فصل: تفسير الآية رقم (11):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (10):

{دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)}
{دَعْوَاهُمْ} أي دعاؤهم وهو مبتدأ، وقوله تعالى شأنه: {فِيهَا} متعلق به، وقوله سبحانه: {سبحانك اللهم} خبره أي دعاؤهم هذا الكلام، والدعوى وإن اشتهرت عنى الادعاء لكنها وردت بما ذكرنا أيضًا، وكون الخبر من جنس الدعاء يشهد له قوله صلى الله عليه وسلم: «أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفات لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» والظاهر أن إطلاق الدعاء على ذلك مجاز وهو الذي يفهمه كلام ابن الأثير حيث قال: إنما سمى التهليل والتحميد والتمجيد دعاء لأنه نزلته في استيجاب ثواب الله تعالى وجزائه. وفي الحديث: «إذا شغل عبدي ثناؤه على من مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» وجاءت عنى العبادة كما في قوله سبحانه: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} [مريم: 48] وجوز إرادته هنا والمراد نفي التكليف أي لا عيادة لهم غير هذا القول وليس ذلك بعبادة وإنما يلهمونه وينطقون به تلذذًا لا تكليفًا. ونظير ذلك قوله سبحانه: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35] وفيه خفاء كما لا يخفى وقد يقال: يأتي نظير هذا في الآية على احتمال أن يراد بالدعوى الدعاء حقيقة فيكون المعنى على طرز ما قرر أنه لا سؤال لهم من الله تعالى سوى ذلك، ومن المعلوم أن ذلك ليس بسؤال فيفيد أنه لا سؤال لهم أصلًا.
والغرض من ذلك الإشارة إلى حصول جميع مقاصدهم بالفعل فليس بهم حاجة إلى سؤال شيء إلا أن فيه ما فيه ونصب سبحان على المصدرية لفعل محذوف وجوبًا وهو عنى التسبيح. وقدرت الجملة اسمية أي أنا نسبحك تسبيحًا لأنها أبلغ والجمل التي بعدها كذلك، و{اللهم} بتقدير يا ألله حذف حرف النداء وعوض عنه الميم وتمام الكلام فيه وفيما قبله قد تقدم لك فتذكر، وكان القياس تقديم الاسم الجليل لأن النداء يقدم على الدعاء لكنه استعمل في التسبيح كذلك قيل: لأنه تنزيه عن جميع النقائص وفي النداء را يتوهم ترك الأدب.
{وَتَحِيَّتُهُمْ} أي ما يحيون به {فِيهَا سلام} أي سلامتهم من كل مكروه، وهو خبر {تَحِيَّتُهُمْ} و{فِيهَا} متعلق بها، والتحية والتكرمة بالحال الجليلة وأصلها أحياك الله تعالى حياة طيبة، وإضافتها هنا إلى المفعول، والفاعل أما الله سبحانه أي تحية الله تعالى إياهم ذلك ويرشد إليه قوله عز وجل: {سَلاَمٌ قَوْلًا مّن رَّبّ رَّحِيمٍ} [ياس: 58] أو الملائكة عليهم السلام ويرشد إليه قوله سبحانه: {والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام} [الرعد: 23]. (وجوز أن تكون الإضافة إلى الفاعل بتقدير مضاف أي تحية بعضهم بعضًا آخر ذلك.
