فصل: فَصْلٌ: بَيَانُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّضَاعُ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ: بَيَانُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّضَاعُ:

وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّضَاعُ أَيْ: يَظْهَرُ بِهِ فَالرَّضَاعُ يَظْهَرُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْإِقْرَارُ وَالثَّانِي الْبَيِّنَةُ.
أَمَّا الْإِقْرَارُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا: هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ أُمِّي مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ بِنْتِي مِنْ الرَّضَاعِ وَيَثْبُتُ عَلَى ذَلِكَ وَيَصْبِرُ عَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِبُطْلَانِ مَا يَمْلِكُ إبْطَالَهُ لِلْحَالِ فَيُصَدَّقُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا صُدِّقَ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فَلَا يَكُونُ فِي إبْقَاءِ النِّكَاحِ فَائِدَةٌ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ صَدَّقَتْهُ أَوْ كَذَّبَتْهُ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ ثَابِتَةٌ فِي زَعْمِهِ، ثُمَّ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ إنْ كَذَّبَتْهُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ مُصَدِّقٌ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَيْهَا بِإِبْطَالِ حَقِّهَا فِي الْمَهْرِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ بِإِبْطَالِ حَقِّهَا فَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: أَوْهَمْت أَوْ أَخْطَأْت أَوْ غَلِطْت أَوْ نَسِيت أَوْ كَذَبْت؛ فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا عِنْدَنَا وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى الْخَطَأِ وَغَيْرِهِ، وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ الْفُرْقَةِ فَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ رَجَعَ بِأَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: كُنْت طَلَّقْتُك ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: أَوْهَمْت، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: هَذِهِ امْرَأَتِي أَوْ أُمِّي أَوْ أُخْتِي أَوْ ابْنَتِي ثُمَّ قَالَ: أَوْهَمْت؛ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ وَتَعْتِقُ كَذَا هاهنا وَلَنَا أَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ فَقَوْلُهُ: هَذِهِ أُخْتِي إخْبَارٌ مِنْهُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ زَوْجَتَهُ قَطُّ لِكَوْنِهَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ.
فَإِذَا قَالَ: أَوْهَمْت؛ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: مَا تَزَوَّجْتهَا ثُمَّ قَالَ: تَزَوَّجْتهَا وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ؛ يُقَرَّانِ عَلَى النِّكَاحِ كَذَا هَذَا بِخِلَافِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: كُنْت طَلَّقْتُك ثَلَاثًا إقْرَارٌ مِنْهُ بِإِنْشَاءِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ مِنْ جِهَتِهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ إنْشَاءُ الطَّلَاقِ إلَّا بَعْدَ صِحَّةِ النِّكَاحِ فَإِذَا أَقَرَّ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ لَمْ يُصَدَّقْ وَبِخِلَافِ قَوْلِهِ لِأَمَتِهِ: هَذِهِ أُمِّي أَوْ ابْنَتِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ الْمِلْكِ فِي الْأَصْلِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أُمَّهُ أَوْ ابْنَتَهُ حَقِيقَةً؛ جَازَ دُخُولُهَا فِي مِلْكِهِ حَتَّى يَقَعَ الْعِتْقُ عَلَيْهَا مِنْ جِهَتِهِ، فَتَضَمَّنَ هَذَا اللَّفْظُ مِنْهُ إنْشَاءَ الْعِتْقِ عَلَيْهَا فَإِذَا قَالَ: أَوْهَمْت لَا يُصَدَّقُ كَمَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ حُرَّةٌ ثُمَّ قَالَ: أَوْهَمْت وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ الزَّوْجُ بِهَذَا قَبْلَ النِّكَاحِ فَقَالَ هَذِهِ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ أُمِّي أَوْ ابْنَتِي وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ وَدَاوَمَ عَلَيْهِ؛ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَلَوْ تَزَوَّجَهَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ قَالَ: أَوْهَمْت أَوْ غَلِطْت جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عِنْدَنَا لِمَا قُلْنَا وَلَوْ جَحَدَ الْإِقْرَارَ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى إقْرَارِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِالنَّسَبِ فَقَالَ: هَذِهِ أُمِّي مِنْ النَّسَبِ أَوْ ابْنَتِي أَوْ أُخْتِي وَلَيْسَ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ وَأَنَّهَا تَصْلُحُ بِنْتًا لَهُ أَوْ أُمًّا لَهُ فَإِنَّهُ يُسْأَلُ مَرَّةً أُخْرَى فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ وَثَبَتَ عَلَيْهِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا لِظُهُورِ النَّسَبِ بِإِقْرَارِهِ مَعَ إصْرَارِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ قَالَ: أَوْهَمْت أَوْ أَخْطَأْت أَوْ غَلِطْت؛ يُصَدَّقُ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا عِنْدَنَا لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ أَوْ لَا تَصْلُحُ أُمًّا أَوْ بِنْتًا لَهُ؛ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ دَامَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَاذِبٌ فِي إقْرَارِهِ بِيَقِينٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ: فَهِيَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الرَّضَاعِ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وَلَا يُقْبَلُ عَلَى الرَّضَاعِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَلَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ بِانْفِرَادِهِنَّ.
