فصل: تفسير الآية رقم (49):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (45):

{فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45)}
{فألقى موسى عصاه فَإِذَا هي تَلْقَفُ} أي تبتلع بسرعة، وأصل التلقف الأخذ بسرعة. وقرأ أكثر السبعة {تَلْقَفْ} بفتح اللام والتشديد والأصل تتلقف فحذفت إحدى التاءين. والتعبير بالمضارع لاستحضار السورة والدلالة على الاستمرار {مَا يَأْفِكُونَ} أي الذي يقلبونه من حاله الأول وصورته بتمويههم وتزويرهم فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى. فما موصولة حذف عائدها للفاصلة، وجوز أن تكون مصدرية أي تلقف أفكهم تسمية للمأفوك به مبالغة.

.تفسير الآية رقم (46):

{فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46)}
{فَأُلْقِىَ السحرة ساجدين} أي خروا ساجدين إثر ما شاهدوا ذلك من غير تلعثم وتردد لعلمهم بأن مثل ذلك خارج عن حدود السحر وأنه أمر إلهي قد ظهر على يده عليه السلام لتصديقه، وعبر عن الخرور بالالقاء لأنه ذكر مع الالقاءات فسلك به طريق المشاكلة وفيه أيضًا مع مراعاة المشاكلة أنهم حين رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين كأنهم أخذوا فطرحوا طرحًا فهناك استعارة تبعية زادت حسنها المشاكلة، وبحث في ذلك بعضهم بأن الله تعالى خالق خرورهم عند أهل الحق وخلقه هو الالقاء فلا حاجة إلى التجوز.
وأنت تعلم أن إيجاد خرورهم وخلقه فيهم لا يسمى إلقاء حقيقة ولغة ثم ظاهر كلامهم أن فاعل الإلقاء لو صرح به هو الله عز وجل بما خولهم من التوفيق، وجوز الزمخشري أن يكون إيمانهم أو ما عاينوا من المعجزة الباهرة ثم قال: ولك أن لا تقدر فاعلًا لأن {ألقى} عنى خروا وسقطوا. وتعقب هذا أبو حيان بأنه ليس بشيء إذ لا يمكن أن يبنى الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله إلا وقد حذف الفاعل فناب ذلك عنه أما أنه لا يقدر فاعل فقول ذاهب عن الصواب، ووجه ذلك صاحب الكشف بأنه أراد أنه لا يحتاج إلى تقدير فاعل آخر غير من أسند إليه المجهول لأن فاعل الالقاء ألا ترى إنك لو فسرت سقط بألقى نفسه لصح. والطيبي بأنه أراد أنه لا يحتاج إلى تعيين فاعل لأن المقصود الملقى لا تعيين من ألقاه كما تقول قتل الخارجي.
وأنت تعلم أن التعليل الذي ذكره الزمخشري إلى ما اختاره صاحب الكشف أقرب. وبالجملة لابد من تأويل كلام صاحب الكشاف فإنه أجل من أن يريد ظاهره الذي يريد عليه ما أورده أبو حيان، وفي سجود السحرة وتسليمهم دليل على أن منتهى السحر تمويه وتزويق يخيل شيئًا لا حقيقة له لأن السحر أقوى ما كان في زمن موسى عليه السلام ومن أتى به فرعون أعلم أهل عصره به وقد بذلوا جهدهم وأظهروا أعظم ما عندهم منه ولم يأتوا إلا بتمويه وتزويق كذا قيل. والتحقيق أن ذلك هو الغالب في السحر لا أن كل سحر كذلك.
وقول القزويني: إن دعوى أن في السحر تبديل صورة حقيقة من خرافات العوام وأسمار النسوة فإن ذلك مما لا يمكن في سحر أبدًا لا يخلو عن مجازفة، واستدل بذلك أيضًا على أن التبحر في كل علم نافع فإن أولئك السحرة لتبحرهم في علم السحر علموا حقية ما أتى به موسى عليه السلام وأنه معجزة فانتفعوا بزيادة علمهم لأنه أداهم إلى الاعتراف بالحق والإيمان لفرقهم بين المعجزة والسحر.
وتعقب بأن هذا إنما يثبت حكما جزئيًا كما لا يخفى، وذكر بعض الأجلة أنهم إنما عرفوا حقية ذلك بعد أن أخذ موسى عليه السلام العصا فعادت كما كانت وذلك أنهم لم يروا لحبالهم وعصيهم بعد أثرًا، وقالوا: لو كان هذا سحرًا لبقيت حبالنا وعصينا؛ ولعلها على هذا صارت أجزاء هبائية وتفرقت أو عدمت لانطاع تعلق الإرادة بوجودها. وقال الشيخ الأكبر قدس سره في الباب السادس عشر والباب الأربعين من الفتوحات: إن العصا لم تلقف إلا صور الحيات من الحبال والعصى وأما هي فقد بقيت ولم تعدم كما توهمه بعض المفسرين ويدل عليه قوله تعالى: {تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ} [طه: 69] وهو لم يصنعوا إلا الصور ولولا ذلك لوقعت الشبهة للسحرة في عصا موسى عليه السلام فلم يؤمنوا انتهى ملخصًا فتأمل.

