فصل: تفسير الآية رقم (26):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (26):

{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26)}
{يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ} استئناف مقرر لما سبق من الأحكام، ومثل هذا التركيب وقع في كلام العرب قديمًا وخرجه النحاة كما قال الشهاب على مذاهب فقيل: مفعول {يريد} محذوف أي تحليل ما أحل وتحريم ما حرم ونحوه، واللام للتعليل أو العاقبة أي ذلك لأجل التبيين، ونسب هذا إلى سيبويه وجمهور البصريين، فتعلق الإرادة غير التبيين وإنما فعلوه لئلا يتعدى الفعل إلى مفعوله المتأخر عنه باللام وهو ممتنع أو ضعيف. وقيل: إنه إذا قصد التأكيد جاز من غير ضعف، وقد قصد هنا تأكيد الاستقبال اللازم للإرادة ولكن باعتبار التعلق وإلا فإرادة الله تعالى قديمة، وسمى صاحب «اللباب» هذه اللام لام التكملة وجعلها مقابلة للام التعدية. وذهب بعض البصريين إلى أن الفعل مؤل بالمصدر من غير سابك كما قيل به في تسمع بالمعيدي خير من أن تراه على أنه مبتدأ والجار والمجرور خبره أي إرادتي كائنة للتبيين وفيه تكلف، وذهب الكوفيون إلى أن اللام هي الناصبة للفعل من غير إضمار وإن وهي وما بعدها مفعول للفعل المقدم لأن اللام قد تقام مقام إن في فعل الإرادة والأمر، والبصريون يمنعون ذلك ويقولون: إن وظيفة اللام الجر والنصب بأن مضمرة بعدها، ومفعول يبين على بعض الأوجه محذوف أي: ليبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم، أو ما تعبدكم به أو نحو ذلك، وجوز أن يكون قوله تعالى: {لِيُبَيّنَ} وقوله تعالى: {وَيَهْدِيَكُمْ} تنازعا في قوله سبحانه: {سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ} أي مناهج من تقدمكم من الأنبياء والصالحين لتقتفوا أثرهم وتتبعوا سيرهم، وليس المراد أن الحكم كان كذلك في الأمم السالفة كما قيل به، بل المراد كون ما ذكر من نوع طرائق المتقدمين الراشدين وجنسها في بيان المصالح.
{وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} عطف على ما قبله وحيث كانت التوبة ترك الذنب مع الندم والعزم على عدم العود وهو مما يستحيل إسناده إلى الله تعالى ارتكبوا تأويل ذلك في هذا المقام بأحد أمور: فقيل إن التوبة هنا عنى المغفرة مجازًا لتسببها عنها، أو عنى الإرشاد إلى ما يمنع عن المعاصي على سبيل الاستعارة التبعية لأن التوبة تمنع عنها كما أن إرشاده تعالى كذلك، أو مجاز عن حثه تعالى عليها لأنه سبب لها عكس الأول، أو عنى الإرشاد إلى ما يكفرها على التشبيه أيضًا، وإلى جميع ذلك أشار ناصر الدين البيضاوي. وقرر العلامة الطيبي أن هذا من وضع المسبب موضع السبب وذلك لعطف {وَيَتُوبَ} على {وَيَهْدِيَكُمْ} إلخ على سبيل البيان كأنه قيل: ليبين لكم ويهديكم ويرشدكم إلى الطاعات، فوضع موضعه {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} وما يرد على بعض الوجوه من لزوم تخلف المراد عن الإرادة وهي علة تامة يدفعه كون الخطاب ليس عامًا لجميع المكلفين بل لطائفة معينة حصلت لهم هذه التوبة {والله عَلِيمٌ} مبالغ في العلم بالأشياء فيعلم ما شرع لكم من الأحكام وما سلكه المهتدون من الأمم قبلكم وما ينفع عباده المؤمنين وما يضرهم {حَكِيمٌ} مراع في جميع أفعاله الحكمة والمصلحة فيبين لمن يشاء ويهدي من يشاء ويتوب على من يشاء، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون..