وَهَذَا عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الرَّضَاعِ شَهَادَةٌ عَلَى عَوْرَةٍ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ إلَّا بَعْدَ النَّظَرِ إلَى الثَّدْيِ وَإِنَّهُ عَوْرَةٌ فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ عَلَى الِانْفِرَادِ كَالْوِلَادَةِ وَلَنَا مَا رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُقْبَلُ عَلَى الرَّضَاعِ أَقَلُّ مِنْ شَاهِدَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ النَّكِيرُ مِنْ أَحَدٍ؛ فَيَكُونَ إجْمَاعًا وَلِأَنَّ هَذَا بَابٌ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ عَلَى الِانْفِرَادِ كَالْمَالِ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ أَمَّا ثَدْيُ الْأَمَةِ فَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَجَانِبِ النَّظَرُ إلَيْهِ.
وَأَمَّا ثَدْيُ الْحُرَّةِ فَيَجُوزُ لِمَحَارِمِهَا النَّظَرُ إلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ عَلَى الِانْفِرَادِ؛ لِأَنَّ قَبُولَ شَهَادَتِهِنَّ بِانْفِرَادِهِنَّ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ لِلضَّرُورَةِ وَهِيَ ضَرُورَةُ عَدَمِ اطِّلَاعِ الرِّجَالِ عَلَى الْمَشْهُودِ بِهِ فَإِذَا جَازَ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ؛ لَمْ تَتَحَقَّقْ الضَّرُورَةُ بِخِلَافِ الْوِلَادَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ فِيهَا مِنْ الرِّجَالِ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا فَدَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى الْقَبُولِ وَإِذَا شَهِدَتْ امْرَأَةٌ عَلَى الرَّضَاعِ فَالْأَفْضَلُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُفَارِقَهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: تَزَوَّجْت بِنْتَ أَبِي إهَابٍ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: إنِّي أَرْضَعْتُكُمَا فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَارِقْهَا فَقُلْت إنَّهَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ وَإِنَّهَا كَيْت وَكَيْت فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ: وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَالَ عُقْبَةُ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْرَضَ ثُمَّ ذَكَرْتُهُ فَأَعْرَضَ حَتَّى قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ: فَدَعْهَا إذًا» وَقَوْلُهُ: فَارِقْهَا أَوْ فَدَعْهَا إذًا نَدْبٌ إلَى الْأَفْضَلِ وَالْأَوْلَى.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا بَلْ أَعْرَضَ وَلَوْ كَانَ التَّفْرِيقُ وَاجِبًا لَمَا أَعْرَضَ فَدَلَّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَارِقْهَا عَلَى بَقَاءِ النِّكَاحِ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا فَسَأَلَ الرَّجُلُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ هِيَ امْرَأَتُك لَيْسَ أَحَدٌ يُحَرِّمُهَا عَلَيْك فَإِنْ تَنَزَّهْت فَهُوَ أَفْضَلُ وَسَأَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ صَادِقَةً فِي شَهَادَتِهَا فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ هُوَ الْمُفَارَقَةَ.
فَإِذَا فَارَقَهَا فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا نِصْفَ الْمَهْرِ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لِاحْتِمَالِ صِحَّةِ النِّكَاحِ لِاحْتِمَالِ كَذِبِهَا فِي الشَّهَادَةِ وَالْأَفْضَلُ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ شَيْئًا مِنْهُ لِاحْتِمَالِ فَسَادِ النِّكَاحِ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهَا فِي الشَّهَادَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَالْأَفْضَلُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُعْطِيَهَا كَمَالَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى لِاحْتِمَالِ جَوَازِ النِّكَاحِ وَالْأَفْضَلُ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ الْأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا وَمِنْ الْمُسَمَّى وَلَا تَأْخُذُ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى لِاحْتِمَالِ الْفَسَادِ وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا فَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ الْمُقَامِ مَعَهَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَائِمٌ فِي الْحُكْمِ، وَكَذَا إذَا شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ أَوْ رَجُلَانِ غَيْرُ عَدْلَيْنِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ غَيْرُ عُدُولٍ لِمَا قُلْنَا، وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَدْلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَا شَيْءَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ النِّكَاحَ كَانَ فَاسِدًا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا يَجِبُ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى وَمِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَلَا تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى فِي سَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.