.تفسير الآية رقم (47):

{قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47)}
بدل اشتمال من {ألقى} [الشعراء: 46] لما بين الإلقاء المذكور وهذا القول من الملابسة أو حال بإضمار قد أو بدونه، ويحتمل أن يكون استئنافًا بيانيًا كأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: {قَالُواْ ءامَنَّا بِرَبّ العالمين}.

.تفسير الآية رقم (48):

{رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48)}
{رَبّ موسى وهارون} عطف بيان لرب العالمين أو بدل منه جيء به لدفع توهم إرادة فرعون حيث كان قومه الجهلة يسمونه بذلك وللاشعار بأن الموجب لإيمانهم به تعالى ما أجراه سبحانه على أيديهما من المعجزة القاهرة. ومعنى كونه تعالى ربهما أنه جل وعلا خالقهما ومالك أمرهما.

وجوز أن يكون إضافة الرب إليهما باعتبار وصفهما له سبحانه بما تقدم من قول موسى عليه السلام: {رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا} [الشعراء: 24] وقوله: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ الاولين} [الشعراء: 26] وقوله: {رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَا} [الشعراء: 28] فكأنهم قالوا: ءامنا برب العالمين الذي وصفه موسى هارون، ولا يخفى ما فيه وإن سلم سماعهم للوصف المذكور بعد أن حشروا من المدائن.

.تفسير الآية رقم (49):

{قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49)}
{قَالَ} فرعون للسحرة {ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ} أي بغير أن آذن لكم بالإيمان له كما في قوله تعالى: {قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى} [الكهف: 109] إلا أن الاذن منه ممكن أو متوقع {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر} فتواطأتم على ما فعلتم فيكون كقوله: {إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ} [الأعراف: 123] إلخ أو علمكم شيئًا دون شيء فلذلك غلبكم كما قيل، ولا يرد عليه أنه لا يتوافق الكلامان حينئذ إذ يجوز أن يكون فرعون قال كلا منهما وإن لم يذكرا معا هنا، وأراد اللعين بذلك التلبيس على قومه كيلا يعتقدوا أنهم آمنوا عن بصيرة وظهور حق.
وقرأ الكسائي. وحمزة. وأبو بكر. وروح «أآمنتم» بهمزتين {فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وبال ما فعلتم. واللام قيل للابتداء دخلت الخبر لتأكيد مضمون الجملة والمبتدأ محذوف أي فلانتم سوف تعلمون. وليست للقسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة. وجمعها مع سوف للدلالة على أن العلم كائن لا محالة وأن تأخر لداع، وقيل: هي للقسم وقاعدة التلازم بينها وبين النون فيما عدا صورة الفصل بينها وبين الفعل بحرف التنفيس وصورة الفصل بينهما عمول الفعل كقوله تعالى: {لإِلَى الله تُحْشَرُونَ} [آل عمران: 158] وقال أبو علي: هي اللام التي في لاقو من ونابت سوف عن احدى نوني التأكيد فكأنه قيل: فلتعلمن، وقوله تعالى حكاية عنه: {لاقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ وَلاَصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} بيان لمفعول {تَعْلَمُونَ} المحذوف الذي أشرنا إليه وتفصيل لما أجمل ولذا فصل وعطف بالفاء في محل آخر، وقد مر معنى {مّنْ خلاف}.

.تفسير الآية رقم (50):

{قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50)}
{قَالُواْ} أي السحرة {لاَ ضَيْرَ} أي لا ضرر علينا فيما ذكرت من قطع الأيدي وما معه، والضمير مصدر ضار وجاء مصدره أيضًا ضورًا، وهو اسم لا وخبرها محذوف وحذفه في مثل ذلك كثير، وقوله تعالى: {إِنَّا إلى رَبّنَا} أي الذي آمنا به {مُنقَلِبُونَ} تعليل لنفي الضمير أي لا ضير في ذلك بل لنا فيه نفع عظيم لما يحصل لنا من الصبر عليه لوجه الله تعالى من الثواب العظيم أو لا ضير علينا فيما تفعل لأنه لابد من الموت بسبب من الأسباب والانقلاب إلى الله عز وجل:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ** تعددت الأسباب والموت واحد

وحاصله نفى المبالاة بالقتل معللا بأنه لابد من الموت، ونظير ذلك قول علي كرم الله تعالى وجهه. لا أبالي أوقعت على الموت أم وقع الموت على، أو لا ضير علينا في ذلك لأن مصيرنا ومصيرك إلى رب يحكم بيننا فينتقم لنا منك، وفي معنى ذلك قوله:
إلى ديان يوم الدين نمضي ** وعند الله تجتمع الخصوم