وقد يعتبر البعض المقدر مفعولًا فالإضافة إلى المفعول والفعل محذوف، وقيل: يجوز أن يكون مما أضيف فيه المصدر لفاعله ومفعوله معًا إذا كان المعنى يحيي بعضهم بعضًا، ونظيره في الإضافة إلى الفاعل والمفعول قوله تعالى: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهدين} [الأنبياء: 87] حيث أضيف حكم إلى ضمير داود وسليمان عليهما السلام وهما حاكمان وغيرهما وهم المحكوم عليهم، وليس ذلك من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز المختلف فيه حيث أن إضافة المصدر لفاعله حقيقة ولمفعوله مجاز لأنه لا خلاف في جواز الجمع إذا كان المجاز عقليًا إنما الخلاف فيه إذا كان لغويًا {دعواهم فِيهَا} أي خاتمة دعائهم {أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين} أي أنه الحمد لله فأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن محذوف والجملة الاسمية خبرها وأن ومعمولاها خبر آخر، وليست مفسرة لفقد شرطها، ولا زائدة لأن الزيادة خلاف الأصل ولا داعي إليها، على أنه قد قرأ ابن محيصن. ومجاهد. وقتادة. ويعقوب بتشديدها ونصب {الحمد} وفي ذلك دليل لما قلنا، والظاهر أن تحقق مضمون هذه الجمل لكونها اسمية على سبيل الدوام والاستمرار وفي الإخبار ما يؤيده، فلعل القوم لما دخلوا الجنة حصل لهم من العلم بالله تعالى ما لم يحصل لهم قبله على اختلاف مراتبهم.
وقد صرح مولانا شهاب الدين السهروردي في بعض رسائله في الكلام بتفاوت أهل الجنة في المعرفة فقال: أن عوام المؤمنين في الجنة يكونون في العلم كالعلماء في الدنيا والعلماء فيها يكونون كالأنبياء عليهم السلام في الدنيا والأنبياء عليهم السلام يكونون في ذلك كنبينا صلى الله عليه وسلم ويكون لنبينا عليه الصلاة والسلام من العلم بربه سبحانه الغاية القصوى التي لا تكون لملك مقرب ولا لنبي مرسل، ويمكن أن يكون ذلك المقام المحمود، ولا يبعد عندي أنهم مع تفاوتهم في المعرفة لا يزالون يترقبون فيها على حسب مراتبهم، والسير في الله سبحانه غير متناه والوقوف على الكنه غير ممكن، وحينئذٍ التفاوت في معرفة الصفات وهي كما قيل إما سلبية وتسمى بصفات الجلال لأنها يقال فيها: جل عن كذا جل عن كذا وإما غيرها وتسمى بصفات الإكرام وبذلك فسر قوله تعالى: {تبارك اسم رَبّكَ ذِى الجلال والإكرام} [الرحمن: 78] فلا يزالون يدعون الله تعالى بالتسبيح الذي هو إشارة إلى نعته بنعوت الجلال وبالتحميد الذي هو إشارة إلى وصفه بصفات الإكرام، والدوام عرفي وهو أكثر من أن يحصى، وقوله عليه الصلاة والسلام في وصف أهل الجنة كما في صحيح مسلم: «يسبحون الله تعالى بكرة وعشيًا» يؤيد بظاهره ذلك، والمراد بالبكر والعشية كما قال النووي قدرهما، وظاهر الآية أنهم يقدمون نعته تعالى بنعوت الجلال ويختمون دعاءهم بوصفه بصفات الإكرام لأن الأولى متقدمة على الثانية لتقدم التخلية على التحلية، ويرشد إلى ذلك قوله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السميع البصير} [الشورى: 11] والمختار عندي كون فاعل التحية هو الله تعالى أو الملائكة عليهم السلام وحينئذٍ لا يبعد أن يكون الترتيب الذكرى حسب الترتيب الوقوعي وذلك بأن يقال: إنهم حين يشرعون بالدعاء سبحون الله تعالى وينزهونه فيقابلون بالسلام وهو دعاء بالسلامة عن كل مكروه فإن كان من الله سبحانه فهو مجاز لا محالة لاستحالة حقيقة