.تفسير الآية رقم (27):

{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27)}
{والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} جعله بعضهم تكرارًا لما تقدم للتأكيد والمبالغة وهو ظاهر إذا كان المراد من التوبة هناك وهنا شيئًا واحدًا، وأما إذا فسر {يَتُوبُ} أولًا: بقبول التوبة والإرشاد مثلًا، وثانيًا: بأن يفعلوا ما يستوجبون به القبول فلا يكون تكرارًا، وأيضًا إنما يتمشى ذلك على كون {لِيُبَيّنَ لَكُمْ} [النساء: 26] مفعولًا وإلا فلا تكرار أيضًا لأن تعلق الإرادة بالتوبة في الأول: على جهة العلية، وفي الثاني: على جهة المفعولية وبذلك يحصل الاختلاف لا محالة {وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات} يعني الفسقة لأنهم يدورون مع شهوات أنفسهم من غير تحاش عنها فكأنهم بأنهماكهم فيها أمرتهم الشهوات باتباعها فامتثلوا أمرها واتبعوها فهو استعارة تمثيلية، وأما المتعاطي لما سوغه الشرع منها دون غيره فهو متبع له لا لها. وروي هذا عن ابن زيد، وأخرج مجاهد عن ابن عباس أنهم الزناة، وأخرج ابن جرير عن السدي أنهم اليهود والنصارى، وقيل: إنهم اليهود خاصة حيث زعموا أن الأخت من الأب حلال في التوراة، وقيل: إنهم المجوس حيث كانوا يحلون الأخوات لأب لأنهم لم يجمعهم رحم، وبنات الأخ والأخت قياسًا على بنات العمة والخالة بجامع أن أمهما لا تحل، فكانوا يريدون أن يضلوا المؤمنين بما ذكر، ويقولون: لم جوزتم تلك ولم تجوزوا هذه؟ا فنزلت، وغوير بين الجملتين ليفرق بين إرادة الله تعالى وإرادة الزائغين {أَن تَمِيلُواْ} عن الحق وافقتهم فتكونوا مثلهم، وعن مجاهد أن تزنوا كما يزنون. وقرئ بالياء التحتانية فالضمير حينئذ للذين يتبعون الشهوات {مَيْلًا عَظِيمًا} بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة على ندرة، واعترف بأنها خطيئة ولم يستحل.

.تفسير الآية رقم (28):

{يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)}
{يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ} أي في التكليف في أمر النساء والنكاح بإباحة نكاح الإماء قاله طاوس ومجاهد وقيل: يخفف في التكليف على العموم فإنه تعالى خفف عن هذه الأمة ما لم يخفف عن غيرها من الأمم الماضية، وقيل: يخفف بقبول التوبة والتوفيق لها، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. {وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفًا} أي في أمر النساء لا يصبر عنهن قاله طاوس وفي الخبر: «لا خير في النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريمًا ويغلبهن لئيم فأحب أن أكون كريمًا مغلوبًا ولا أحب أن أكون لئيمًا غالبًا» وقيل: يستميله هواه وشهوته ويستشيطه خوفه وحزنه، وقيل: عاجز عن مخالفة الهوى وتحمل مشاق الطاعة، وقيل: ضعيف الرأي لا يدرك الأسرار والحكم إلا بنور إلهي. وعن الحسن رضي الله تعالى عنه أن المراد ضعيف الخلقة يؤلمه أدنى حادث نزل به، ولا يخفى ضعف مساعدة المقام لهما فإن الجملة اعتراض تذييلي مسوق لتقرير ما قبله من التخفيف بالرخصة في نكاح الإماء، وليس لضعف الرأي ولا لضعف البنية مدخل في ذلك، وكونه إشارة إلى تجهيل المجوس في قياسهم على أول القولين ليس بشيء، ونصب {ضعيفًا} على الحال وقيل: على التمييز، وقيل: على نزع الخافض أي من ضعيف وأريد به الطين أو النطفة، وكلاهما كما ترى، وقرأ ابن عباس {وَخُلِقَ الإنسان} على البناء للفاعل والضمير لله عز وجل. وأخرج البيهقي في الشعب عنه أنه قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، الأولى: {يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء: 26] والثانية: {والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27] إلى آخرها، والثالثة: {يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ} إلى آخرها، والرابعة: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31] والخامسة: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] والسادسة: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 110] والسابعة: {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} إلى آخرها، والثامنة: {والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ} [النساء: 152] الآية..

