنْ الصِّلَة وَالْإِطْعَام وَوُجُوه الْمَكَارِم لَا يَنْفَعهُ فِي الْآخِرَة؛ لِكَوْنِهِ كَافِرًا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمْ يَقُلْ رَبّ اِغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْم الدِّين» أَيْ لَمْ يَكُنْ مُصَدِّقًا بِالْبَعْثِ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّق بِهِ كَافِر وَلَا يَنْفَعهُ عَمَل.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: وَقَدْ اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْكُفَّار لَا تَنْفَعهُمْ أَعْمَالهمْ، وَلَا يُثَابُونَ عَلَيْهَا بِنَعِيمٍ وَلَا تَخْفِيف عَذَاب، لَكِنَّ بَعْضهمْ أَشَدّ عَذَابًا مِنْ بَعْض بِحَسَبِ جَرَائِمهمْ. هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي. وَذَكَرَ الْإِمَام الْحَافِظ الْفَقِيه أَبُو بَكْر الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابه الْبَعْث وَالنُّشُور نَحْو هَذَا عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم وَالنَّظَر، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون حَدِيث اِبْن جُدْعَانَ وَمَا وَرَدَ مِنْ الْآيَات وَالْأَخْبَار فِي بُطْلَان خَيْرَات الْكَافِر إِذَا مَاتَ عَلَى الْكُفْر، وَرَدَ فِي أَنَّهُ لَا يَكُون لَهَا مَوْقِع التَّخَلُّص مِنْ النَّار وَإِدْخَال الْجَنَّة وَلَكِنْ يُخَفَّف عَنْهُ عَذَابه الَّذِي يَسْتَوْجِبهُ عَلَى جِنَايَات اِرْتَكَبَهَا سِوَى الْكُفْر بِمَا فَعَلَ مِنْ الْخَيْرَات. هَذَا كَلَام الْبَيْهَقِيِّ.
قَالَ الْعُلَمَاء: وَكَانَ اِبْن جُدْعَانَ كَثِير الْإِطْعَام وَكَانَ اِتَّخَذَ لِلضِّيفَانِ جَفْنَة يُرْقَى إِلَيْهَا بِسُلَّمٍ، وَكَانَ مِنْ بَنِي تَمِيم بْن مُرَّة أَقْرِبَاء عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا، وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاء قُرَيْش، وَاسْمه عَبْد اللَّه، (وَجُدْعَان) بِضَمِّ الْجِيم وَإِسْكَان الدَّال الْمُهْمَلَة وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة.
وَأَمَّا صِلَة الرَّحِم فَهِيَ الْإِحْسَان إِلَى الْأَقَارِب، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانهَا.
وَأَمَّا الْجَاهِلِيَّة فَمَا كَانَ قَبْل النُّبُوَّة، سُمُّوا بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ جَهَالَاتهمْ. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب مُوَالاَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَمُقَاطَعَةِ غَيْرِهِمْ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ:

316- وَقَوْله: (سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِهَارًا غَيْر سِرّ يَقُول: «أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي يَعْنِي فُلَانًا لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاء إِنَّمَا وَلِيِّي اللَّه وَصَالِح الْمُؤْمِنِينَ») هَذِهِ الْكِنَايَة بِقَوْلِهِ: يَعْنِي فُلَانًا، هِيَ مِنْ بَعْض الرُّوَاة خَشِيَ أَنْ يُسَمِّيَهُ فَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَفْسَدَة وَفِتْنَة إِمَّا فِي حَقّ نَفْسه وَإِمَّا فِي حَقّه وَحَقّ غَيْره، فَكَنَّى عَنْهُ وَالْغَرَض إِنَّمَا هُوَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا وَلِيِّي اللَّه وَصَالِح الْمُؤْمِنِينَ»، وَمَعْنَاهُ: إِنَّمَا وَلِيِّي مَنْ كَانَ صَالِحًا وَإِنْ بَعُدَ نَسَبًا مِنِّي، وَلَيْسَ وَلِيِّي مَنْ كَانَ غَيْر صَالِح وَإِنْ كَانَ نَسَبه قَرِيبًا، قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: قِيلَ: إِنَّ الْمُكَنَّى عَنْهُ هاهنا هُو: (الْحَكَم بْن أَبِي الْعَاصِ). وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا قَوْله: (جِهَارًا) فَمَعْنَاهُ عَلَانِيَة لَمْ يَخَفْهُ بَلْ بَاحَ بِهِ وَأَظْهَرَهُ وَأَشَاعَهُ، فَفيه التَّبَرُّؤ مِنْ الْمُخَالِفِينَ وَمُوَالَاة الصَّالِحِينَ وَالْإِعْلَان بِذَلِكَ مَا لَمْ يَخَفْ تَرَتُّب فِتْنَة عَلَيْهِ. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب الدَّلِيلِ عَلَى دُخُولِ طَوَائِفَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلاَ عَذَابٍ:

317- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَدْخُل مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّة سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَاب» فيه: عِظَم مَا أَكْرَمَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّته- زَادَهَا اللَّه فَضْلًا وَشَرَفًا-، وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيح مُسْلِم سَبْعُونَ أَلْفًا مَعَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا.
318- قَوْله: (عُكَّاشَة بْن مِحْصَن) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْن وَتَشْدِيد الْكَاف وَتَخْفِيفهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ذَكَرَهُمَا جَمَاعَات مِنْهُمْ ثَعْلَب وَالْجَوْهَرِيّ وَآخَرُونَ، قَالَ الْجَوْهَرِيّ: قَالَ ثَعْلَب: هُوَ مُشَدَّد وَقَدْ يُخَفَّف، وَقَالَ صَاحِب الْمَطَالِع: التَّشْدِيد أَكْثَر، وَلَمْ يَذْكُر الْقَاضِي عِيَاض هُنَا غَيْر التَّشْدِيد.
وَأَمَّا (مِحْصَن) فَبِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الصَّاد.
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ الثَّانِي: (سَبَقَك بِهَا عكاشة) فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: قِيلَ إِنَّ الرَّجُل الثَّانِي لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَسْتَحِقّ تِلْكَ الْمَنْزِلَة وَلَا كَانَ بِصِفَةِ أَهْلهَا بِخِلَافِ عكاشة، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ مُنَافِقًا فَأَجَابَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلَامٍ مُحْتَمَل، وَلَمْ يَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّصْرِيح لَهُ بِأَنَّك لَسْت مِنْهُمْ لِمَا كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ حُسْن الْعِشْرَة، وَقِيلَ: قَدْ يَكُون سَبَقَ عكاشة بِوَحْيٍ أَنَّهُ يُجَاب فيه وَلَمْ يَحْصُل ذَلِكَ لِلْآخَرِ، قُلْت: وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه فِي الْأَسْمَاء الْمُبْهَمَة أَنَّهُ يُقَال إِنَّ هَذَا الرَّجُل هُوَ سَعْد بْن عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا بَطَلَ قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُنَافِق، وَالْأَظْهَر الْمُخْتَار هُوَ الْقَوْل الْأَخِير. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَقَوْله (يَرْفَع نَمِرَة) النَّمِرَة كِسَاء فيه خُطُوط بِيض وَسُود وَحُمْر كَأَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْ جِلْد النَّمِر لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّلَوُّن وَهِيَ مِنْ مَآزِر الْعَرَب.