الدعاء عليه تعالى وإن كان من الملائكة عليهم السلام فلا مانع من بقائه على حقيقته لكن يوجه الطلب فيه إلى الدوام لأن أصل السلامة حاصل لهم وإن قلنا: إنها تقبل الزيادة فلا بعد في أن يوجه إلى طلبها، وما ألطف مقابلة التسبيح والتنزيه بالسلامة عن المكروه لقربها من ذلك معنى كما لا يخفى على المنصف ثم يختمون دعاءهم بالحمد لله رب العالمين. وهكذا لا يزال دأبهم بكرة وعشيًا كما يشير إليه خبر الصحيح، ولعل عدم ذكر التحميد فيه اكتفاء بما في الآية وهذا ما عندي فيها. وأخرج ابن جرير. وابن المنذر. وأبو الشيخ عن ابن جريج قال: أخبرت أن أهل الجنة إذا مر بهم الطائر يشتهونه قالوا: سبحانك اللهم وذلك دعاؤهم به فيأتيهم الملك بما اشتهوا فإذا جاء الملك به يسلم عليهم فيردون عليه وذلك قوله تعالى: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} فإذا أكلوا قدر حاجتهم قالوا: الحمد لله رب العالمين وذلك قوله سبحانه: {دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} وهو ظاهر في أن الترتيب الذكرى حسب الترتيب الوقوعي أيضًا لكن يدل على أن الدعوى عنى الدعاء، ومعنى كون سبحانك اللهم دعاء وطلبًا لما يشتهون حينئذٍ أنه علامة للطلب، ونظير ذلك تسبيح المصلى إذا نابه شيء في صلاته وفي بعض الآثار أن هذه الكلمة علامة بين أهل الجنة والخدم في الطعام فإذا قالوها أتوهم بما يشتهون.
وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب مرفوعًا أنهم إذا قالوا ذلك أتاهم ما اشتهوا من الجنة من ربهم ولا بأس في ذلك. نعم في كون الحمد بعد أكل قدر حاجتهم مدلول قوله سبحانه: {دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} خفاء.
وقال القاضي بيض الله تعالى غرة أحواله: لعل المعنى أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله سبحانه وكبرياءه مجدوه ونعتوه بنعوت الجلال ثم حياهم الملائكة بالسلامة عن الآفات والفوز بأصناف الكرامات أو الله تعالى فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإكرام وهو أيضًا ظاهر في كون الترتيب الذكري كما قلنا إلا أنه تعقب بأن إضافة {ءاخَرَ} إلى {دَعْوَاهُمْ} يأباه، وكأن وجه الإباء على ما قيل: إن ذلك على هذا آخر الحال وبأن اعتبار الفوز بالكرامات في مفهوم السلام غير ظاهر، ولعل الأمر فدي ذلك سهل.
وقال شيخ الإسلام: لعلهم يقولون: سبحانك اللهم عندما يعاينون من تعاجيب آثار قدرته تعالى ونتائج رحمته ورأفته ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر تقديسًا لمقامه تعالى عن شوائب العجز والنقصان وتنزيهًا لوعده الكريم عن سمات الخلف ويكون خاتمة دعائهم أن يقولوا: الحمد لله رب العالمين نعتًا له تعالى شأنه بصفات الإكرام إثر نعته بصفات الجلال، والمعنى دعاؤهم منحصر فيما ذكر إذ ليس لهم مطلب مترقب حتى ينظموه في سلك الدعاء، ولعل توسيط ذكر تحيتهم عند الحكاية بين دعائهم وخاتمته للتوسل إلى ختم الحكاية بالتحميد تبركًا مع أن التحية ليست بأجنبية على الإطلاق انتهى. وكأنه أراد بعدم كون التحية أجنبية على الإطلاق كونها دعاء معنى، وكلامه نص في أن الترتيب الوقوعي مخالف للترتيب الذكري، ولا يخفى أن توجيه توسيذ ذكر التحية بما ذكره مما لا يكاد يرتضيه منصف على أنه غفل هو وسائر من وقفنا على كلامه من المفسرين عن توجيه اسمية الجمل فافهم، والله تعالى أعلم.

.تفسير الآية رقم (11):

{وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11)}
{وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ} هم الذين لا يرجون لقاء الله تعالى المذكورون في قوله سبحانه: {إَنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا} [يونس: 7] إلخ، والآية متصلة بذلك دالة على استحقاقهم للعذاب وأنه سبحانه إنما يمهلهم استدراجًا وذكر المؤمنين وقع في البين تتميمًا ومقابلة، وجيء بالناس بدل ضميرهم تفظيعًا للأمر.
وفي إرشاد العقل السليم إنما أوردوا باسم الجنس لما أن تعجيل الخير لهم ليس دائرًا على وصفهم المذكور إذ ليس كل ذلك بطريق الاستدراج، والمراد لو يعجل الله تعالى لهم {الشر} الذي كانوا يستعجلون به تكذيبًا واستهزاءًا فإنهم كانوا يقولون: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} [يونس: 48] ونحو ذلك.
وأخرج ابن جرير. وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال: هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له، وأخرجا عن مجاهد أنه قال: هو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب اللهم لا تبارك فيه. اللهم العنه، وفييه حمل الناس على العموم والمختار الأول، ويؤيده ما قيل: من أن الآية نزلت في النضر بن الحرث حين قال: اللهم إن كان هذا هو الحق إلخ، وقوله سبحانه: {استعجالهم بالخير} نصب على المصدرية، والأصل على ما قال أبو البقاء تعجيلًا مثل استعجالهم فحذف تعجيلًا وصفته المضافة وأقيم المضاف إليه مقامها.
وفي الكشاف وضع {استعجالهم بالخير} موضع تعجيله لهم إشعارًا بسرعة إجابته سبحانه لهم وإسعافه بطلبتهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل له وهو كلام رصين يدل على دقة نظر صاحبه كما قال ابن المنير، إذ لا يكاد يوضع مصدر مؤكد مقارنًا لغيير فعله في الكتاب العزيز بدون مثل هذه الفائدة الجليلة، والنحاة يقولون في ذلك: أجري المصدر على فعل مقدر دل عليه المذكور ولا يزيدون عليه، وإذا راجع اللفطن قريحته وناجى فكرته علم أنه إنما قرن بغير فعله لفائدة وهي في قوله تعالى: {والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتًا} [نوح: 17] التنبيه على نفوذ القدرة في المقدور وسرعة إمضاء حكمها حتى كأن إنبات الله تعالى لهم نفس نباتهم أي إذا وجد الإنبات وجد النبات حتمًا حتى كأن أحدهما عين الآخر فقرن به. وقال الطيبي: كان أصل الكلام ولو يجعل الله للناس الشر تعجيله ثم وضع موضعه الاستعجال ثم نسب إليهم فقيل استعجالهم بالخير لأن المراد أن رحمته سبقت غضبه فأريد مزيد المبالغة وذلك أن استعجالهم الخير أسرع من تعجيل الله تعالى لهم ذلك فإن الإنسان خلق عجولًا والله تعالى صبور حليم يؤخر للمصالح الجمة التي لا يهتدي إليها عقل الإنسان ومع ذلك يسعفهم بطلبتهم ويسرع إجابتهم.