.تفسير الآية رقم (29):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)}
{يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل} بيان لبعض المحرمات المتعلقة بالأموال والأنفس إثر بيان تحريم النساء على غير الوجوه المشروعة، وفيه إشارة إلى كمال العناية بالحكم المذكور، والمراد من الأكل سائر التصرفات، وعبر به لأنه معظم المنافع، والمعنى لا يأكل بعضكم أموال بعض، والمراد بالباطل ما يخالف الشرع كالربا والقمار والبخس والظلم قاله السدي وهو المروي عن الباقر رضي الله تعالى عنه، وعن الحسن هو ما كان بغير استحقاق من طريق الأعواض. وأخرج عنه وعن عكرمة بن جرير أنهما قالا: كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بهذه الآية فنسخ ذلك بالآية التي في سورة النور (61): {وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ} الآية، والقول الأول أقوى لأن ما أكل على وجه مكارم الأخلاق لا يكون أكلًا بالباطل، وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود أنه قال في الآية: إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة، و{بَيْنِكُمْ} نصب على الظرفية، أو الحالية من {أموالكم} {إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ} استثناء منقطع، ونقل أبو البقاء القول بالاتصال وضعفه، و{عَنْ} متعلقة حذوف وقع صفة لتجارة، و{مّنكُمْ} صفة {تَرَاضٍ} أي إلا أن تكون التجارة تجارة صادرة {عَن تَرَاضٍ} كائن {مّنكُمْ} أو إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، والنصب قراءة أهل الكوفة، وقرأ الباقون بالرفع على أن كان تامة.
وحاصل المعنى لا تقصدوا أكل الأموال بالباطل لكن اقصدوا كون أي وقوع تجارة عن تراض أو لا تأكلوا ذلك كذلك فإنه منهي عنه لكن وجود تجارة عن تراض غير منهي عنه، وتخصيصها بالذكر من بين سائر أسباب الملك لكونها أغلب وقوعًا وأوفق لذوي المروءات، وقد أخرج الأصبهاني عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا ائتمنوا لم يخونوا وإذا اشتروا لم يذموا وإذا باعوا لم يمدحوا وإذا كان عليهم لم يمطلوا وإذا كان لهم لم يعسروا» وأخرج سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: تسعة أعشار الرزق في التجارة والعشر في المواشي.
وجوز أن يراد بها انتقال المال من الغير بطريق شرعي سواء كان تجارة أو إرثًا أو هبة أو غير ذلك من استعمال الخاص وإرادة العام، وقيل: المقصود بالنهي المنع المبايعة عن صرف المال فيما لا يرضاه الله تعالى، وبالتجارة صرفه فيما يرضاه وهذا أبعد مما قبله، والمراد بالتراضي مراضاة المتبايعين بما تعاقدا عليه في حال وقت الإيجاب والقبول عندنا وعند الإمام مالك، وعند الشافعي حالة الافتراق عن مجلس العقد، وقيل: التراضي التخيير بعد البيع، أخرج عبد بن حميد عن أبي زرعة أنه باع فرسًا له فقال لصاحبه: اختر فخيره ثلاثًا، ثم قال له: خيرني فخيره ثلاثًا، ثم قال: سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: هذا البيع عن تراض.
{وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} أي لا يقتل بعضكم بعضًا، وعبر عن البعض المنهي عن قتلهم بالأنفس للمبالغة في الزجر، وقد ورد في الحديث: «المؤمنون كالنفس الواحد» وإلى هذا ذهب الحسن وعطاء والسدي والجبائي؛ وقيل: المعنى لا تهلكوا أنفسكم بارتكاب الآثام كأكل الأموال بالباطل وغيره من المعاصي التي تستحقون بها العقاب، وقيل: المراد به النهي عن قتل الإنسان نفسه في حال غضب أو ضجر، وحكي ذلك عن البلخي. وقيل: المعنى لا تخاطروا بنفوسكم في القتال فتقاتلوا من لا تطيقونه، وروي ذلك عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه، وقيل: المراد لا تتجروا في بلاد العدو فتفردوا بأنفسكم، وبه استدل مالك على كراهة التجارة إلى بلاد الحرب، وقيل: المعنى لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، وأيد بما أخرجه أحمد وأبو داود عن عمرو بن العاص قال: «لما بعثني النبي صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك له فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك وذكرت قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} الآية فتيممت ثم صليت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا»، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه: {وَلاَ تَقْتُلُواْ} بالتشديد والتكثير، ولا يخفى ما في الجمع بين التوصية بحفظ المال والوصية بحفظ النفس من الملائمة لما أن المال شقيق النفس من حيث إنه سبب لقوامها وتحصيل كمالاتها واستيفاء فضائلها، والملائمة بين النهيين على قول مالك أتم، وقدم النهي الأول لكثرة التعرض لما نهى عنه فيه.
{إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} تعليل للنهي، والمعنى أنه تعالى لم يزل مبالغًا في الرحمة، ومن رحمته بكم نهيكم عن أكل الحرام وإهلاك الأنفس، وقيل: معناه إنه كان بكم يا أمة محمد رحيمًا إذ لم يكلفكم قتل الأنفس في التوبة كما كلف بني إسرائيل بذلك..