319- قَوْله: (حَدَّثَنِي أَبُو يُونُس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ) وَاسْم أَبِي يُونُس هَذَا (سُلَيْم بْن جُبَيْر) بِضَمِّ السِّين وَالْجِيم الْمِصْرِيّ الدَّوْسِيّ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيَدْخُل الْجَنَّة مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا زُمْرَة وَاحِدَة مِنْهُمْ عَلَى صُورَة الْقَمَر» رُوِيَ (زُمْرَة وَاحِدَة) بِالنَّصْبِ وَالرَّفْع، وَالزُّمْرَة الْجَمَاعَة فِي تَفْرِقَةِ بَعْضهَا فِي إِثْر بَعْضٍ.
320- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُمْ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ» اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث، فَقَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيُّ: اِحْتَجَّ بَعْض النَّاس بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ التَّدَاوِي مَكْرُوه، وَمُعْظَم الْعُلَمَاء عَلَى خِلَاف ذَلِكَ، وَاحْتَجُّوا بِمَا وَقَعَ فِي أَحَادِيث كَثِيرَة مِنْ ذِكْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنَافِعِ الْأَدْوِيَة وَالْأَطْعِمَة كَالْحَبَّةِ السَّوْدَاء وَالْقُسْط وَالصَّبْر وَغَيْر ذَلِكَ، وَبِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدَاوَى، وَبِإِخْبَارِ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا بِكَثْرَةِ تُدَاوِيه وَبِمَا عُلِمَ مِنْ الِاسْتِشْفَاء بِرُقَاهُ، وَبِالْحَدِيثِ الَّذِي فيه أَنَّ بَعْض الصَّحَابَة أَخَذُوا عَلَى الرُّقْيَة أَجْرًا، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا حُمِلَ مَا فِي الْحَدِيث عَلَى قَوْم يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْأَدْوِيَة نَافِعَة بِطَبْعِهَا وَلَا يُفَوِّضُونَ الْأَمْر إِلَى اللَّه تَعَالَى.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: قَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيل غَيْر وَاحِد مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْحَدِيث، وَلَا يَسْتَقِيم هَذَا التَّأْوِيل وَإِنَّمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ مَزِيَّة وَفَضِيلَة يَدْخُلُونَ الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب، وَبِأَنَّ وُجُوههمْ تُضِيء إِضَاءَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَأَوَّلَهُ هَؤُلَاءِ لَمَا اُخْتُصَّ هَؤُلَاءِ بِهَذِهِ الْفَضِيلَة؛ لِأَنَّ تِلْكَ هِيَ عَقِيدَة جَمِيع الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ اِعْتَقَدَ خِلَاف ذَلِكَ كَفَرَ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاء وَأَصْحَاب الْمَعَانِي عَلَى هَذَا؛ فَذَهَبَ أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره إِلَى أَنَّ الْمُرَاد: مَنْ تَرَكَهَا تَوَكُّلًا عَلَى اللَّه تَعَالَى وَرِضَاء بِقَضَائِهِ وَبَلَائِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهَذِهِ مِنْ أَرْفَع دَرَجَات الْمُحَقِّقِينَ بِالْإِيمَانِ قَالَ: وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَة سَمَّاهُمْ، قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا ظَاهِر الْحَدِيث وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا فَرْق بَيْنَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَيّ وَالرُّقَى وَسَائِر أَنْوَاع الطِّبّ.