وأوجب أبو حيان كون التقدير تعجيلًا مثل استعجالهم أو أن ثم محذوفًا يدل علييه المصدر أي لو يعجل الله للناس الشر إذا استعجلوه استعجالهم بالخير قال: لأن مدلول عجل غير مدلول استعجل لأن عجل يدل على الوقوع واستعجل يدل على طلب التعجيل وذلك واقع من الله تعالى وهذا مضاف إليهم فلا يجوز ما قرره الزمخشري وأتباعه: وأجاب السفاقسي بأن استفعل هنا للدلالة على وقوع الفعل لا على طلبه كاستقر عنى أقر، وقوله: وهذا مضاف إليهم مبني على أن المصدر مضاف للفاعل ويحتمل أن يكون مضافًا للمفعول ولا يخفى أن كل ذلك ناش من قلة التدبر، ومعنى قوله سبحانه: {لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} لأميتوا وأهلكوا بالمرة يقال: قضى إليه أجله أي أنهى إليه مدته التي قدر فيها موته فهلك، وفي إيثار صيغة المبنى للمفعول جرى على سنن الكبرياء مع الإيذان بتعين الفاعل. وقرأ ابن عامر. ويعقوب {لَقُضِىَ} على البناء للفاعل، وقرأ عبد الله {لقضينا} وفيه التفات، واختيار صيغة الاستقبال في الشرط وإن كان المعنى على المضي لإفادة أن عدم قضاء الأجل لاستمرار عدم التعجيل فإن المضارع المنفي الواقع موقع الماضي لي بنص في إفادة انتفاء استمرار الفعل بل قد يفيد استمرار انتفائه أيضًا بحسب المقام كما حقق في موضعه.
وذكر بعض المحققين أن المقدم هاهنا ليس نفس التعجيل المذكور بل هو إرادته المستتبعة للقضاء المذكور وجودًا وعدمًا لأن القضاء ليس أمرًا مغايرًا لتعجيل الشر في نفسه بل هو إما نفسه أو جزئي منه كسائر جزئياته من غير مزية له على البقية إذ لم يعتبر في مفهومه ما ليس في مفهوم تعجيل الشر من الشدة والهول فلا يكون في ترتبه عليه وجودًا أو عدمًا مزيد فائدة مصححة لجعله تاليًا له فليس كقوله تعالى: {الله لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مّنَ الامر لَعَنِتُّمْ} [الحجرات: 7] ولا كقوله سبحانه: {وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبّهِمْ} [الأنعام: 30] وقوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بما كَسَبُواْ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ} [فاطر: 45] إذا فسر الجواب بالاستئصال، وأيضًا في ترتيب التالي على إرادة المقدم ما ليس في ترتيبه على المقدم نفسه من الدلالة على المبالغة وتهويل الأمر والدلالة على أن الأمور منوطة بإرادته تعالى المبنية على الحكم البالغة.
وقوله سبحانه: {فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا} أي نتركهم إمهالًا واستدراجًا {فِي طغيانهم} الذي هو عدم رجاء اللقاء وإنكار البعث والجزاء وما يتفرع على ذلك من الأعمال السيئة والمقالات الشنيعة {يَعْمَهُونَ} أي يترددون ويتحيرون، لا يصح عطفه على شرط {لَوْ} ولا على جوابها لانتفائه وهو مقصود إثباته وليست {لَوْ} عنى أن كما قيل فهو إما معطوف على مجموع الشرطية لأنها في معنى لا يعجل لهم وفي قوته فكأنه قيل: لا يعجل بل يذرهم أو معطوف على مقدر تدل عليه الشرطية أي ولكن يمهلهم أو ولكن لا يعجل ولا يقضي فيذرهم وبكل قال بعض، وقيل: الجملة مستأنفة والتقدير فنحن نذرهم، وقيل: إن الفاء واقعة في جواب شرط مقدر والمعنى لو يعجل الله تعالى ما استعجلوه لأبادهم ولكن يمهلهم ليزيدوا في طغيانهم ثم يستأصلهم وإذا كان كذلك فنحن نذر هؤلاء الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يترددون ثم نقطع دابرهم.
وصاحب الكشف بعد ما قرر أن اتصال {وَلَوْ يُعَجّلُ} إلخ بقوله تعالى: {إَنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا} [يونس: 7] إلخ وأن ذكر المؤمنين إنما وقع في البين تتميمًا ومقابلة وليس بأجنبي قال: إنه لا حاجة إلى جعل هذا جواب شرط مقدر، وفي وضع الموصول موضع الضمير نوع بيان للطغيان بما في حيز الصلة وإشعار بعليته للترك والاستدراج.