.تفسير الآية رقم (30):

{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)}
{وَمَن يَفْعَلْ ذلك} أي قتل النفس فقط، أو هو وما قبله من أكل الأموال بالباطل، أو مجموع ما تقدم من المحرمات من قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهًا} [النساء: 19]، أو من أول السورة إلى هنا أقوال: روي الأول: منها عن عطاء ولعله الأظهر وما في ذلك من البعد إيذان بفظاعة قتل النفس وبعد منزلته في الفساد، وإفراد اسم الإشارة على تقدير تعدد المشار إليه باعتبار تأويله بما سبق.
{عدوانا} أي إفراطًا في التجاوز عن الحد، وقرئ {عدوانا} بكسر العين {وَظُلْمًا} أي إيتاءًا بما لا يستحقه، وقيل: هما عنى فالعطف للتفسير، وقيل: أريد بالعدوان التعدي على الغير، وبالظلم الظلم على النفس بتعريضها للعقاب، وأيًا مّا كان فهما منصوبان على الحالية، أو على العلية، وقيل: وخرج بهما السهو والغلط والخطأ وما كان طريقه الاجتهاد في الأحكام {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} أي ندخله إياها ونحرقه بها، والجملة جواب الشرط.
وقرئ {نصليه} بالتشديد، و{نصليه} بفتح النون من صلاه لغة كأصلاه، ويصليه بالياء التحتانية والضمير لله عز وجل، أو لذلك، والاسناد مجازى من باب الاسناد إلى السبب.
{وَكَانَ ذلك} أي إصلاؤه النار يوم القيامة {عَلَى الله يَسِيرًا} هينًا لا يمنعه منه مانع ولا يدفعه عنه دافع ولا يشفع فيه إلا بإذنه شافع، وإظهار الاسم الجليل بطريق الالتفات لتربية المهابة وتأكيد استقلال الاعتراض التذييلي..