ولم يرتضه بعضهم لأن فيه تفكيك الضمائر لكونها للسحرة فيما قبل وبعد ومنع بدخولهم في ضمير الجمع فتأمل، وقوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (51):

{إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)}
{إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خطايانا أَن كُنَّا} أي لأن كنا {أَوَّلُ المؤمنين} تعليل ثان لنفي الضير ولم يعطف إيذانا بأنه مما يستقل بالعلية، وقيل إن عدم العطف لتعلق التعليل بالمعلل الأول مع تعليله وجوز أن يكون تعليلًا للعلة والأول أظهر أي لا ضير علينا في ذلك إنا نظمع أن يغفر بنا بنا خطايانا لكوننا أول المؤمنين، والطمع أما على بابه كما استظهره أبو يحان لعدم الوجوب على الله عز وجل، وإما عنى التيقن كما قيل به في قول إبراهيم عليه السلام: {والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين} [الشعراء: 82] وقولهم: {أَوَّلُ المؤمنين} يحتمل أنهم أرادوا به أول المؤمنين من اتباع فرعون أو أول المؤمنين من أهل المشهد أو أول المؤمنين من أهل زمانهم، ولعل الأخبار بكونهم كذلك لعدم علمهم ؤمن سبقهم بالإيمان فهو إخبار مبني على غالب الظن ولا محذور فيه كذا قيل، وقيل: أرادوا أول من أظهر الإيمان بالله تعالى وبرسوله عند فرعون كفاحًا بعد الدعوة وظهور الآية فلا يرد مؤمن من آل فرعون. وآسية، وكذا لا يرد بن إسرائيل لأنهم كما في البحر كانوا مؤمنين قبلهم إما لعدم علم السحرة بذلك أو لأن كلا من المذكورين لم يظهر الإيمان بالله تعالى ورسوله عند فرعون كفاحًا بعد الدعوة وظهور الآية فتأمل.
وقرأ أبان بن تغلب. وأبو معاذ {أَن كُنَّا} بكسر همزة {ءانٍ} وخرج على أن إن شرطية والجواب محذوف يدل عليه ما قبله أي إن كنا أول المؤمنين فإنا نطمع، وجعل صاحب اللوامح الجواب {إِنَّا نَطْمَعُ} المتقدم وقال: جاز حذف الفاء منه لتقدمه وهو مبني على مذهب الكوفيين. وأبي زيد. والمبرد حيث يجوزون تقديم جواب الشرط، وعلى هذا فالظاهر أنهم لم يكونوا متحققين بأنهم أول المؤمنين، وقيل: كانوا متحققين ذلك لكنهم أبرزوه في صورة الشك لتنزيل الأمر المعتمد منزلة غيره تمليحًا وتضرعًا لله تعالى، وفي ذلك هضم النفس والمبالغة في تحري الصدق والمشاكلة مع {نَطْمَعُ} على ما هو الظاهر فيه، وجوز أبو حيان أن تكون أن هي المخففة من الثقيلة ولا يحتاج إلى اللام الفارقة لدلالة الكلام على أنهم مؤمنون فلا احتمال للنفي، وقد ورد مثل ذلك في الفصيح ففي الحديث: «إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العسل»، وقال الشاعر:
ونحن أباة الضيم من آل مالك ** وإن مالك كانت كرام المعادن

وعلى هذا الوجه يكونون جازمين بأنهم أول المؤمنين أتم جزم. واختلف في أن فرعون هل فعل بهم ما أقسم عليه أولًا والأكثرون على أنه لم يفعل لظاهر قوله تعالى: {أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون} [القصص: 35] وبعض هؤلاء زعم أنهم لما سجدوا رأوا الجنات والنيران والملكوت السموات والأرض وقبضت أرواحهم وهم ساجدون، وظواهر الآيات تكذيب أمر الموت في السجود، وأما رؤية أمر ما ذكر فلا جزم عندي بصدقه والله تعالى أعلم.

.تفسير الآية رقم (52):

{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52)}
{وَأَوْحَيْنَا إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى} وذلك بعد سنين أقام بين ظهرانيهم يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات فلم يزيدوا إلا عتوًا وعنادًا حسا فصل في سورة الأعراف بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين} [الأعراف: 130] الآيات. وقرئ {أَنْ أَسْرِ} بكسر النون ووصل الألف من سرى. وقرأ اليماني {ءانٍ} أمرًا من سار يسير {بِعِبَادِى إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ} تعليل للأمر بالإسراء أي يتبعكم فرعون وجنوده مصبحين فأسر ليلًا بمن معك حتى لا يدركوكم قبل الوصول إلى البحر بل يكونون على أثركم حين تلجون البحر فيدخلون مداخلكم فأطبقه عليهم فأغرقهم.