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ فِي الصِّحَّة فَإِنَّهُ يُكْرَه لِمَنْ لَيْسَتْ بِهِ عِلَّة أَنْ يَتَّخِذ التَّمَائِم وَيَسْتَعْمِل الرُّقَى، وَأَمَّا مَنْ يَسْتَعْمِل ذَلِكَ مِمَّنْ بِهِ مَرَض فَهُوَ جَائِز. وَذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى تَخْصِيص الرُّقَى وَالْكَيّ مِنْ بَيْن أَنْوَاع الطِّبّ لِمَعْنًى وَأَنَّ الطِّبّ غَيْر قَادِح فِي التَّوَكُّل، إِذْ تَطَبَّبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْفُضَلَاء مِنْ السَّلَف. وَكُلّ سَبَب مَقْطُوع بِهِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْب لِلْغِذَاءِ وَالرِّيّ لَا يَقْدَح التَّوَكُّل عِنْد الْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذَا الْبَاب، وَلِهَذَا لَمْ يُنْفَ عَنْهُمْ التَّطَبُّب، وَلِهَذَا لَمْ يَجْعَلُوا الِاكْتِسَاب لِلْقُوتِ وَعَلَى الْعِيَال قَادِحًا فِي التَّوَكُّل إِذَا لَمْ يَكُنْ ثِقَته فِي رِزْقه بِاكْتِسَابِهِ وَكَانَ مُفَوِّضًا فِي ذَلِكَ كُلّه إِلَى اللَّه تَعَالَى، وَالْكَلَام فِي الْفَرْق بَيْن الطِّبّ وَالْكَيّ يَطُول، وَقَدْ أَبَاحَهُمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَثْنَى عَلَيْهِمَا، لَكِنِّي أَذْكُر مِنْهُ نُكْتَة تَكْفِي وَهُوَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تطبب فِي نَفْسه وَطَبَّبَ غَيْره، وَلَمْ يَكْتَوِ وَكَوَى غَيْره، وَنَهَى فِي الصَّحِيح أُمَّته عَنْ الْكَيّ وَقَالَ: «مَا أُحِبّ أَنْ أَكْتَوِي». هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَالظَّاهِر مِنْ مَعْنَى الْحَدِيث مَا اِخْتَارَهُ الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَحَاصِله: أَنَّ هَؤُلَاءِ كَمُلَ تَفْوِيضهمْ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَلَمْ يَتَسَبَّبُوا فِي دَفْع مَا أَوْقَعَهُ بِهِمْ. وَلَا شَكّ فِي فَضِيلَة هَذِهِ الْحَالَة وَرُجْحَان صَاحِبهَا.
وَأَمَّا تَطَبُّب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَعَلَهُ لِيُبَيِّن لَنَا الْجَوَاز. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ» اِخْتَلَفَتْ عِبَارَات الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف فِي حَقِيقَة التَّوَكُّل، فَحَكَى الْإِمَام أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيُّ وَغَيْره عَنْ طَائِفَة مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَسْتَحِقّ اِسْم التَّوَكُّل إِلَّا مَنْ لَمْ يُخَالِط قَلْبه خَوْف غَيْر اللَّه تَعَالَى مِنْ سَبُع أَوْ عَدُوّ حَتَّى يَتْرُك السَّعْي فِي طَلَب الرِّزْق ثِقَة بِضَمَانِ اللَّه تَعَالَى لَهُ رِزْقه، وَاحْتَجُّوا بِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْآثَار.
وَقَالَتْ طَائِفَة: حَدّه الثِّقَة بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْإِتْقَان بِأَنَّ قَضَاءَهُ نَافِذ وَاتِّبَاع سُنَّة نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّعْي فِيمَا لابد مِنْهُ مِنْ الْمَطْعَم وَالْمَشْرَب وَالتَّحَرُّز مِنْ الْعَدُوّ كَمَا فَعَلَهُ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَهَذَا الْمَذْهَب هُوَ اِخْتِيَار الطَّبَرِيُّ وَعَامَّة الْفُقَهَاء، وَالْأَوَّل مَذْهَب بَعْض الْمُتَصَوِّفَة وَأَصْحَاب عِلْم الْقُلُوب وَالْإِشَارَات. وَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ إِلَى نَحْو مَذْهَب الْجُمْهُور، وَلَكِنْ لَا يَصِحّ عِنْدهمْ اِسْم التَّوَكُّل مَعَ الِالْتِفَات وَالطُّمَأْنِينَة إِلَى الْأَسْبَاب، بَلْ فِعْل الْأَسْبَاب سُنَّة اللَّه وَحِكْمَته وَالثِّقَة بِأَنَّهُ لَا يَجْلِب نَفْعًا وَلَا يَدْفَع ضُرًّا وَالْكُلّ مِنْ اللَّه تَعَالَى وَحْده. هَذَا كَلَام الْقَاضِي عِيَاض قَالَ الْإِمَام الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: اِعْلَمْ أَنَّ التَّوَكُّل مَحَلّه الْقَلْب، وَأَمَّا الْحَرَكَة بِالظَّاهِرِ فَلَا تُنَافِي التَّوَكُّل بِالْقَلْبِ بَعْد مَا تَحَقَّقَ الْعَبْد أَنَّ الثِّقَة مِنْ قِبَل اللَّه تَعَالَى، فَإِنْ تَعَسَّرَ شَيْء فَبِتَقْدِيرِهِ، وَإِنْ تَيَسَّرَ فَبِتَيَسُّرِهِ.
وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه التَّسَتُّرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: التَّوَكُّل الِاسْتِرْسَال مَعَ اللَّه تَعَالَى عَلَى مَا يُرِيد.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الْجَبْرِيّ: التَّوَكُّل الِاكْتِفَاء بِاَللَّهِ تَعَالَى مَعَ الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: التَّوَكُّل أَنْ يَسْتَوِي الْإِكْثَار وَالتَّقَلُّل. وَاَللَّه أَعْلَم.
321- وَقَوْله: (حَدَّثَنَا حَاجِب بْن عُمَر أَبُو خُشَيْنَة) هُوَ بِضَمِّ الْخَاء وَفَتْح الشِّين الْمُعْجَمَتَيْنِ بَعْدَهُمَا مُثَنَّاة مِنْ تَحْت ثُمَّ نُون ثُمَّ هَاء، وَحَاجِب هَذَا هُوَ أَخُو عِيسَى بْن عُمَر النَّحْوِيّ الْإِمَام الْمَشْهُورُ.
322- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّة مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا مُتَمَاسِكُونَ آخِذ بَعْضهمْ بَعْضًا لَا يَدْخُل أَوَّلهمْ حَتَّى يَدْخُل آخِرهمْ» هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم الْأُصُول (مُتَمَاسِكُونَ) بِالْوَاوِ، و(آخِذ) بِالرَّفْعِ وَوَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول (مُتَمَاسِكِينَ)، و(آخِذًا) بِالْيَاءِ وَالْأَلِف وَكِلَاهُمَا صَحِيح، وَمَعْنَى (مُتَمَاسِكِينَ) مُمْسِك بَعْضهمْ بِيَدِ بَعْض، وَيَدْخُلُونَ مُعْتَرِضِينَ صَفًّا وَاحِدًا بَعْضهمْ بِجَنْبِ بَعْض، وَهَذَا تَصْرِيح بِعِظَمِ سِعَة بَاب الْجَنَّة. نَسْأَل اللَّه الْكَرِيم رِضَاهُ وَالْجَنَّة لَنَا وَلِأَحْبَابِنَا وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ.
323- قَوْله: (أَيّكُمْ رَأَى الْكَوْكَب الَّذِي اِنْقَضَّ الْبَارِحَة؟) هُوَ بِالْقَافِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَمَعْنَاهُ سَقَطَ، وَأَمَّا (الْبَارِحَة) فَهِيَ أَقْرَب لَيْلَة مَضَتْ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب: يُقَال: قَبْل الزَّوَال رَأَيْت اللَّيْلَة، وَبَعْد الزَّوَال رَأَيْت الْبَارِحَة، وَهَكَذَا قَالَ غَيْر ثَعْلَب، قَالُوا: وَهِيَ مُشْتَقَّة مِنْ (بَرِحَ) إِذَا زَالَ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم فِي كِتَاب الرُّؤْيَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا صَلَّى الصُّبْح قَالَ: «هَلْ رَأَى أَحَد مِنْكُمْ الْبَارِحَة رُؤْيَا».