.كِتَابُ النَّفَقَةِ:

النَّفَقَةُ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ: نَفَقَةُ الزَّوْجَاتِ، وَنَفَقَةُ الْأَقَارِبِ، وَنَفَقَةُ الرَّقِيقِ، وَنَفَقَةُ الْبَهَائِمِ وَالْجَمَادَاتِ أَمَّا نَفَقَةُ الزَّوْجَاتِ فَالْكَلَامُ فِيهَا يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ وُجُوبِهَا وَفِي بَيَانِ سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْهَا، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ وُجُوبِهَا وَبَيَانِ سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْقِطُهَا بَعْدَ وُجُوبِهَا وَصَيْرُورَتِهَا دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ.
أَمَّا وُجُوبُهَا فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْمَعْقُولُ أَمَّا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} أَيْ: عَلَى قَدْرِ مَا يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ مِنْ السَّعَةِ وَالْمَقْدِرَةِ وَالْأَمْرُ بِالْإِسْكَانِ أَمْرٌ بِالْإِنْفَاقِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِلُ إلَى النَّفَقَةِ إلَّا بِالْخُرُوجِ وَالِاكْتِسَابِ وَفِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ وَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِنْ وُجْدِكُمْ وَهُوَ نَصٌّ وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} أَيْ: لَا تُضَارُّوهُنَّ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِنَّ فَتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ النَّفَقَةَ فَيَخْرُجْنَ أَوْ لَا تُضَارُّوهُنَّ فِي الْمَسْكَنِ فَتَدْخُلُوا عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ فَتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ الْمَسْكَنَ فَيَخْرُجْنَ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} قِيلَ: هُوَ الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا وَإِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقٌّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِأَحَدٍ تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ خِفْتُمْ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ كِسْوَتُهُنَّ وَرِزْقُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ثُمَّ قَالَ ثَلَاثًا: أَلَا هَلْ بَلَّغْت» وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ تَفْسِيرًا لِمَا أَجْمَلَ الْحَقُّ فِي قَوْلِهِ: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فَكَانَ الْحَدِيثُ مُبَيِّنًا لِمَا فِي الْكِتَابِ أَصْلُهُ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُطْعِمُهَا إذَا طَعِمَ وَيَكْسُوهَا إذَا كُسِيَ وَأَنْ لَا يَهْجُرَهَا إلَّا فِي الْمَبِيتِ وَلَا يَضْرِبَهَا وَلَا يُقَبِّحْ» وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ «خُذِي مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» وَلَوْ لَمْ تَكُنْ النَّفَقَةُ وَاجِبَةً؛ لَمْ يُحْتَمَلْ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا بِالْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ.
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى هَذَا، وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَحْبُوسَةٌ بِحَبْسِ النِّكَاحِ حَقًّا لِلزَّوْجِ مَمْنُوعَةٌ عَنْ الِاكْتِسَابِ بِحَقِّهِ فَكَانَ نَفْعُ حَبْسِهَا عَائِدًا إلَيْهِ فَكَانَتْ كِفَايَتُهَا عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَلِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةً بِحَبْسَةٍ مَمْنُوعَةٍ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْكَسْبِ بِحَقِّهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ كِفَايَتُهَا عَلَيْهِ لَهَلَكَتْ وَلِهَذَا جُعِلَ لِلْقَاضِي رِزْقٌ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لِحَقِّهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ لِجِهَتِهِمْ مَمْنُوعٌ عَنْ الْكَسْبِ فَجُعِلَتْ نَفَقَتُهُ فِي مَالِهِمْ وَهُوَ بَيْتُ الْمَالِ كَذَا هَاهُنَا.

