فصل: الفصل الخامس أثر الجهود السابقة في حفظ كتاب الله من التحريف والتبديل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الواضح في علوم القرآن



.3- حكم كتابة القرآن بالرسم الحالي:

لقد اختلف علماء المسلمين في حكم كتابة المصحف بالرسم العثماني، هل هي واجبة أم لا؟ وبالتالي: هل تجوز كتابته بالرسم المتعارف الآن أو لا؟
* فذهب فريق من العلماء إلى أن هذا الرسم، الذي كتب به المصحف الإمام، رسم توقيفي، لا تجوز مخالفته. ونسبوا التوقيف فيه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، واستدلوا لهذا: بأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان له كتّاب يكتبون الوحي، وقد كتبوا القرآن فعلا بهذا الرسم، وأقرّهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على كتابتهم، ومضى عهده والقرآن مكتوب على هذا النحو، لم يحدث فيه تغيير ولا تبديل. ثم جاء أبو بكر رضي الله عنه، فجمع القرآن في الصّحف بهذا الرسم، ثم حذا حذوه عثمان رضي الله عنه، فاستنسخ المصاحف على تلك الكتابة، وأقرّ الصحابة رضي الله عنهم عمل أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، ثم انتهى الأمر إلى التابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم، ولم يخالف أحد منهم في هذا الرسم، وعليه فيجب التزامه ولا تجوز مخالفته.
* وذهب فريق آخر إلى أن الرسم العثماني اصطلاحي لا توقيفي، فلا يجب التزامه ولا مانع من مخالفته، إذا اصطلح الناس على رسم خاصّ للإملاء وشاع بينهم. واحتجّوا لذلك بأنه: لم يرو في القرآن ولا في السنة ولا إجماع الأمة ما يدلّ على وجوب التزام ذلك، بل السّنّة دلّت على جواز رسمه بأي وجه سهل، لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يأمر بكتابته، ولم يبيّن لهم وجها معيّنا لرسمه، ولا نهى أحدا عن كتابته، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف التي كتبها الصحابة لأنفسهم.
* والرأي الثالث، الذي ذهب إليه جمهور العلماء، هو أنّ الرسم العثماني ليس توقيفيا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولكنّه اصطلاح ارتضاه عثمان رضي الله عنه، وأجمع عليه الصحابة، وتلقّته الأمة بالقبول، فيجب التزامه والأخذ به، ولا تجوز مخالفته. وهذا الرأي هو المنقول عن الأئمة والمذاهب المعتبرة.
روى أبو عمرو الداني، في كتابه (المقنع) عن أشهب قال: سئل مالك رحمه الله تعالى: هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال: لا، إلا على الكتبة الأولى. قال أبو عمرو: ولا مخالف له من علماء الأمة. ونقل عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: تحرم مخالفة خطّ مصحف عثمان في واو، أو ألف، أو ياء، أو غير ذلك. ونقل عن كتب فقه الشافعية والحنفية: أنه ينبغي ألا يكتب المصحف بغير الرسم العثماني، لأن رسمه سنة متبعة.
والظاهر أن هذا الرأي هو الأرجح من الآراء، لما فيه من اعتدال، إلى جانب زيادة احتياط لكتاب الله عزّ وجلّ، والحفاظ عليه ضمان لصيانة القرآن من التغيير أو التبديل حتى في الشكل. علما بأن الاصطلاح الإملائي عرضة للتغيير والتبديل، بل إن قواعد الإملاء في العصر الواحد، قد تختلف وجهات النظر فيها وتتفاوت في بعض الكلمات من بلد لآخر، فإذا أبيح كتابة القرآن بالاصطلاح الإملائي لكل عصر، أدّى ذلك إلى التغيير في خطّ المصحف من عصر لآخر، وهذا مما يتنافى مع قداسة القرآن وعظمته في نفوس المؤمنين، ومما قد يؤدّي إلى اختلاف المسلمين في كتاب الله تعالى، ويجرّ إلى فتنة أشبه بالفتنة التي حدثت أيام عثمان رضي الله عنه، وحملته على استنساخ المصاحف. وحجة تيسير قراءة القرآن على الدارسين والعامة لا تبرّر التغيير الذي يمكن أن يؤدي إلى التهاون في تحري الدقة في كتابة القرآن، ثم يجر إلى الفتنة والاختلاف.
على أنه يمكن تحقيق ذلك التيسير، باعتياد قراءة القرآن في المصاحف على ذوي الاختصاص، لاسيما وقد علم أنه لابد في أخذ القرآن وحفظه وتعلمه من الاعتماد على المشافهة إلى جانب الكتابة، وأنه لا يكتفى بأحدهما عن الآخر، بل ربما كان الاعتماد على المشافهة أكثر من الكتابة وأولى.
هذا إلى جانب تعلّم فنّ التجويد والانتباه إلى الإشارات التحسينية التي وضعها العلماء على الكلمات، لمعرفة الفوارق الإملائية في الرسم. على أنه يمكن أن ينبّه في ذيل كل صفحة من صفحات المصحف، إلى ما يوجد فيها من كلمات تخالف في رسمها وإملائها الرسم المتعارف والإملاء المألوف.
وأخيرا يمكننا أن نقول: إنه لا بأس بمخالفة الرسم العثماني والكتابة بالإملاء المتعارف، إذا كنا نكتب آيات القرآن في مجالات التعليم والتدريس، كأن يكتب على السبورة مثلا أو على لوح للصغار أو ما إلى ذلك من أشياء، لا يقصد بها كتابة مصحف أو جزء منه، بل المقصود أن يذاكر الطلاب هذه الآيات ويستظهرونها على الوجه الأكمل والأداء الصحيح. وقد نقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام ما يفيد جواز ما قلناه، والترخيص فيه، بل الدعوة إليه.

.الفصل الخامس أثر الجهود السابقة في حفظ كتاب الله من التحريف والتبديل:

.حفظ القرآن شكلا ومضمونا:

لقد كان لتلك الجهود المتلاحقة، في خدمة كتاب الله تعالى شكلا ومضمونا، منذ عهد النبوة إلى يومنا هذا، كبير أثر في حفظه سليما من كل زيغ، وبقي كما أراد الله تعالى له أن يبقى، لم تمتد إليه الأيدي تحريفا أو تبديلا، لا في لفظه ولا في معناه، بل بقي محافظا على روحه وجسمه، يأخذه المسلمون كابرا عن كابر، أداء وحفظا وكتابة، والعقد بينهم وبين مصدره الأول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، الذي تلقّاه من وحي الله تعالى، لم ينقطع، والكلّ حذر من أن يدخل على كتاب الله عزّ وجلّ شيء ليس منه، أو أن يخرج منه شيء من ذاته أو وصفه.

.اهتمام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والصحابة من بعده:

فهذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسابق الملك في حفظه وقراءته وهو يوحى إليه حتى ينهى عن ذلك: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة: 16] ثم يأمر بما نزل أن يكتب لفوره، وينهى أن يكتب عنه شيء غير القرآن بادئ الأمر، ويقبل الصحابة على حفظه واستظهاره، واستنساخه وكتابته، ويتّخذ الكثير منهم مصحفا لنفسه خاصّا به، يرجع إليه لتثبيت حفظه وضبطه، ولا يمضي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى ربه، إلا والقرآن- كما علمت- محفوظ بكامله في الصدور، ومكتوب بأجمعه في السطور.
ولم تمض سنتان على وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى كان عمل أبي بكر رضي الله عنه، الذي جمع القرآن في صحف مجتمعة بين دفتين، وحفظ بذلك على الأمة كتابها المنزل، من أن يضيع منه شيء بذهاب الحفظة من الرجال والضابطين من القراء.
ولم يمض على وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خمسة عشر عاما حتى كان عمل عثمان رضي الله عنه، ذاك العمل المبارك الميمون، الذي جمع الأمّة على كتاب الله تعالى، كتابة وأداء، وقطع من بينها دابر الاختلاف والنزاع في قرآنها، وصان كلام الله المحكم من أي خطأ أو زلل.

.اهتمام الأمة وتشدّدها في كتاب الله عزّ وجلّ:

وكل ذلك يجري والمسلمون يقفون ذلك الموقف المتشدّد من كتاب الله تعالى، خشية أن يزاد فيه شيء أو ينقص، أو يظن منه ما هو دخيل عليه، فلا يقبلون أن يزاد فيما بين دفتي المصحف ما ليس بقرآن حتى ولو كان رموزا وعلامات، يسترشد بها لقراءة كتاب الله عزّ وجلّ. فهذا ابن مسعود رضي الله عنه الصحابي الجليل يقول: جرّدوا القرآن ولا تخلطوه بشيء. وإنما قال ذلك خشية أن يظنّ الناس ما ليس بقرآن قرآنا.
ولم يمض على وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خمس وأربعون سنة حتى كان ذلك العمل العظيم، الذي تناول رسم القرآن شكلا ونقطا وتحسينا يساعد على الأداء الصحيح، ويحفظ كتاب الله تعالى من أن يناله تحريف أو تبديل في لفظه أو معناه، حين اضطرت الظروف إلى ذلك، وكثرت العجمة، وفشا اللحن، وأصبح النقط والشكل عندها أمرا لا مناص منه، بل هو شيء مستحبّ ومندوب إليه بعد أن كان مكروها ومرغوبا عنه، كل ذلك حسب ما تقتضيه المصلحة في حفظ كتاب الله. قال النووي رحمه الله تعالى: نقط المصحف وشكله مستحبّ، لأنه صيانة له من اللحن والتحريف.