وَقَوْله: (أَمَّا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاة وَلَكِنِّي لُدِغْت) أَرَادَ أَنْ يَنْفِي عَنْ نَفْسه اِتِّهَام الْعِبَادَة وَالسَّيْر فِي الصَّلَاة مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فيها، وَقَوْله: (لُدِغْت) هُوَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة، قَالَ أَهْل اللُّغَة: يُقَال لَدَغَتْهُ الْعَقْرَب وَذَوَات السَّمُوم إِذَا أَصَابَتْهُ بِسُمِّهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ تَأْبُرهُ بِشَوْكَتِهَا.
وَقَوْله: (لَا رُقْيَة إِلَّا مِنْ عَيْن أَوْ حُمَة) أَمَّا (الْحُمَة) فَهِيَ بِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمِيم وَهِيَ سُمّ الْعَقْرَب وَشَبَههَا، وَقِيلَ: فَوْعَة السُّمّ وَهِيَ حِدَّته وَحَرَارَته، وَالْمُرَاد أَوْ ذِي حمة كَالْعَقْرَبِ وَشَبَههَا أَيْ: لَا رُقْيَة إِلَّا مِنْ لَدْغ ذِي حمة، وَأَمَّا الْعَيْن فَهِيَ إِصَابَة الْعَائِن غَيْره بِعَيْنِهِ. وَالْعَيْن حَقّ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَمَعْنَى الْحَدِيث: لَا رُقْيَة أَشْفَى وَأَوْلَى مِنْ رُقْيَة الْعَيْن وَذِي الحمة، وَقَدْ رَقَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ بِهَا فَإِذَا كَانَتْ بِالْقُرْآنِ وَبِأَسْمَاءِ اللَّه تَعَالَى فَهِيَ مُبَاحَة، وَإِنَّمَا جَاءَتْ الْكَرَاهَة مِنْهَا لِمَا كَانَ بِغَيْرِ لِسَان الْعَرَب؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا كَانَ كُفْرًا أَوْ قَوْلًا يَدْخُلهُ الشِّرْك، قَالَ: وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الَّذِي كُرِهَ مِنْ الرُّقْيَة مَا كَانَ مِنْهَا عَلَى مَذَاهِب الْجَاهِلِيَّة فِي الْعُوَذ الَّتِي كَانُوا يَتَعَاطَوْنَهَا، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَدْفَع عَنْهُمْ الْآفَات، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا مِنْ قِبَل الْجِنّ وَمَعُونَتهمْ. هَذَا كَلَام الْخَطَّابِيِّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (بُرَيْدَة بْن حُصَيْب) هُوَ بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَرَأَيْت النَّبِيّ وَمَعَهُ الرُّهَيْط» هُوَ بِضَمِّ الرَّاء تَصْغِير الرَّهْط، وَهِيَ الْجَمَاعَة دُون الْعَشَرَة.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا سَوَاد عَظِيم فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتك وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب وَلَا عَذَاب» مَعْنَاهُ: وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ أُمَّتك. فَكَوْنهمْ مِنْ أُمَّته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا شَكّ فيه.
وَأَمَّا تَقْدِيرَة فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ: وَسَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ أُمَّتك غَيْر هَؤُلَاءِ وَلَيْسُوا مَعَ هَؤُلَاءِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ: فِي جُمْلَتهمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَيُؤَيِّد هَذَا رِوَايَة الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه: «هَذِهِ أُمَّتك وَيَدْخُل الْجَنَّة مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا». وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (فَخَاضَ النَّاس) هُوَ بِالْخَاءِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ: تَكَلَّمُوا، وَتَنَاظَرُوا وَفِي هَذَا إِبَاحَة الْمُنَاظَرَة فِي الْعِلْم وَالْمُبَاحَثَة فِي نُصُوص الشَّرْع عَلَى جِهَة الِاسْتِفَادَة وَإِظْهَار الْحَقّ. وَاَللَّه أَعْلَم.