.فَصْلٌ: سَبَبُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ:

وَأَمَّا سَبَبُ وُجُوبِ هَذِهِ النَّفَقَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا: سَبَبُ وُجُوبِهَا اسْتِحْقَاقُ الْحَبْسِ الثَّابِتِ بِالنِّكَاحِ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ السَّبَبُ هُوَ الزَّوْجِيَّةُ وَهُوَ كَوْنُهَا زَوْجَةً لَهُ وَرُبَّمَا قَالُوا: مِلْكُ النِّكَاحِ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا وَرُبَّمَا قَالُوا: الْقِوَامَةُ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} أَوْجَبَ النَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ قَوَّامِينَ وَالْقِوَامَةُ تَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ فَكَانَ سَبَبَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الْمَمْلُوكِ مِنْ بَابِ إصْلَاحِ الْمِلْكِ وَاسْتِبْقَائِهِ فَكَانَ سَبَبَ وُجُوبِهِ الْمِلْكُ، كَنَفَقَةِ الْمَمَالِيكِ وَلَنَا أَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ الثَّابِتِ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا بِسَبَبِ النِّكَاحِ مُؤَثِّرٌ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ لَهَا عَلَيْهِ لِمَا بَيَّنَّا فَأَمَّا الْمِلْكُ فَلَا أَثَرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قُوبِلَ بِعِوَضٍ مَرَّةً وَهُوَ الْمَهْرُ فَلَا يُقَابَلُ بِعِوَضٍ آخَرَ؛ إذْ الْعِوَضُ الْوَاحِدُ لَا يُقَابَلُ بِعِوَضَيْنِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا إثْبَاتَ الْقِوَامَةِ بِسَبَبِ النَّفَقَةِ لَا إيجَابَ النَّفَقَةِ بِسَبَبِ الْقِوَامَةِ.
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَنْبَنِي أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ لِانْعِدَامِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ حَقُّ الْحَبْسِ الثَّابِتِ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا بِسَبَبِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ لَا يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَكَذَا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ حَقِيقَةً وَكَذَا فِي عِدَّةٍ مِنْهُ إنْ ثَبَتَ حَقُّ الْحَبْسِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِسَبَبِ النِّكَاحِ لِانْعِدَامِهِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِتَحْصِينِ الْمَاءِ وَلِأَنَّ حَالَ الْعِدَّةِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ حَالِ النِّكَاحِ فَلَمَّا لَمْ تَجِبْ فِي النِّكَاحِ فَلَأَنْ لَا تَجِبَ فِي الْعِدَّةِ أَوْلَى وَتَجِبُ فِي الْعِدَّةِ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ لِوُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الْحَبْسِ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا بِسَبَبِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَائِمٌ مِنْ وَجْهٍ فَتَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ كَمَا كَانَتْ تَسْتَحِقُّهَا قَبْلَ الْفُرْقَةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ تَأَكَّدَ بِحَقِّ الشَّرْعِ وَتَأَكُّدُ السَّبَبِ يُوجِبُ تَأَكُّدَ الْحُكْمِ فَلَمَّا وَجَبَتْ قَبْلَ الْفُرْقَةِ؛ فَبَعْدَهَا أَوْلَى سَوَاءٌ كَانَتْ الْعِدَّةُ عَنْ فُرْقَةٍ بِطَلَاقٍ أَوْ عَنْ فُرْقَةٍ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْفُرْقَةُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ إلَّا إذَا كَانَتْ مِنْ قِبَلِهَا بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ اسْتِحْسَانًا، أَوْ شَرْحُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ الْفُرْقَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ بِطَلَاقٍ؛ فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا وَسَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ حَائِلًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا عِنْدَنَا لِقِيَامِ حَقِّ حَبْسِ النِّكَاحِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً طَلَاقًا رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا وَهِيَ حَامِلٌ فَكَذَلِكَ.
فَأَمَّا الْمَبْتُوتَةُ إذَا كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا السُّكْنَى وَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِزَوَالِ النِّكَاحِ بِالْإِبَانَةِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا السُّكْنَى إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ الْقِيَاسَ فِي السُّكْنَى بِالنَّصِّ وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى لَا نَفَقَةَ لِلْمَبْتُوتَةِ وَلَا سُكْنَى لَهَا وَالْمَسْأَلَةُ ذُكِرَتْ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَفِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْعِدَّةِ وَسَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ بِبَدَلٍ أَوْ بِغَيْرِ بَدَلٍ وَهُوَ الْخُلْعُ وَالطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ لِمَا قُلْنَا، وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى أَنْ يَبْرَأَ مِنْ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى؛ يَبْرَأُ مِنْ النَّفَقَةِ وَلَا يَبْرَأُ مِنْ السُّكْنَى لَكِنَّهُ يَبْرَأُ عَنْ مُؤْنَةِ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقُّهَا عَلَى الْخُلُوصِ وَكَذَا مُؤْنَةُ السُّكْنَى فَتَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ عَنْ حَقِّهَا فَأَمَّا السُّكْنَى فَفِيهَا حَقُّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا تَمْلِكُ الْمُعْتَدَّةُ إسْقَاطَهُ وَلَوْ أَبْرَأَتْهُ عَنْ النَّفَقَةِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطُ الْوَاجِبِ فَيَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ الْوُجُوبِ وَالنَّفَقَةُ تَجِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى حَسَبِ مُرُورِ الزَّمَانِ فَكَانَ الْإِبْرَاءُ إسْقَاطًا قَبْلَ الْوُجُوبِ فَلَمْ يَصِحَّ بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَعَتْ نَفْسَهَا عَلَى نَفَقَتِهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْخُلْعِ وَلِأَنَّهَا جَعَلَتْ الْإِبْرَاءَ عَنْ النَّفَقَةِ عِوَضًا عَنْ نَفْسِهَا فِي الْعَقْدِ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ سَابِقَةِ الْوُجُوبِ فَيُثْبِتُ الْوُجُوبُ مُقْتَضَى الْخُلْعِ بِاصْطِلَاحِهِمَا كَمَا لَوْ اصْطَلَحَا عَلَى النَّفَقَةِ أَنَّهَا تَجِبُ وَتَصِيرُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ كَذَا هَذَا، وَكَذَلِكَ الْفُرْقَةُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ إذَا كَانَتْ مِنْ قِبَلِهِ فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى سَوَاءٌ كَانَتْ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ كَخِيَارِ الْبُلُوغِ أَوْ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ كَالرِّدَّةِ وَوَطْءِ أُمِّهَا أَوْ ابْنَتِهَا أَوْ تَقْبِيلِهِمَا بِشَهْوَةٍ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا لِقِيَامِ السَّبَبِ وَهُوَ حَقُّ الْحَبْسِ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا بِسَبَبِ النِّكَاحِ وَإِذَا كَانَتْ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ فَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ كَخِيَارِ الْإِدْرَاكِ وَخِيَارِ الْعِتْقِ وَخِيَارِ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ فَكَذَلِكَ لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى، وَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ بِأَنْ ارْتَدَّتْ أَوْ طَاوَعَتْ ابْنَ زَوْجِهَا أَوْ أَبَاهُ أَوْ لَمَسَتْهُ بِشَهْوَةٍ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا اسْتِحْسَانًا وَلَهَا السُّكْنَى وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَكْرَهَةً وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ قَائِمٌ وَتَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ كَمَا إذَا كَانَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهَا بِسَبَبٍ مُبَاحٍ وَكَمَا إذَا كَانَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ أَوْ مَحْظُورٍ وَلِلِاسْتِحْسَانِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ قَدْ بَطَلَ بِرِدَّتِهَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُحْبَسُ بَعْدَ الرِّدَّةِ جَبْرًا لَهَا عَلَى الْإِسْلَامِ لِثُبُوتِ بَقَاءِ حَقِّ النِّكَاحِ فَلَمْ تَجِبْ النَّفَقَةُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْفُرْقَةُ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ حَبْسَ النِّكَاحِ قَائِمٌ فَبَقِيَتْ النَّفَقَةُ وَكَذَا إذَا كَانَتْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ بِسَبَبٍ هُوَ مَعْصِيَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تُحْبَسُ بِرِدَّةِ الزَّوْجِ فَيَبْقَى حَبْسُ النِّكَاحِ فَتَبْقَى الْعِدَّةُ لَكِنْ هَذَا يُشْكَلُ بِمَا إذَا طَاوَعَتْ ابْنَ زَوْجِهَا أَوْ قَبَّلَتْهُ بِشَهْوَةٍ؛ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ وَإِنْ بَقِيَ حَبْسُ النِّكَاحِ مَا دَامَتْ الْعِدَّةُ قَائِمَةً وَلَا إشْكَالَ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ عَدَمَ الِاسْتِحْقَاقِ لِانْعِدَامِ شَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِ الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهَا خَاصَّةً بِفِعْلٍ هُوَ مَحْظُورٌ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ وَهُوَ حَبْسُ النِّكَاحِ فَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالثَّانِي أَنَّ حَبْسَ النِّكَاحِ إنَّمَا أَوْجَبَ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ صِلَةً لَهَا فَإِذَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِفِعْلِهَا الَّذِي هُوَ مَعْصِيَةٌ لَمْ تَسْتَحِقَّ الصِّلَةَ؛ إذْ الْجَانِي لَا يَسْتَحِقُّ الصِّلَةَ بَلْ يَسْتَحِقُّ الزَّجْرَ وَذَلِكَ فِي الْحِرْمَانِ لَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ كَمَنْ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ أَنَّهُ يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مُسْتَكْرَهَةً عَلَى الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهَا لَيْسَ بِجِنَايَةٍ فَلَا يُوجِبُ حِرْمَانَ الصِّلَةِ وَكَذَا إذَا كَانَتْ الْفُرْقَةُ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ وَبِخِلَافِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقُّهَا قِبَلَ الزَّوْجِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِعْلُهُ الَّذِي هُوَ مَعْصِيَةٌ فِي إسْقَاطِ حَقِّ الْغَيْرِ فَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ وَإِنَّمَا لَمْ تُحْرَمْ السُّكْنَى بِفِعْلِهَا الَّذِي هُوَ مَعْصِيَةٌ لِمَا قُلْنَا إنَّ فِي السُّكْنَى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِفِعْلِ الْعَبْدِ، وَلَوْ ارْتَدَّتْ فِي النِّكَاحِ حَتَّى حُرِمَتْ النَّفَقَةَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ؛ لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ وَلَوْ ارْتَدَّتْ فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَتْ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ تَعُودُ النَّفَقَةُ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ النَّفَقَةَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي بَقِيَتْ وَاجِبَةً بَعْدَ الْفُرْقَةِ قَبْلَ الرِّدَّةِ لِبَقَاءِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ حَبْسُ النِّكَاحِ وَقْتَ وُجُوبِ الْعِدَّةِ ثُمَّ امْتَنَعَ وُجُوبُهَا مِنْ بَعْدِ تَعَارُضِ الرِّدَّةِ فَإِذَا عَادَتْ إلَى الْإِسْلَامِ فَقَدْ زَالَ الْعَارِضُ فَتَعُودُ النَّفَقَةُ.
وَأَمَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فَالنَّفَقَةُ لَمْ تَبْقَ وَاجِبَةً وَقْتَ وُجُوبِ الْعِدَّةِ لِبُطْلَانِ سَبَبِ وُجُوبِهَا بِالرِّدَّةِ فِي حَقِّ حَبْسِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ أَوْجَبَتْ بُطْلَانَ ذَلِكَ الْحَبْسِ فَلَا يَعُودُ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ النِّكَاحِ فَلَا تَعُودُ النَّفَقَةُ بِدُونِهِ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ لَمْ تَبْطُلْ نَفَقَتُهَا بِالْفُرْقَةِ ثُمَّ بَطَلَتْ فِي الْعِدَّةِ لِعَارِضٍ مِنْهَا ثُمَّ زَالَ الْعَارِضُ فِي الْعِدَّةِ؛ تَعُودُ نَفَقَتُهَا وَكُلُّ مَنْ بَطَلَتْ نَفَقَتُهَا بِالْفُرْقَةِ لَا تَعُودُ النَّفَقَةُ فِي الْعِدَّةِ وَإِنْ زَالَ سَبَبُ الْفُرْقَةِ فِي الْعِدَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا نَشَزَتْ ثُمَّ عَادَتْ؛ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّ النُّشُوزَ لَمْ يُوجِبْ بُطْلَانَ حَقِّ الْحَبْسِ الثَّابِتِ بِالنِّكَاحِ وَإِنَّمَا فَوَّتَ التَّسْلِيمَ الْمُسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ فَإِذَا عَادَتْ فَقَدْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا فَاسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ وَلَوْ طَاوَعَتْ ابْنَ زَوْجِهَا أَوْ أَبَاهُ فِي الْعِدَّةِ أَوْ لَمَسَتْهُ بِشَهْوَةٍ فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً مِنْ طَلَاقٍ وَهُوَ رَجْعِيٌّ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مَا وَقَعَتْ بِالطَّلَاقِ وَإِنَّمَا وَقَعَتْ بِسَبَبٍ وُجِدَ مِنْهَا وَهُوَ مَحْظُورٌ وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا أَوْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً عَنْ فُرْقَةٍ بِغَيْرِ طَلَاقٍ فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى بِخِلَافِ مَا إذَا ارْتَدَّتْ فِي الْعِدَّةِ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا إلَى أَنْ تَعُودَ إلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ حَبْسَ النِّكَاحِ يَفُوتُ بِالرِّدَّةِ وَلَا يَفُوتُ بِالْمُطَاوَعَةِ وَالْمَسِّ، وَلَوْ ارْتَدَّتْ فِي الْعِدَّةِ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ عَادَتْ وَأَسْلَمَتْ أَوْ سُبِيَتْ وَأُعْتِقَتْ أَوْ لَمْ تُعْتَقْ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِأَنَّ الْعِدَّةَ قَدْ بَطَلَتْ بِاللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ مَعَ اللَّحَاقِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ، وَلَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ أَمَةٌ طَلَاقًا بَائِنًا وَقَدْ كَانَ الْمَوْلَى بَوَّأَهَا مَعَ زَوْجِهَا بَيْتًا حَتَّى وَجَبَتْ النَّفَقَةُ ثُمَّ أَخْرَجَهَا الْمَوْلَى لِخِدْمَتِهِ حَتَّى سَقَطَتْ النَّفَقَةُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعِيدَهَا إلَى الزَّوْجِ وَيَأْخُذَ النَّفَقَةَ؛ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَوَّأَهَا الْمَوْلَى بَيْتًا حَتَّى طَلَّقَهَا الزَّوْجُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُبَوِّئَهَا مَعَ الزَّوْجِ فِي الْعِدَّةِ لِتَجِبَ النَّفَقَةُ فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ، وَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ النَّفَقَةَ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لِوُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ- وَهُوَ الِاحْتِبَاسُ- وَشَرْطِهِ وَهُوَ التَّسْلِيمُ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَهَا إلَى خِدْمَتِهِ فَقَدْ فَوَّتَ عَلَى الزَّوْجِ الِاحْتِبَاسَ الثَّابِتَ حَقًّا لَهُ وَالتَّسْلِيمَ؛ فَامْتَنَعَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ لَهُ، فَإِذَا أَعَادَهَا إلَى الزَّوْجِ عَادَ حَقُّهُ فَيَعُودُ حَقُّ الْمَوْلَى فِي النَّفَقَةِ فَأَمَّا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فَالنَّفَقَةُ مَا كَانَتْ وَاجِبَةً فِي الْعِدَّةِ لِانْعِدَامِ سَبَبِ الْوُجُوبِ أَوْ شَرْطِ الْوُجُوبِ وَهُوَ التَّسْلِيمُ فَهُوَ بِالْبَيْنُونَةِ يُرِيدُ إلْزَامَ الزَّوْجِ النَّفَقَةَ ابْتِدَاءً فِي الْعِدَّةِ فَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ كَانَتْ لَهَا النَّفَقَةُ يَوْمَ الطَّلَاقِ ثُمَّ صَارَتْ إلَى حَالٍ لَا نَفَقَةَ لَهَا فِيهَا؛ فَلَهَا أَنْ تَعُودَ وَتَأْخُذَ النَّفَقَةَ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ لَا نَفَقَةَ لَهَا يَوْمَ الطَّلَاقِ فَلَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ أَبَدًا إلَّا النَّاشِزَةَ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ وَالْوَجْهُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا وَيَسْتَوِي فِي نَفَقَةِ الْمُعْتَدَّةِ عِدَّةُ الْأَقْرَاءِ وَعِدَّةُ الْأَشْهُرِ وَعِدَّةُ الْحَمْلِ؛ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ فَيُنْفِقُ عَلَيْهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ وَإِنْ تَطَاوَلَتْ الْمُدَّةُ لِعُذْرِ الْحَبَلِ أَوْ لِعُذْرٍ آخَرَ وَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ يُعْرَفُ مِنْ قِبَلِهَا حَتَّى لَوْ ادَّعَتْ أَنَّهَا حَامِلٌ أَنْفَقَ عَلَيْهَا إلَى سَنَتَيْنِ مُنْذُ طَلَّقَهَا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَبْقَى فِي الْبَطْنِ إلَى سَنَتَيْنِ فَإِنْ مَضَتْ سَنَتَانِ وَلَمْ تَضَعْ فَقَالَتْ: كُنْتُ أَتَوَهَّمُ أَنِّي حَامِلٌ وَلَمْ أَحِضْ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ وَطَلَبَتْ النَّفَقَةَ لِعُذْرِ امْتِدَادِ الطُّهْرِ وَقَالَ الزَّوْجُ: إنَّك ادَّعَيْت الْحَمْلَ فَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَيَّ النَّفَقَةُ لِعِلَّةِ الْحَمْلِ، وَأَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَمْلِ سَنَتَانِ وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فَلَا نَفَقَةَ عَلَيَّ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِهِ وَيُلْزِمُهُ النَّفَقَةَ إلَى أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا بِالْأَقْرَاءِ وَتَدْخُلَ فِي عِدَّةِ الْإِيَاسِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْعُذْرَيْنِ إنْ بَطَلَ وَهُوَ عُذْرُ الْحَمْلِ فَقَدْ بَقِيَ الْآخَرُ وَهُوَ عُذْرُ امْتِدَادِ الطُّهْرِ؛ إذْ الْمُمْتَدُّ طُهْرُهَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ وَهِيَ مُصَدَّقَةٌ فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ لَمْ تَحِضْ حَتَّى دَخَلَتْ فِي حَدِّ الْإِيَاسِ؛ أَنْفَقَ عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ حَاضَتْ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ وَاسْتَقْبَلَتْ الْعِدَّةَ بِالْحَيْضِ فَلَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً يُجَامَعُ مِثْلُهَا فَطَلَّقَهَا بَعْدَ مَا دَخَلَ بِهَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ حَاضَتْ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ وَاسْتَقْبَلَتْ عِدَّةَ الْأَقْرَاءِ أَنْفَقَ عَلَيْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا لِمَا قُلْنَا وَإِنْ طَالَبَتْهُ امْرَأَةٌ بِالنَّفَقَةِ وَقَدَّمَتْهُ إلَى الْقَاضِي فَقَالَ الرَّجُلُ لِلْقَاضِي: قَدْ كُنْتُ طَلَّقْتهَا مُنْذُ سَنَةٍ وَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ وَجَحَدَتْ الْمَرْأَةُ الطَّلَاقَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْبَلُ قَوْلَ الزَّوْجِ إنَّهُ طَلَّقَهَا مُنْذُ سَنَةٍ، وَلَكِنْ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا مُنْذُ أَقَرَّ بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ فَإِنْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى أَنَّهُ طَلَّقَهَا مُنْذُ سَنَةٍ وَالْقَاضِي لَا يَعْرِفُهُمَا أَمَرَهُ الْقَاضِي بِالنَّفَقَةِ وَفَرَضَ لَهَا عَلَيْهِ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مُنْذُ سَنَةٍ لَمْ تَظْهَرْ بَعْدُ فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَادِلَةً أَوْ أَقَرَّتْ هِيَ أَنَّهَا قَدْ حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ وَإِنْ كَانَتْ أَخَذَتْ مِنْهُ شَيْئًا تَرُدُّهُ عَلَيْهِ لِظُهُورِ ثُبُوتِ الْفُرْقَةِ مُنْذُ سَنَةٍ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَإِنْ قَالَتْ لَمْ أَحِضْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَلَهَا النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ قَوْلُهَا.
فَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ: قَدْ أَخْبَرَتْنِي أَنَّ عِدَّتَهَا قَدْ انْقَضَتْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي إبْطَالِ نَفَقَتِهَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ عَلَيْهَا فِي إبْطَالِ حَقِّهَا، وَلَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا أَوْ بَائِنًا فَامْتَدَّتْ عِدَّتُهَا إلَى سَنَتَيْنِ ثُمَّ وَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَقَدْ كَانَ الزَّوْجُ أَعْطَاهَا النَّفَقَةَ إلَى وَقْتِ الْوِلَادَةِ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا قَبْلَ الْوِلَادَةِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَيَسْتَرِدُّ نَفَقَةَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ قَبْلَ الْوِلَادَةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَسْتَرِدُّ شَيْئًا مِنْ النَّفَقَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي حَالِ الْمَرَضِ فَامْتَدَّ مَرَضُهُ إلَى سَنَتَيْنِ وَامْتَدَّتْ عِدَّتُهَا إلَى سَنَتَيْنِ ثُمَّ وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِشَهْرٍ وَقَدْ كَانَ أَعْطَاهَا النَّفَقَةَ إلَى وَقْتِ الْوَفَاةِ؛ فَإِنَّهَا لَا تَرِثُ وَيَسْتَرِدُّ مِنْهَا نَفَقَةَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَرِثُ وَلَا يَسْتَرِدُّ شَيْئًا مِنْ النَّفَقَةِ وَقَدْ مَرَّتْ الْمَسْأَلَتَانِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَلَا نَفَقَةَ فِي الْفُرْقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَتْ لِارْتِفَاعِ النِّكَاحِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَنْعَدِمُ السَّبَبُ وَهُوَ الْحَبْسُ الثَّابِتُ بِالنِّكَاحِ وَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا وَوَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِنْ كَانَتْ مَحْبُوسَةً مَمْنُوعَةً عَنْ الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَبْسَ لَمْ يَثْبُتْ بِسَبَبِ النِّكَاحِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِتَحْصِينِ الْمَاءِ فَأَشْبَهَتْ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَلِأَنَّ نَفَقَتَهَا قَبْلَ الْعِتْقِ إنَّمَا وَجَبَتْ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لَا بِالِاحْتِبَاسِ وَقَدْ زَالَ بِالْإِعْتَاقِ وَنَفَقَةُ الزَّوْجَةِ إنَّمَا وَجَبَتْ بِالِاحْتِبَاسِ وَإِنَّهُ قَائِمٌ.