.دراسات وعلوم تصون القرآن:

وهكذا تجد أن الجهود لا تفتأ تبذل لصون كتاب الله تعالى، وحسبك في هذا المجال أن علم النحو لم يقعّد ولم يدوّن إلا خدمة لضبط القرآن وحفظه من التحريف أو التبديل، بل إن علوما عربية أخرى قامت في جلّها خدمة للقرآن أو نبعت من مضمونه.
ومن جملة الجهود التي بذلت، وكان لها أثر في حفظ كتاب الله تعالى، ما قام به العلماء من الأمة من إحصاء عدد آيات القرآن وكلماته وحروفه. بل وصل الحذر والحيطة بهم أن أحصوا ما فيه من شدّات وغيرها من الحركات، وما فيه من كل حرف من الحروف، إلى غير ذلك مما فيه صون له وتحصين.
أضف إلى ذلك كلّه تلك التفاسير وكتب الفقه والحديث وغيرها من العلوم الإسلامية، التي تنبث فيها آيات القرآن، بحيث يعجز أهل الأرض عن جمعها، لو أرادوا أن يحرّفوا شيئا من القرآن أو يبدلوه.

.المعجزة الإلهية:

هذا إلى جانب ما رأيت من تشدّد الجمهور من العلماء والأئمة في المحافظة على رسم القرآن على الكتبة الأولى وعدم تجويزهم كتابته بما يخالف ذلك الرسم، حتى يحفظ كتاب الله تعالى من التغيير والتبديل حتى ولو في الشكل والمظهر، فضلا عن المضمون والجوهر، وهكذا فقد بقي القرآن كما كان، وكما أنزل على قلب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يحفظه المسلمون عربا وعجما، كبارا وصغارا، نساء ورجالا، ويكتبونه في مشارق الأرض ومغاربها، بلسان عربيّ مبين، لم ينقص منه حرف ولم يزد عليه، ولم يداخله خطأ أو زيف، ولو اجتمع قرّاء القرآن من جميع أنحاء العالم، أو جمعت نسخه من أرجاء الأرض، لما وجد اختلاف في حرف واحد منه رسما أو أداء. وهكذا فقد تحقّقت معجزة الوحي الإلهي: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ} [الحجر: 9].

.الباب الرّابع الأحرف السبعة والقراءات:

الفصل الأول: ما ورد في الأحرف السبعة من الأحاديث، وسبب وروده، ومعنى الأحرف السبعة والمقصود بها، ومصيرها.
الفصل الثاني: الفرق بين الأحرف السبعة والقراءات.
الفصل الثالث: الفرق بين القراءات المتواترة والشاذة، وضابط القراءات المتواترة.

.الفصل الأول ما ورد في الأحرف السبعة من الأحاديث، وسبب وروده، ومعنى الأحرف السبعة، والمقصود بها، ومصيرها:

.1- ما ورد في الأحرف السبعة من الأحاديث:

ورد في الأحرف السبعة أكثر من عشرة أحاديث نقتصر منها على ثلاثة هي:
الأول: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكدت أساوره في الصّلاة، فانتظرته حتى سلّم ثم لببته بردائه أو بردائي، فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت له: كذبت فو الله إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت أقوده إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت: يا رسول الله! إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها وأنت أقرأتني سورة الفرقان.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام» فقرأ هذه القراءة التي سمعته يقرؤها، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هكذا أنزلت». ثم قال صلّى الله عليه وسلّم: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه» متّفق عليه.
الثاني: عن أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان على أضاة بني غفار فأتاه جبريل عليه السلام فقال: «إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على حرف، فقال: أسال الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك. فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا» رواه مسلم.
الثالث: وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «أقرأني جبريل عليه السلام على حرف واحد، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف».
وحديث إنزال القرآن على سبعة أحرف متواتر، وقد نصّ الإمام الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلّام على تواتره، وتتبع الحافظ ابن الجزري طرقه، وذكر الصحابة الذين رووه، وهم: عمر بن الخطاب، وهشام بن حكيم، وعبد الرحمن بن عوف، وأبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وحذيفة بن اليمان، وأبو بكرة، وعمرو بن العاص، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، وسمرة بن جندب، وعمر بن أبي سلمة، وأبو جهيم، وأبو طلحة الأنصاري، وأم أيوب الأنصارية. رضي الله عنهم.